راوٍ يقتل أبطاله جميعًا ليعيش!

Foto

أبطال القصص جميعهم صعايدة، قاتلون ومقتولون، تحمل القصص الثلاث الوسطى أسماء أبطالها -وهى أسماء فيها غرابة- وتشذ القصتان الأولى والأخيرة


الحب الممزوج بالموت والمقترن به هو شاغل أشرف الخمايسى فى مجموعته «أهواك»، الصادرة حديثًا عن دار الربيع العربى، وتضم خمس قصص: «سمكة فاتنة.. وموزونة»، و«قمر السماء محبوب»، و«كرم الجميل نجم الزمانى»، و«حدثنا سمير الزهرانى»، و«الغرام الأقصرى»، والعنوان «أهواك» ورد مرَّتَين فى القصة الأخيرة، تكرر ثلاث مرات متتابعات صـ164، وفى صـ173 جاء متبوعًا بفعلَين مرادفَين للتأكيد: «أهواك.. باحبك.. باعشقك»، وفى القصة نفسها يسأل سؤال المجموعة واضحًا دون لبس: «هل يمكن أن يكشف العشق عن نفسه فى لحظة وامضة، ومشحونة بعنف القتل؟!»، هو لا يجيب إجابة صريحة، لكن قصصه الخمس تقول: «نعم».


أبطال القصص جميعهم صعايدة، قاتلون ومقتولون، تحمل القصص الثلاث الوسطى أسماء أبطالها -وهى أسماء فيها غرابة- وتشذ القصتان الأولى والأخيرة، ورغم أن الأولى لم تبعد عن الفكرة، لأن عنوانها وصف للبطلة، فإن الأخيرة هى الأضعف: عنوانها تقليدى، وأحداثها سينيمائية متكررة فى الأفلام منخفضة التكاليف، ومبنية على سلسلة من الصدف المتوالية غير المبررة، فالصدفة تضع البطل القاتل فى طريق محبوبته المقتولة ثلاث مرات فى ثلاثة أيام متتالية، وتعرفه كل مرة رغم تغيُّر شكله: الأولى بجلباب وطاقية بيضاء يضرب زملاءها بالجنزير فى محطة قطار الأقصر، ولا يضربها لأنه أحبّها من النظرة الأولى كالأفلام، والثانية ببنطلون جينز حين تقابل اللنش الذى يركبه مع المركب الشراعى الذى تركبه فى عرض البحر، كل فى طريق، والثالثة بملابس جنود الأمن المركزى يحمل سلاحًا آليًّا، وصدفة الصدف أنه تمنّى أن يكون اسمها لبنى، وهو اسمها بالفعل!


القصة الأولى «سمكة فاتنة.. موزونة» الوحيدة التى تدور أحداثها فى القاهرة، حيث بطلها الصعيدى ينزل فى لوكاندة رخيصة فى شارع كلوت بك، تزوره فتاة شديدة الجمال كل ليلة، تدخل الغرفة رغم أنه يغلقها بالترباس- بين اليقظة والنوم- وتأخذه إلى مكان جثتها، يندهش لأنه يراها حيّة فى أكثر من مكان، هذه البنت التى تشبه بنتًا منحوتة على جدار فى معبد الرامسيوم بالأقصر تقدم سمكة قربانًا للإله، لكنه فى النهاية يقتلها وهو يحاول سد فمها كى لا تصرخ وتفضحه، ليبدأ فى دفنها فى بئر ماء تحت سلم مئذنة مسجد إسماعيل أغا السلحدار فى شارع المعز.

الموت هنا مبرر فنيًّا، لكنه يفقد مبرراته فى القصص التالية، فما الذى يجعل «قمر الزمان محبوب» يقف أمام القطار؟ وما الذى يجعل قسوة الجميل الزمانى تصل لدرجة قتل ابنه الوحيد «كرم» وزوجته «بدرية»؟ وإذا كانت ضخامة جثته وطفولة تصرفاته تبرران أفعاله، فما المبرر الذى يجعل بائع القماش فى قصة «حدثنا سمير الزهرانى» يغرس الوردات فى قلبه؟ فضلاً عن مهرجان الموت التليفزيونى فى القصة الأخيرة!


وبصرف النظر عن الأحداث وتبريراتها، فإن لدى أشرف الخمايسى قدرة على صياغة جملة رشيقة، وصنع أجواء حميمية تشد قارئه من بداية القصة لنهايتها دون أن يشعر بملل، فضلاً عن الدفء الرومانسى وقصص العشق الملتهبة، حتى إنه يعيد المقطع الواحد فى القصة أكثر من مرة، بنفس تركيبها أو بانزياح قليل يضيف قليلاً للمعنى، ومع ذلك تحب أن تقرأ المقطع كل مرة، مثلما كرر الروائى الإيطالى أليساندرو باريكو، وصف طريق الحرير فى روايته الشهيرة «الحرير» دون أن يصيب القارئ ملل.

كما أن الخمايسى استفاد من ثقافته الدينية فى بناء القصة على شكل الأحاديث المنقولة عن أشخاص عديدين، ومن الثقافة الشعبية حيث قصص الحب التى يرويها الشعراء الشعبيون فى الموالد، وهو -أخيرًا- يملك اللغة ويستنطقها، سواء الفصحى اللينة التى يستخدمها فى السرد، أو العامية التى تنسج منها الحوارات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات