.

يا قانون الغابة يا مقرّب البعيد.. يا مسابق الحمام والسكة الحديد

Foto


القانون فى معناه اللغوى فى المعجم الوجيز هو «مقياس كل شىء وطريقته»، وفى معناه الاصطلاحى هو «أمر كلى ينطبق على جميع جزئياته التى تتعرف أحكامها منه»، وفى معناه الفلسفى انقسم الفلاسفة فى تعريفه إلى قسمين، فبينما يرى البعض مثل «جان جاك روسو» أن القانون هو من اختراع الأقوياء من الرجال ليقيدوا ويحكموا الضعفاء منهم، يرى البعض الآخر مثل «فريدريك نيتشه» العكس تمامًا، فالقانون هو من اختراع الضعفاء من الرجال لتقييد وكبح لجام الأقوياء منهم. وفى معناه الدينى هو حكم السماء النهائى والحاسم والحازم والذى يدخل التشكيك فيه فى إطار الكفر والإلحاد، وهو الحكم الذى يختلف باختلاف ما يعتقده أصحاب كل ديانة. وفى معناه الاجتماعى هو ما اتفقت الجماعة التى تعيش فى بيئة معينة وتمتلك نفس المرجعية الثقافية عليه. وفى هذا الإطار سوف تجدون القانون الاجتماعى لدولة عربية إسلامية، مثلًا، يفرض على الفتاة الحجاب، بينما نفس القانون الاجتماعى لقبيلة إفريقية لا تزال تعيش فى الغابة يفرض على الفتاة أن تسير عارية الصدر. وفى معناه الاقتصادى هو ما اتفقت الشركات العالمية الكبرى عليه فى إطار اتفاقيات دولية تضعها تلك الشركات نفسها، وفى هذه الحالة يعد الخروج على القانون هو الخروج على ما اتفقت عليه تلك الشركات الضخمة. وفى معناه العلمى هو آخر ما توصلت إليه البشرية، فبعد أن كان القانون ينص على أن الثانية هى المساحة الزمنية الأصغر التى يمكننا قياسها، جاء زويل ليغير القانون ويخبرنا أن الفيمتوثانية هى المساحة الزمنية الأصغر وليست الثانية. وفى معناه الكونى كان القانون ينص على أن الأرض هى مركز الكون ثم أصبح القانون هو أن الشمس تدور حول الأرض ثم أصبح القانون هو أن الأرض ضمن مجموعة كواكب أخرى هى التى تدور حول الشمس.. ولسه!

فالقوانين يا أعزائى نسبية فى الأساس، حتى وإن بدا الأمر لكم على غير ذلك النحو. بينما القانون الحقيقى الوحيد المطبق بحذافيره منذ بدء الخليقة وحتى الآن هو قانون الغابة. ذلك هو القانون اللى بجد.. الأقوى يعيش والأضعف يموت، الأقدر على التكيف يستمر وغير المتأقلم ينقرض. ذلك هو القانون الذى لا يوجد به تلاعب أو حركات أو ثغرات. ذلك هو القانون الثابت الذى يسرى على الكل فى جميع الأوقات وفى كل الأماكن، أما قانوننا البشرى فهو بشرى، وهذا يكفيه جدًّا ليصبح نسبيًّا!
هى ليست دعوة للتشاؤم بقدر ما هى دعوة لرؤية الأشياء بشكلها الحقيقى، فرؤية الأشياء بشكلها الحقيقى تنزع عنا ثوب التوقعات، وتجعل ما يمكن أن يتعسنا فى حال حدوثه فى إطار فهمنا الخاطئ له أقل إتعاسًا لنا فى حال حدوثه فى إطار فهمنا الصحيح له. يقول العم جبران خليل جبران فى هذا الصدد: «كم من مذهب يحاكى زجاج النافذة، نرى الحق من خلاله، غير أنه يفصل بينه وبيننا». لهذا لو لم نقتنع أن ما نراه أمامنا يفصل بيننا وبينه زجاج نافذة، لا ينبغى علينا أن نغضب إذا ما رشقنا فى هذا الزجاج. وبناءً عليه يصبح كل ما هو مكتوب فى تلك الباراجرافات السابقة بمثابة دعوة إلى عدم الرشق فى الزجاج، ليس أكثر ولا أقل. دعوة صادقة تتخذ من مقولة العم جبران التى ذكرتها سقفًا لها، بينما تتخذ من تلك المقولة الأخرى له أساسًا وأرضية «نصف ما أقوله لك لا معنى له، غير أنى أقوله لعل النصف الآخر يبلغك»!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات