.

الزوايا.. والخبايا  فى تاريخ اليهود الصهاينة  

Foto

قبل مئة وواحد وعشرين عامًا، تمت طباعة عمل يمكن وصفه بالعمل الاستشرافى الأول؛ لأنه فى عام ١٨٩٣، لم يكن هناك ما يشير إلى أن الصهاينة سوف تتجه أهدافهم إلى انتزاع أو التهام فلسطين


من أوائل المطبوعات المصرية سلسلة معنية -كما يبدو من العنوان- بفجر الكلمة المطبوعة فى مصر، أو البواكير الأولى من النصوص المصرية التى أخذت طريقها إلى المطبعة.

وتصدر عن مركز تاريخ مصر المعاصر التابع لدار الوثائق المصرية.


قبل مئة وواحد وعشرين عامًا، تمت طباعة عمل يمكن وصفه بالعمل الاستشرافى الأول؛ لأنه فى عام ١٨٩٣، لم يكن هناك ما يشير إلى أن الصهاينة سوف تتجه أهدافهم إلى انتزاع أو التهام فلسطين؛ لذلك لابد أن تتوقف عندما يلجأ نجيب الحاج إلى تعريب ما كتبه جورج كورنيليان، عن خطورة الصهاينة اليهود، بل وأن يعاد طبع الكتاب مرتين فى عام واحد، ثم يتم التعتيم عن الكتاب إلى أن يعاد طباعته مرة ثالثة بعد ١٢١ عامًا، كما أوضحت فى البداية.

طب ما كنْه وطبيعة كتاب «فى الزوايا خبايا»؟ أولاً، خد بالك من العنوان الرئيسى لعمل مكتوب باللغة الفرنسية ومترجم عام ١٨٩٣. للوهلة الأولى ربما يروح الذهن إلى فكرة الزوايا الصوفية، لكن الحقيقة أنها خدعة بريئة، لا نعرف من الكاتب أو المترجم، أو مَن كلاهما؟ لأننا سرعان ما نعرف أن الخواجة الذى كتب الكتاب إنما قصد الولوج إلى خبايا اليهود وأسرارهم فى أوروبا عمومًا وفرنسا بالأخص، وفى مصر، فى ذلك التوقيت، وكأنه أراد أن يكشف عن حيثيات الرغبة الأوروبية فى استبعاد اليهود، كاشفًا عن رغبة المجتمعات الأوروبية فى التخلص من اليهود. هذا من جهة، لكن الأهم أنه يكشف عن تباشير الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإرهاصات المستوطنات الأولى فيها. يقول لنا الأستاذ الدكتور محمد صبرى الدالى، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان، إن المطبعة المصرية قد أخرجت فى القرن التاسع عشر عددًا قليلا من العناوين على شاكلة «الدرة الحقيقية البهية» أو «خروج الإسرائيليين من مصر»، وترجمة نخلة صالح.

وينصحنا الدكتور الدالى، خصوصًا المؤرخين منا، أن نولى أفكارًا ومعانى وردت فى كتاب «الخبايا»، لفهم المزيد عن أسباب طرد اليهود من أوروبا، حتى وإن افتقد الكتاب التوثيق العلمى كما ينبغى.

ظهر كتاب «خبايا الزوايا» الذى يحذر من خطر اليهود فى فرنسا قبل اثنى عشر عاما من ترجمته للعربية، لكن مَن هو الخواجة المؤلف المدعو جورج كونيليانى؟ لا نعرف غير كونه من مشاهير الكَتَبة، وأنه كان وطنيًّا معنيا بالبحث عن «أسباب ضعف الفرنسيس وهزيمتها فى حرب السبعين»، وأنه توصل إلى أن اليهود هم السبب.


هذا عن المؤلف، فمن هو المعرّب أو المترجم؟ لا نعرف غير أنه كان مكاتبًا لجريدة اللفانت هيرالد، أى مراسلاً لجريدة، لكنه مراسل جسور وليس كأى مراسل. لماذا يقول هو نفسه عن نفسه: «جازفت بنفسى حبًّا لأهل وطنى، وعرضتها لسهام الملام، غيرةً على أبناء جلدتى».

ولا يخفى ما قصده السيد نجيب الحاج، فما فعله من ترجمة يعرضه الذين من اليهود والمتعاطفين معهم -لا سيما أن مصر كانت وقت الاحتلال البريطانى- يحكى المترجم فى المقدمة بادئًا من سؤال يدرك ما سوف يأتى به: كيف -على حد تعبيره- يصل اليهود إلى اغتيال الأمم التى دخلوا بينها رغم خسّة أصلهم وجبانة قلوبهم، يبدو الأمر وكأن المسألة قد امتلكت عقل المترجم أو المعرب.

يقول: وإذ كنت أرى الشر يحل أينما حلّ اليهود فما دخلوا مملكة إلا وانتزعوا دماءها، ولا ولجوا بلدًا إلا وسلبوا أموالها، يحملنى ذلك على البحث ويحولنى إلى النظر فى ما هو الذى يخوّلهم تلك القوة، ولا سيما إذ رأيتهم فى البلاد المصرية والأستانة وتونس وسوريا أرباب المال والعقار وذوى النفوذ فى الحكومات، فإنى عجبت لذلك وزدت فحصا وتنقيبا لعلى أطلع على العلّة فأنبه مواطنى إليها وأقف على السر، حتى عثرت على كتاب باللغة الفرنسية لرجل من مشاهير كتبة الفرنسيس فحول منى النظر فقراته، ثم عاودته، ثم أعدت الكرّة عليه، فزال الغشاء عن عينى والعناء عن قلبى؛ لأنى علمت كيفية دخولهم بين الأمم. طبعًا يستمر المعرب فى الدفع بحيثيات، مجملا ما يراه من شرور وجمعيات يسخرها اليهود لتحقيق المآرب، فرأيته كتابا أذاع الأسرار وكشف المخبأ وهو يعود بالفائدة على أهل الوطن.

وقد سميته «فى الزوايا خبايا» لأنه كشف المخبأ وأذاع المكنون.. علّه يكون عبْرة لأولى الألباب، فانتبهوا إلى الخطر الذى يتهددها إن بقوا على تخاذلهم عن خداع أمة اليهود وتهافتها على الوقوع فى شراكهم، لكن يصدمنا أستاذنا الدالى لما يكشف لنا أن المعرّب مع كل ما أباه وخلعه على نفسه من أوصاف الشجاعة والجسارة، أسقط من الترجمة فصلا كاملا كان محوره يهود مصر وحقيقة علاقتهم بالفرنسيين والإنجليز، كما أنه تعرض بسطحية لموقف الدولة العثمانية من الهجران اليهودية إلى فلسطين. فى النص الأصلى يقدم الكاتب كورنيليان حشدًا للكتابات الأوروبية المضادة لليهود؛ ككتاب «روسيا اليهودية» لـ«أليكست دى دولسكى»، وفيه فضح تعاليم اليهود ومقاصدهم السرية وسلوكهم. وكتاب «فرنسا اليهودية» لريمون، وفيه كشف عما ارتكبه اليهود من ذنوب.


على نفس المنوال سار الكاتب كورنيليان، وأوضح أن الهدف من مشروعه: «إننا فى الوقت الحاضر نكدّ ونتعب، بل نهلك باليهود ولأجل اليهود، فيا له من أمر غريب ومنظر محزن مؤلم، كيف أن شعبًا اتصف بالعقل وعرف بالشجاعة والثبات، يتألف من أربعين مليونا، يستعبده ثلاثة آلاف فرد من الـ… يهود؟!»، وبعد أن يشحذ كورنيليان الهمة ويتعهد بإعاقة شعبه وأن يستعيد وعيه: «سننهض بمهمتنا المعروفة ونضرب بسيف الحرية، ونزيح الغشاء الذى لم يزل يمنع عن أعين شعبنا النور الحقيقى، لعلهم ينتبهون إلى الهاوية التى تهددهم».

لكن كورنيليان سرعان ما تتبدد شجاعته أمام مخاوف الواقع الفرنسى الغارق لشوشته، كما يقول فى المؤامرة اليهودية التى تتضاعف معها ديون فرنسا وارتباكاتها، وخصوصًا أن إشارة واحدة من روتشيلد تكفى لإسقاط جسم فرنسا فى يد الألمان الأعداء.. كورنيليان اتهم أثرياء فرنسا بأنهم يغضّون البصر عما يفعله اليهود بفرنسا، ووجه كلامه إلى الجيش، ونبّه إلى مساوئ اليهود تاريخيًّا تحت عنوان «ضلال اليهود»، مُستدلا بتجربتهم فى مصر وتصرفاتهم مع النبى موسى. وهى أمور من وجهة نظره، تثير كراهية ونفور أى إنسان قادر على التمييز، خصوصًا أن «حالة اليهود السيئة لم تكن أيام موسى فقط بل هى تزداد وتنمو أيام الملوك والحُبار المتعاقبين بعد موسى، وكثيرا ما كان ذلك يعود عليهم بالخذلان والخسارة، فيبلوهم الله بالسبير والهلاك ثم يبعث لهم الرسل والأنبياء ليرشدوهم لكنهم كانوا يبادئونهم بالشر ويميتونهم». عنصرية الكاتب الفرنسى بمعايير العصر تفوق الوصف، وخصوصًا عندما يعرض لما سماه أوصاف الأمة اليهودية منذ بدايتها، وكما حفظها التاريخ: «الاحتيال والمكر والاختلاس وارتكاب المحرّمات وعدم الاعتراف بالجميل وكثرة النزال (سفاكة)».

أما التلمود عند الكتاب الفرنسيين، منتصف القرن التاسع عشر، فهو مختصر كتابات اليهود الدينية «يبيح لهم ما يميلون إليه. أسسه قادتهم الدينيون على زعم أن سعادة إسرائيل موعودة من الله» فإنه فضلا عما أعطى اليهود من امتيازات على كل الشعوب فى أيام أبينا إبراهيم وموسى، المبدأ الذى بنى عليه التلمود أن العزة الإلهية أعدت للأمة اليهودية امتلاك الأرض برمتها ووعدتها بالتمتع بجميع خيراتها حيث إنها خلقت لأجلها وكانت لها وسترجع إليها بالآجل أو العاجل، وقد جاء فى نص التلمود «يباح لإسرائيل بل يفرض عليه قتل من أمكنه قتله من الجوكم، أى الخارجون عن إسرائيل وكذلك مال الجوكم حق لليهود وعليه فإنه يجوز اغتصابه وإلا فسرقته».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات