.

إيران.. نواة لثورة شعبية أم تنفيس للغضب؟

Foto

ما عن الأسباب، فإن الاحتجاجات تبدو غير منظمة بشكل محدد فى ما يتعلق بمطالبها أو شعاراتها. ففى جزء منها قد تبدو مدفوعة


ما بين المبالغات المدفوعة بمشاعر عداء قد تحملها بعض البلدان الخليجية ووسائل إعلامها المؤثرة نحو إيران، أو حتى تلك المشاعر التى يحملها بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعى ممن يحلمون وبنبل بالتخلص من النظم السلطوية والدينية فى المنطقة والتى تعد إيران رمزا لها، وما بين تقليل على الجانب الآخر من حجم ما يحدث فى إيران وكأنه هو والعدم سواء، تبدو حقيقة ما جرى فى إيران فى الأسبوع الماضى محل تساؤل الكثيرين، وترتبط بالمزيد من الأسئلة حول حجم ومدى اتساع تلك الاحتجاجات، ودوافعها، ومدى تشابهها مع احتجاجات سابقة شهدتها إيران قبل سنوات. وهنا وفى تلك السطور نحاول أن نقدم إجابات عن بعض تلك الأسئلة، وفقا لما هو متاح من معلومات عبر مصادر عدة أخذا فى الاعتبار تضييقا تفرضه وسائل الإعلام الإيرانية على حقيقة ما يحدث فى الداخل.
وهنا، وفى البداية، فإنه ينبغى التأكيد أنه حتى لحظة كتابة هذه السطور، كانت الاحتجاجات فى إيران قد تواصلت ليومها الثالث فى ست مدن إيرانية تقريبا، بعد أن بدأت الخميس الماضى من مدينة مشهد، تلك المدينة الواقعة شمال غرب البلاد، وتعد ثانى أكبر مدينة من حيث عدد السكان وتعد مركزا دينيا هاما، وامتدت الاحتجاجات إلى مدن أخرى من بينها العاصمة الإيرانية طهران خصوصا فى محيط الجامعة، الذى شهد وبشكل خاص اشتباكات وتظاهرات شارك فيها مئات من الشباب والطلاب.
ووفق تقارير صحفية، وبمتابعة مقاطع الفيديو التى انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى ومحاولة تدقيقها، يبدو أن المشاركة فى تلك التظاهرات المتفرقة قد تراوحت بين العشرات فى بعض الأماكن مثل يزد فى الجنوب وشاهرود فى الشمال وكاشمر فى شمال شرق البلاد، ووصل العدد إلى المئات والآلاف فى مناطق أخرى مثل مدينتى مشهد وطهران. لكن فى النهاية قد يبدو للوهلة الأولى أن مدى تلك التظاهرات التى أحدثت زخما واسعا وربما قلقا كبيرا لدى النظام من أن تكون شرارة لما هو أكبر، ظلت محدودة حتى كتابة هذه السطور. وإن كانت على الجانب الآخر يمكن وصفها بأنها تعبير عن حالة الحراك الأوسع والأكثر زخما منذ خروج الاحتجاجات الشهيرة فى إيران فى عام 2009.
أما عن الأسباب، فإن الاحتجاجات تبدو غير منظمة بشكل محدد فى ما يتعلق بمطالبها أو شعاراتها. ففى جزء منها قد تبدو مدفوعة بحالة من الغضب نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية فى إيران، بما فى ذلك ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والسلع الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية، وهى مشاعر غضب لها جذور فى الواقع. فإن كانت العقوبات التى رفعت من على إيران فى عام 2015 بعد التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووى الإيرانى بين حكومة روحانى ومجموعة 5 +1، قد دفعت البعض إلى التكهن بأن تحسنا واضحا سوف يطول الاقتصاد الإيرانى ومن ثم الأوضاع الداخلية للمواطنين وفق وعود رسمية، إلا أن الاستثمارات ترددت فى النفاذ إلى السوق الإيرانية لأسباب سياسية عدة من بينها هيمنة الحرس الثورى الإيرانى على الاقتصاد، وصعود ترامب الذى توعد إيران بالتراجع عن الاتفاق، وخشية مستثمرين من أن يقعوا تحت طائلة قوانين وعقوبات وتوترات أخرى لربما كانت أحد الأسباب التى لم يخلق معها التحسن الكافى أو التغيير الواضح على الأحوال المعيشية للمواطنين، هذا بالإضافة إلى استنزاف القدرات المالية فى معارك إقليمية فى جبهات عدة.
غير أن السبب الاقتصادى والاجتماعى لا يبدو هو السبب الوحيد، أخذا فى الاعتبار غياب الحالة الموحدة التى اتسمت بها الاحتجاجات تلك، إذ إن الهتافات التى رددها متظاهرون وانتشرت فى مقاطع الفيديو على وسائط التواصل الاجتماعى تشير إلى بعد سياسى كذلك. هذا على الأقل ما تكشفه الشعارات السياسية التى رفعها محتجون وصفوا النظام السياسى الحاكم فيها بالديكتاتور، وهى أوصاف لم تقتصر فقط على حسن روحانى، الرئيس الإيرانى، الذى يبدو أن الثقة فيه باتت محل تراجع، بل امتدت لتطول التنديد بالحكم الدينى والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية الذى أشعل المحتجون النار فى صوره فى إحدى المناطق فى إيران، هذا بالإضافة إلى ما يمكن كذلك ملاحظته من إشعال النيران فى إحدى سيارات الشرطة وحرق مقار حكومية، وهتافات تبدو معادية لإيلاء إيران اهتماما أكبر بقضايا إقليمية وتوسع للنفوذ فى المنطقة، وهو الأمر المكلف بالضرورة، على حساب تحسين الظروف داخل البلاد.
أما عن رد فعل الحكومة الإيرانية والحرس الثورى الإيرانى، فيبدو أن الرغبة فى السيطرة على أى غضب فى المهد والخوف من اتساع نطاق تلك الاحتجاجات بإعادة مشاهد تظاهرات عام 2009 التى شارك فيها مئات الآلاف احتجاجا على مزاعم تزوير الانتخابات لصالح أحمدى نجاد، وما خلفته ذاكرة الربيع العربى من مخاوف الإطاحة بأنظمة استقرت لعقود.. كانت حاضرة كشبح لدى النظام الإيرانى الذى جاء إلى الحكم عبر ثورة شعبية عام 1979 أطاحت بالشاه وامتطى ظهرها الإسلاميون الذين رسخوا الحكم المستقر اليوم فى إيران. 
وهنا فقد كان تصاعد رد فعل النظام فى إيران كاشفًا عن هذا القلق، وهو رد الفعل الذى تطور من التحذير فى البداية بعدم قانونية تلك التظاهرات والمشاركة فيها، مرورًا بمواجهتها باستخدام قنابل الغاز والهراوات والاعتداء على المتظاهرين بعنف شديد، انتهاءً بتطور حدة مستوى العنف المتبع من قبَل الأمن، وإطلاق الرصاص، ما أسفر عن مقتل عدد من المتظاهرين، تتضارب الأنباء حول عددهم الدقيق. وإن كانت الحكومة قد اعترفت بوفاة اثنين، فقد نفت أن تكون هى المتورطة، وقد حمّلت المسؤولية -على غرار أى نظام مستبد فى المنطقة- لعملاء أجانب ومحرضين، بينما ألصق الحرس الثورى الإيرانى مسؤولية قتل المتظاهرين بعناصر انخرطت وسط الصفوف وقامت بإطلاق النيران على المتظاهرين بشكل عشوائى! وبالتوازى فقد كان هناك المزيد من الإجراءات التى من الممكن أن تتوقعها؛ مثل حشد تظاهرات مؤيدة فى المقابل على بوابات جامعة طهران، وقطع الإنترنت عن الهواتف فى العاصمة كى لا يتسع مستوى الاحتجاجات، وإلقاء القبض على العشرات، وتصعيد نبرة التحذير والتهديد بـ«قبضة حديدية» فى مواجهة المزيد من الاحتجاج، أو الخروج إلى الشارع.
وعلى الرغم من الحظر الشديد الذى يفرضه النظام الإيرانى على وسائل الإعلام، فإن الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو التى وجدت طريقها إلى وسائل التواصل الاجتماعى نجحت فى جذب اهتمام العالم والكثير من وسائل الإعلام العربية والغربية. وعلى الرغم مما أثارته تلك الصورة من آمال لدى البعض أن تكون تلك الاحتجاجات شرارة لتغير فى إيران، أو على الأقل أداة ضاغطة نحو الإصلاح الداخلى، فإن الأمر ليس يسيرًا لهذه الدرجة، فمن ناحية ومثلما أشرنا، تبدو تلك الاحتجاجات محدودة الحجم وأقل قدرة على التعبئة حتى لحظة كتابة هذه السطور، على الرغم من زخمها، ومحاولة وجودها فى مدن معروفة برمزيتها الدينية؛ مثل قم والمشهد، وتبدو فاقدة لرابط وشعارات سياسية جامعة. كذلك فإن صلابة النظام الإيرانى التى أبداها فى مواجهة احتجاجات سابقة قد تكون عنصرًا مرجحًا لقدرته على احتواء مثل تلك الاحتجاجات، حتى وإن اتسعت.
وهنا فلَربما نحن فى حاجة إلى التذكرة بتلك الاحتجاجات التى كانت قد خرجت فى إيران فى عامَى 1999 و2003، وهى احتجاجات ضمت الآلاف، لكنها اضمحلت وتلاشت فى غضون فترة من أسبوع إلى عشرة أيام تقريبًا، فى مواجهة قمع حاد وصارم واجهها النظام به. وحتى تلك الاحتجاجات، التى خرجت فى عام 2009، على مزاعم تزوير الانتخابات لصالح الرئيس السابق أحمدى نجاد، والتى شارك فيها مئات الآلاف، وعُرفت فى وسائل الإعلام بالثورة الخضراء، وكانت تحمل بعدًا سياسيًّا واضحًا، وتضم تقريبًا أكبر حشود شهدتها الجمهورية الإسلامية سابقًا، ولَربما ربطها البعض بشرخ داخل نظام الحكم، نجحت السلطة فى النهاية فى السيطرة عليها وقمعها وتشويهها واتهامها بالعمالة لصالح الخارج، ومن ثم العودة بالأمر إلى المربع صفر.
ويعزز القلق نفسه هذه المرة إسراع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وإدارته، بإصدار تصريحات حادة داعمة لتلك الاحتجاجات، وحديث من وزير الخارجية الأمريكى ريكس تيلرسون عن دعمه لما وصفه بـ«عناصر داخل إيران تسعى إلى انتقال سلمى للسلطة». وهو ما تلاقى مع احتفاءات ومبالغات فى وسائل إعلامية خليجية حول حقيقة ما يحدث داخل إيران، وهو ما قد يعزز من رواية السلطات الإيرانية حول أن تلك الاحتجاجات المحدودة تلقى دعمًا من دول مُعادية، وهو ما قد يُفقدها الحاضنة الشعبية لأن تتطور وتزدهر، أخذًا فى الاعتبار محدودية الحجم الذى بدأت به، ويعطى الخطاب الرسمى مصداقية فى مواجهتها.
لكن فى النهاية، تظل المتابعة الدقيقة لما سوف يجرى فى الأسبوع القادم حاسمة، ولَربما كاشفة عن مصير تلك الاحتجاجات وما يحيط بها من المزيد من التفاصيل والمعلومات، التى ما زال حتى الآن الكثير منها غير متاح.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات