.

«فرصة سعيدة» للهروب من السياسة ووجع الدماغ

Foto

كيف سقط العرض فى فخ الخطابة المجانية والتى بسببها هجر الجمهور المسرح؟


على مدى السنوات التى عمل بها أحمد بدير فى المسرح كان عادة ما يتخذ من السياسة ومسرح الكباريه السياسى محورًا للقضايا التى يناقشها على الخشبة، غير أنه خالف تلك القاعدة هذا العام وراح يقدم تجربة اجتماعية بحتة، سبق عرضها تصريحات أكد خلالها أن المسرح السياسى يسبب وجع الدماغ، وأن مسرحيته الجديدة «فرصة سعيدة» لم يشهد المسرح المصرى مثلها من قبل، مشددًا على أنه ليس من النجوم الذين يقدمون أى شىء لمجرد الوجود، والدليل أنه انتظر عامَين كاملَين حتى استقر على هذا النص.

وبغض النظر عن كون «وجع الدماغ» السبب فى أن يغير بدير وجهته من المسرح السياسى الذى اشتهر بكونه واحدًا من أشهر نجومه إلى مدرسة أخرى أم أن هناك سببًا آخر، نجد أن القائمين على التجربة الجديدة حاولوا الإمساك بالعصا من المنتصف، فجاءت المسرحية «ماسخة» لا هى أفلتت من سقطات الكوميديا السطحية التى يشتهر بها المسرح الخاص، ولا هى تعمَّقت فى الطرح كحال تجارب مسرح الدولة.
تبدأ المسرحية بعيد ميلاد البطل الذى يسعد بوجود كوكبة من الأصدقاء يلتفون حوله ليشاركوه هذا الحدث المهم بالنسبة إليه، بعدما وصل إلى سن الثمانين، وبشكل مفاجئ يتبخَّر الجمع ويكتشف البطل أنهم مجرد سراب. وبشكل مفاجئ أيضًا يخرج من المرآة شبيه البطل ليوبّخه وينهره على أفعاله وشروره التى تؤذى كل المحيطين به.
وكعادة الأعمال السطحية، جاءت العبارات والخطب الرنانة حول الطيبة والشر، لينتهى هذا «الدرس التعليمى» بمنح فرصة للبطل الشرير حتى يعود إلى الماضى ويصحح أخطاءه. وبالفعل يعود البطل برفقة قرينه إلى الثلاثينيات حيث مرحلة الابتدائى، ومنها يمضى سريعًا إلى زمن آخر وصولًا إلى الوقت الراهن لنرى فى كل مرة كيف تغيَّرت شروره بتغيُّر المكان والزمان، وإن كان القاسم المشترك هو تعرض الغير للضرر بسببه.
وختامًا، يطلب البطل التطهر معترفًا بخطاياه، سائلًا الجميع عبر أغنية حماسية أن يتسامح مع الغير ويحب الخير لكل المحيطين به ولا مانع من أن يصحح أخطاءه بدلًا من الإصرار عليها والتمسك بها.
استُلهمت تفاصيل العرض من أعمال مسرح القطاع الخاص، ديكورات عادية تفسر فقط المكان الذى تدور به الأحداث دون أية لمسات إبداعية، أو إسقاطات تدعو إلى إعمال العقل، الموسيقى فقيرة إلى حد كبير، الملابس عادية يتنقل بها فريق العمل بين العصر الحالى والزمن الماضى، حتى التمثيل غلبت عليه روح الكوميديا المجانية والإفيهات التى جاءت بعيدة عن الحدث وكأنها العادة التى يتبعها دومًا أحمد بدير فى تجاربه المسرحية.
سقط العرض فى فخ الخطابة المجانية، وهو أحد أخطر العيوب التى يمكن أن نشهدها فى المسرح والتى سقطت بسببها الكثير من التجارب التى هجرها الجمهور، واليوم ونحن نشكو تراجع الجماهير وغيابها عن المسارح، لصالح التجارب التليفزيونية كحال مسرح مصر والتى بات الكثيرون يعتقدون أنها المسرح الحقيقى رغم أنها ليست كذلك، كان ينبغى على بدير ورفاقه فى العمل أن يدركوا أن لهم رصيدًا كبيرًا فى قلوب الجمهور، وهو ما يضمن لهم العرض كل ليلة، رافعين شعار كامل العدد، وأن هؤلاء إنما جاؤوا للاستمتاع وإمتاع العقل لا لمجرد الضحك على بعض الإفيهات والتقاط الصور السيلفى مع النجوم بعد نهاية العرض.
قد تسأل الآن: هل يمكن أن نتغاضى عن أن رسالة العمل فى مجملها مهمة فى وقت نعانى فيه التعصب ونبذ الآخر، وأن التجربة بُذل بها جهد كبير من الجميع؟ فأجيبك: وما قيمة ذلك كله وأنت تقدم تجربة سطحية لا تترك لدى المتلقى أى أثر؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات