.

فى كل سطر.. «أعمى» يكتب بالعطر

Foto

الفيلم يعتمد فى تصاعد أحداثه على التحول الحادث فى نفوس كل منهم


الأفلام التى تتناول حياة كاتب والآلية الإبداعية للكتابة يسير أصحابها على حد الموسى، فعلى الرغم من شغف أرباب القلم بالموضوع، ينصرف القطاع الأكبر من المشاهدين عنها، تمامًا كما يحدث مع الأفلام التى تتناول عوالم شديدة الخصوصية، لا تجذب إلا عشاقها، كحياة أسطورة الشطرنج، بوبى فيشر «التضحية ببيدق»، عنوان الفيلم نفسه لا يمكن أن يفهم مغزاه إلا لاعب حاذق. هكذا كانت أفلام الكتابة والكُتاب عاثرة الحظ فى أغلب الأحوال «آيرس/ مس بوتر/ المؤلف، المؤلف!»، حتى إن المخرج يعمد إلى دمج الموضوع مع خط حكائى آخر (فيلم «طريق مختصر» يحيله إلى فانتازيا، وفيلم «كلمات» يتحول إلى رومانسية تاريخية فى زمن الحرب). وأخيرًا شاهدنا فيلم زوى كازان «روبى سباركس»، الذى يقتل فكرة الملهمة الأنثى، ثم «حيوانات ليلية» لتوم فورد، حيث ينتقم المؤلف المغدور من زوجته الخائنة بطريقة ناعمة سامّة -روايته الجديدة المُهداة إليها تحديدًا- تحيل نفسيتها إلى جحيم!

يعرف مايكل مايلر كل ذلك بالتأكيد وهو يعرض لنا فيلمه الأخير «أعمى» الذى لا يعد المشاهد المُنتظَر من عشاق تفاصيل حياة الكتابة والكُتَّاب، ويجدونها مُلهِمة بالكثير. المخرج حدَّد قصته: روائى يصاب فى حادث تموت فيه زوجته ويخسر هو بصره، يبدأ حياة العمى بقاعدة «رُبَّ وحدة أنفَع من جليس، ووَحشة أنفَع من أنيس»، لكنه يعود تدريجيًّا إلى حب الكتابة وحب الحياة على يد زوجة رجل أعمال شرس مسجون. كما حدد تيمة الفيلم: قصة رومانسية مع خط تشويقى محدود وحكاية حب تتفتح زهرتها فى غسق نهاية شتاء بارد طويل، توجد موسيقى حالمة ومشاهد بديعة للبحر. هذا مخرج محترم يعرف تحديدًا ما يريد تقديمه وما يريدك أن تشعر به، لا ثرثرة فارغة أو زيادة فى أبطال الفيلم فوق ما يحتمل موضوعه، ولا خيوط غامضة اللون تتسلل إلى نسيج العمل الذى تمت هندسته بإحكام. فكأنى أراه يرسم على صفحة السيناريو الذى كتبه جون مايلر عن قصة لديان فيشر، دوائر بأسماء الأبطال الثلاثة حول المثلث الخالد: الزوج، الزوجة، العشيق.
لكن مهلاً، بساطة الحدث لا تعنى أنك قد تلفظه متوقعًا المَلل، إنه يتسلل إليك فى نعومة فنية تثير الإعجاب، بسرعة نشاهد المباحث تكشف تورط مارك دوتشمان «ديلان ماكدرموت» فى شبكة معقدة من النصب والاحتيال على الدولة وتجارة المخدرات. لا ندخل فى تفصيلات لا تعنينا، لكننا نعرف أن اتهامات تطول زوجته سوزان «ديمى مور» بحكم شراكتها له «بتدبير منه، ككل شىء آخر يفعله فى حياتها دون أن يكون لها أى رأى فيه»، ولأن التحكيم ملتبس فى موقفها، يقتصر الحكم على الخدمة المدنية، مئة ساعة فى دار خاصة بالمعاقين. تذهب متذمرة حانقة لاستلام مهمتها: القراءة لكاتب أعمى هو بيل أوكلاند «أليك بالدوين».
انظر كيف تعبث بنا الأقدار! سوزان تنسحب رغمًا عنها إلى لجة مشحونة بعنف، أدرينالين مندفع ينقلها من سيدة مجتمع إلى امرأة متوترة عاجزة طيلة الوقت، تفعل أشياء لا ترضاها، والزوج اللامع الأنيق يغوص فى مستنقع أحكام قضائية صارمة يعجز أمامها محاميه الأريب، الذى يتحول مع الوقت إلى مراقب لتحركات الزوجة لصالح الزوج السجين.. يطمئنه أنها ترافق كاتبًا عجوزًا أعمى، لكن الزوج الحانق يشعر بتمردها قبل أن يبدأ فى روحها! هى تبدأ فى قراءة صفحة من «آنا كارنينا» تصف بدقة شعور زوجة صارت تمقت شريك حياتها الأنانى المتوحش، والكاتب الكبير يتعرّف على العطر الذى تضعه «موجيه دى بوا»، تندهش وتُجيبه بأنه عطر قديم كفّوا عن صنعه، لكن الفنانة القديرة ديمى مور تكشف بملامحها وحركات أناملها عن انفعال عميق، كأن الرجل خلق فى جوفها زلزالاً. هذه لحظة غير عادية، يكتشف فيها الرجل المفكّر شيئًا يخصها وفشل زوجها المجرم فى معرفته على طول المعاشرة، وكان يظنها تعشق الماس «كما سوف نعرف معها خيانته لها كذلك فى ما بعد». فجأة، صار الرجل الغريب يشاركها أحد خياراتها الشخصية: العطر الحالم الذى لم يعد يصنعه أحد!
تفاصيل الفيلم قوية راسخة: الأحداث فى مدينة صغيرة «إيزى» كأنها إشارة لبساطة كل شىء، وبراعة غزل الثوب من حرير رهيف، فى انتقال شديد النعومة بين المشاهد بمونتاج بارع؛ لهذا نفهم شهرة الكاتب المحلية رغم أنه صاحب كتاب واحد منشور، وتُدعِّم هذه الشهرة مهنته فى تدريس الكتابة الإبداعية، التى يندس بين تلامذتها الفتى الزنجى جافين أوكونور، الذى يشارك سوزان مهمة القراءة لبيل فى الدار بالتبادل، وسوف نرى هذا الأخير يكلفه بتنظيف منزله فيسرق مخطوط كتابه الثانى «لم يبقَ شىء لأخسره أو أكسبه». ولا داعى لتنبيهك أن هذا العنوان يلخص الموقف الذى كان يتبناه فى حياته بعد فقده زوجته وخسارة بصره فى حادث سيارة. لكن الرجل يتغير، كما تتغير سوزان، ويزداد الزوج هياجًا. هذا الفيلم يعتمد فى تصاعد أحداثه على التحول الحادث فى نفوس الثلاثة، وموقف كل منهم من حياته على محدوديتها. علاقة سوزان ببيل تنمو وتزدهر، تعرف للمرة الأولى، على كبر سنّها، رجلاً يعرف الكثير من الدقائق الداخلية فى نفسها، أعمى ويرى الكثير! بيل يستعيد مخطوطه ويحاول حرقه فى لحظة يأس وهو مهدد بفقدان سوزان، ويمنعه الفتى الأسود، لكنه يقاوم ويكمله بعد أن كان حبيس درجه، وستجده سوزان مطبوعًا فتقرأ صفحاته الأولى فى المكتبة بمزيج من الامتنان والفخر كأنه مجهودها هى. الزوج الغادر كان يعاملها كأنها أحد ممتلكاته، وتكتشف مغزى كل تصرُّف بارد من جانبه خلال السنوات التى مضت، يتراكم كل العنت والجحود والقسوة التى كانت نائمة تحت الجلد الأسود المتين اللامع الأنيق لحياة ناعمة باهظة الثمن، لكنها مزيفة مسمومة، وتشتعل طاقة النور فى لهب الحب الصغير لنرى، فى المقابل، شعاع الشمس وهى تشرق فوق البحر الواسع الذى تطل عليه «إيزى».
الإضاءة ممتازة، وكذلك زوايا آلات التصوير التى قبضت على عواطف الشخصيات وجَسَّدتها ببراعة. الضعف الكامن فى تضاعيف الأحداث يمكن التغاضى عنه لأنه ناجم عن تراكم معارفنا عن هذه النوعية من الأفلام: الرومانسيات التى يسهل التنبؤ بمصائر شخصياتها، الزوج الغيور يستعيدها من حضن الكاتب الأعمى بالتهديد بقتله وبالتوسل الدامع لترضخ، لكنها -إذ تقترب الأحداث من النهاية ولابد من سبب ليلتقى الحبيبان-تكتشف فجأة خيانته عندما تشم عطر شانيل فايف، الذى كان يبتاعه لها فى السابق، يفوح من صاحبتها ديانا «فيفا بيانكا» الهابطة من البناية التى يقيمان بها، فتصعد لتُلقى بخاتم الزواج فى وجهه، ويجتمع الشتيتان بعد أن ظنَّا أنْ لا تلاقيا. توجد بعض العبارات غير المدروسة ونجدها غريبة على لسان الشخصيات؛ على سبيل المثال: مارك الغيور الغاضب يقول لسوزان: «بيل قصة قصيرة، أنا روايتك، القصة تنتهى لكن الرواية متعددة الفصول!»، هذه عبارة جميلة لكنها متكلِّفة لا نتوقع أن يقولها رجل أعمال مسجون! كما توجد مناقشة عابرة لا معنى لها عن الجنس المثلى فى الأدب. كما يمكن الاستغناء عن العلاقة القصيرة بين التلميذ الأسمر والمؤلف، التى اقتبسها مايلر من «العثور على فورستر» لشين كونرى وروب براون. وتجدر الإشارة إلى تمثيل إيدن إيبشتاين البديع فى دور إيلا، مشرفة الدار، التى تستقبل كلا من الفتى الأسود وسوزان قبل تعرُّفهما إلى الكاتب الأعمى.
تم تصوير الفيلم فى نيويورك، موطن ديمى مور فى الأحداث، مدة عرضه 98 دقيقة. شارك مايكل مايلر فى إنتاجه شركة «تريمندس إنترتينمنت» مع مؤلفة القصة ديان فيشر. توجد تيمات موسيقية كاملة منفصلة، يستخدمها المخرج ليس كمجرد ألحان ترتبط بأحداث معينة، لكن كشكل من المادة المصوَّرة يمكن توليفها وقطعها تمامًا كالصور البصرية. والأغنية الجميلة التى سمعناها فى نهاية الفيلم هى «خلال عينيك» لإيمى لى، وتدل كلمات بقية الأغنيات فى شريط موسيقى الفيلم على تجاوبها مع الأحداث: «الخطأ المثير»، «بدونك»، «عصفور فى القفص». فيلم متقن يبهرك بتطوير شخصياته بدعم من تكوينها المتين من البداية، دون مطاردات عنيفة أو سيارات تنفجر أو عصابات مُسلَّحة، قوة الشخصيات كامنة فى تجسيد العوائق التى تتعرض لها بوضوح، وقوة العواطف النامية التى نراها ونفهمها بمنتهى الدقة، ونعرف أننا لا يمكن أن نغض الطرف عنها ببساطة لأنها حدثت لنا أو ستحدث. على عكس «حيوانات ليلية» سالف الذكر، الذى اعتمد على «لا وعى» أبطاله، والمساحة السوداء الراكدة فى النفوس، وإمكانية أن تطفو على السطح وتُفسد كل شىء. أليك بالدوين ظهر ببعض البدانة المقصودة، وتعمَّد إظهار وسامته عندما حلقت سوزان له ذقنه، بل ألقى شعاع الشمس من النافذة على وجهه لمسة طفولية مدهشة، أراد أن يخلق لنفسه ثقة خاصة، مصدرها هيئة الرجل العادى الهادئ، ويعرف أن المقارنة جاهزة بينه وبين أداء آل باتشينو الفريد فى دور العسكرى الضرير فى «عطر امرأة»، الذى حاول عادل إمام اقتباسه فى «طيور الظلام» دون نجاح يُذكر، كما تعمَّدت ديمى مور إظهار رشاقتها فى فصل اليوجا، ولم تخجل من التغير الظاهر فى ملامحها بحكم تقدُّم العمر، كأنها تذكِّرنا بأنها ما زالت معشوقة كبار المتفرجين فى سنوات المراهقة بفيلمها «ستربتيز»، ومجموعة صورها العارية تمامًا فى مجلة «بنتهاوس». هذا هو اللقاء الثانى بين أليك بالدوين وديمى مور منذ فيلم «المحلَّف» عام 1996. وعلى طريقة صالح سليم، الأعمى فى «الشموع السوداء» يتعرَّف على ملامح قارئته المُستأجرة «نجاة الصغيرة» بتحسس معالم وجهها، لكن سوزان هنا تُكمل المشهد بربط الوشاح الحريرى الأخضر حول عينيها لتتحسس بدورها وجه بيل، فتُجرِّب العمى وما تدل عليه الأنامل، ونتوقع كيف تُختتم ليلتهما، التى بدأت بسهرة رومانتيكية وتمشية حتى باب بيته. لم يجرحنا الفيلم بأى جنس أو تعرية لكننا نجدها فى الصباح تُصر على أخذ الوشاح الأخضر معها عندما تعود إلى حياتها المتبلِّدة الأخرى. على أن الثلث الأخير من الفيلم يتصدَّره الفنان ديلان ماكدرموت بجدارة، تسقط من عليه الأحكام بعد قتله الشاهد الوحيد، يزور بيل لتهديده، ثم يلقى بنفسه بين ذراعى سوزان، يتوسَّل إليها ألّا تتركه، فى مشهد شديد الحرارة وبدموع حقيقية. وكان الفيلم لَيزداد عمقًا وإثارة إذا كان قرار الاختيار الشائك المطروح أمام سوزان بينهما متروكًا فى حيز المعطيات الطبيعية دون حل خيانة الزوج، الذى يُسهِّل الأمور فى اللحظة الأخيرة على طريقة رجل الشرطة الذى يقبض على الأشرار عندما تتعقد الأحداث فى الأفلام البوليسية القديمة!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات