.

الأمان الذى لا يتحقق بالأمن وحده.. إلى متى يغيب قانون حرية تداول المعلومات؟

Foto

ما سر التزامن بين بدء مناقشة قانون الجريمة الإلكترونية والحديث عن إطلاق فيسبوك مصرى؟


بعد أن أحكمت السلطة قبضتها تماما على غالبية وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة، يبدو أنه حان الوقت للبدء فى الخطوة الأخيرة تقريبا للتحكم والسيطرة على ما تبقى من مساحات عبر وسائل التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية، والتى بدأت بالفعل من قبل عبر حجب مئات المواقع، دون أن نعرف حتى الآن السبب أو السند القانونى أو الجهة المسؤولة عن ذلك القرار، وذلك من خلال قانون الجريمة الإلكترونية الذى أحالته الحكومة بالفعل إلى مجلس النواب وبدأت لجنة الاتصالات مؤخرا فى مناقشته وإقرار عدد كبير من مواده، والذى ينتظر طرحه قريبا على الجلسات العامة لمجلس النواب بعد عودتها للانعقاد مع نهاية الانتخابات الرئاسية. 

ورغم أهمية العنوان الذى يحمله مشروع القانون الجديد لمكافحة الجريمة الإلكترونية، فإنه كالعادة تحمل بنوده الكثير من النصوص المثيرة للجدل، والتى بحكم الممارسات تتحول إلى أدوات للتقييد والمنع بدلا من توجيهها فى مسارها الصحيح لمواجهة ومنع الجريمة ومحاسبة المتورطين فيها، فضلا عن الصياغات والتعريفات المطاطة القابلة لتوظيفها وفقا لرغبة الجهات التى تقوم على تنفيذ القانون. 
اللافت أن القانون الذى قدمت له عدة مشروعات من قبل، يأتى البدء فى مراحل وإجراءات إصداره رسميا بالتزامن مع ثلاثة مشاهد مهمة، أولها هو إعلان وزير الاتصالات مؤخرا عن إنشاء فيسبوك مصرى قريبا، وهو الخبر الذى أثار كثيرا من الجدل حول أسباب هذا التوجه ودوافعه، ورغم نفى وزير الاتصالات وجود أى نية لحجب مواقع التواصل الاجتماعى مثل فيسبوك أو غيرها ليحل ذلك المصرى بدلا منها، فإن ذلك يظل احتمالا قائما، أو على الأقل فرض قيود تضيق وتقلل من مساحات إتاحته واستخدامه، وخصوصا أيضا أن النهج الحالى يبدو قريبا إلى حد كبير من ممارسات دول أخرى تحجب بالفعل وسائل التواصل الاجتماعى مثل فيسبوك وتويتر وغيرها بنفس المزاعم والحجج تقريبا.. المشهد الثانى المهم هو أن القانون يأتى فى الوقت الذى لا يزال غائبا فيه أى حديث عن قانون لحرية تداول المعلومات، كأحد الحقوق الدستورية الواجبة التى لا يوجد ما ينظمها ويلزم السلطات بها ويحدد بدقة ما هى المعلومات التى يجوز فرض نوع من السرية عليها ولأى مدى زمنى، وغياب هذا القانون كان أحد أسباب تراجع مصر إلى المركز 117 من إجمالى 180 دولة فى مؤشر مكافحة الفساد ضمن تقارير منظمة الشفافية الدولية عن عام 2018. 
المشهد الثالث اللافت فى تزامنه مع بدء مناقشة القانون هو ما ورد فى الفيلم الدعائى للرئيس بمناسبة الانتخابات الرئاسية الذى أذيع الأسبوع الماضى بعنوان «شعب ورئيس» والذى بدا واضحا فيه خشية وخوف وقلق كثير من المواطنين من الحديث، وهو ما قال السيسى عنه إنه قد أخذ باله من هذه النقطة وسوف يعمل عليها، معتبرا أن من حق المواطنين أن «يتكلموا براحتهم» وأنه ليس لديه مشكلة فى ذلك ولا يفترض أن يكون لدى أى أحد مشكلة فى ذلك، نافيا أن تكون الحالة فى مصر هى تعقب الأجهزة الأمنية لمن يعبر عن رأيه أو على الأقل أنه ليس هناك توجيه بذلك! وبعيدا عن علاقة ذلك النفى بالواقع القائم فى مصر، فإن المهم هنا هو أن الرئيس قال بوضوح إن هذه نقطة سوف يعمل عليها لترسيخ مفهوم «الأمان» إلى جانب «الأمن»، ومع ذلك ففى نفس الوقت نحن أمام مشروع قانون جديد يزيد من فرض القيود والعقوبات، التى سوف تطول وفقا لنصوص هذا المشروع من قد يعبرون عن رأى أو موقف سياسى مخالف لما تراه السلطة وأجهزتها.
ما نقوله هنا ليس ادعاء أو تجنيا ولا مبالغة فى النظر لنصوص القانون، ولا هو فى الوقت ذاته تقليل من أهمية إصدار قانون متوازن ومحكم لمواجهة ظاهرة الجرائم الإلكترونية، لكن فى ظل ممارسات سابقة شهدنا فيها استخدام قوانين مكافحة الإرهاب فى مواجهة نشطاء ومعارضين سياسيين وحبسهم، واعتبار الكتابات التى تعبر عن آراء مخالفة أو معارضة لسياسات السلطة أحرازا يوجه على أساسها الاتهامات للكثير من الشباب، وكل ذلك فى قضايا لا علاقة لها بعنف أو إرهاب، وفى ظل ذلك يأتى مشروع القانون الجديد لتشمل نصوصه تقنينا لحجب المواقع «متى قامت أدلة على قيام موقع يبث من داخل الدولة أو خارجها بوضع أية عبارات أو صور أو أفلام أو أية مواد دعائية أو ما فى حكمها، مما تعد جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى هذا القانون وتشكل تهديدًا للأمن القومى أو تعرض أمن البلاد للخطر أو اقتصادها القومى للخطر»، فى الوقت الذى يعرف فيه القانون نفسه الأمن القومى باعتباره «كل ما يتصل باستقلال واستقرار وأمن الوطن ووحدته وسلامة أراضيه، وما يتعلق بشؤون الرئاسة ومجلس الدفاع الوطنى والأمن القومى والقوات المسلحة والإنتاج الحربى ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية والأجهزة التابعة لهذه الجهات»، وبعد تصريحات أخيرة للرئيس تحدث فيها عن اعتبار الإساءة للجيش والشرطة خيانة عظمى، دون أن نعرف الحدود والفواصل الواضحة بين الإساءة المرفوضة بكل تأكيد فى ظل دعم واجب لجهود مكافحة الإرهاب، وبين النقد لأى ممارسات خاطئة تسىء فضلا عن تجاوزها للدستور والقانون للبطولات والتضحيات التى يقدمها الضباط والجنود على خطوط المواجهة. 
مواد القانون أيضا تنص على عقوبة السجن المشدد «إذا كان الغرض من ارتكاب الجريمة الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة وأمن المجتمع للخطر أو الإضرار بالأمن القومى للبلاد أو بمركزها الاقتصادى أو تعطيل أحكام الدستور والقوانين»، وهى فى أغلبها كما نرى مصطلحات فضفاضة يجرى توظيف الكثير منها فى الاتهامات التى توجه لمعارضين سياسيين كما يمكن أن تطول غيرهم، وفى استمرار لهذا النوع من الصياغات فإن القانون ينص أيضا على معاقبة «كل مَن اعتدى على المبادئ أو القيم الأسرية فى المجتمع المصرى» بالحبس لمدة ستة أشهر وغرامة تصل إلى 50 ألف جنيه، وهى نفس العقوبة التى تطبق على من «أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية»!
فى هذا السياق يبدو واضحا لنا أن أحد الأهداف الأساسية من هذا القانون، ومجددا فى ظل غياب قانون ينظم حق تداول المعلومات وإتاحتها، وفى ظل تغييب مناخ سياسى صحى يسمح بطرح مختلف الآراء ووجهات النظر دون خوف أو خشية، وهى الطريقة الصحيحة فى تقديرنا لمواجهة ظاهرة الشائعات أو استخدام المواقع أو وسائل التواصل الاجتماعى فى ترويج ادعاءات كاذبة، فإن الهدف يصبح هو فرض المزيد من القيود التى تقنن حجب المواقع الإلكترونية، وتفتح الباب للمزيد من ملاحقة من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعى فى التعبير عن آراء معارضة سيتم اعتبارها حينئذ قد تمثل مساسا بالأمن القومى أو إساءة للدولة ومؤسساتها، فضلا عن المزيد من إشاعة مناخ الخوف من التعبير عن أى رأى أو موقف، وفى حين يجرى تقنين ذلك، فإن القانون ذاته يلزم مقدمى الخدمة والتابعين لهم أن يوفروا حال طلب جهات الأمن القومى ووفقًا لاحتياجاتها كل الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج، دون توضيح لعلاقة ذلك بمسألة سرية البيانات الشخصية وحرمة الحياة الخاصة، وفى نفس الوقت لا يتطرق القانون بأى شكل لمحاسبة أو عقوبة من يسىء استخدام تلك الصلاحيات، وفى نفس السياق نشهد خلال المناقشات حول القانون اعتراضا حكوميا على الالتزام بسرية البيانات التى تم حفظها وتخزينها وعدم إفشائها بغير أمر مسبب من إحدى الجهات القضائية المختصة!
إذا كان هناك إدراك حقيقى لأهمية مفهوم «الأمان» الذى لا يصنعه «الأمن» وحده ربما لما شهدنا نصوصا بمثل هذا الشكل فى طريقها لأن تصبح قانونا ملزما، وربما أيضا لما شهدنا الكثير من الممارسات القائمة فى الواقع فعلا حتى من دون مثل تلك النصوص، وهى كلها قد تكون مؤشرات على طبيعة المرحلة المقبلة، وكذلك على طبيعة ما قد تشهده القوانين التى ينتظر أن يناقشها مجلس النواب خلال الفترة المقبلة بحسب تصريحات متحدثه الرسمى والتى تشمل قوانين شديدة الأهمية مثل الإجراءات الجنائية التى تشير الملاحظات الأولية حوله إلى إهدار كثير من حقوق التقاضى وكذلك قانون الصحافة والإعلام الذى ربما يكون ضربة الختام لأى مساحات متبقية من التعبير عن الرأى. 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات