.

بعد وقف نشاط «أوبر» و«كريم».. ماذا بعد؟!

Foto

ما أهم الأمور التى ينبغى على الحكومة وضعها فى الاعتبار وهى تقوم بتقنين النقل الجماعى؟ كيف أحدثت شركتا أوبر وكريم نقلة اقتصادية فى مصر خلال السنوات الثلاث الماضية؟


يقول أصحاب التاكسى الأبيض إنهم يسددون للدولة ضرائب وقيمة تراخيص إضافية لا يدفعها أصحاب السيارات الملاكى التى أصبحت تعمل بنظام الأجرة بمجرد انضمامها إلى تطبيقَى «أوبر» أو «كريم»، وإن إحساسهم بالظلم هو ما دفعهم إلى تحريك دعاوى قضائية ضد هاتين الشركتين؛ لأنهما تسببتا فى إلحاق الضرر بهم نتيجة إقبال الركاب عليهما، وكل ما يُطالبون به -فقط- أن يدفع السائقون العاملون بهاتين الشركتين ضرائب وتأمينات كمثل التى يدفعونها، لأن المساواة فى الظلم عدل!

أثمرت الدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركتى «أوبر» و«كريم» عن إصدار محكمة القضاء الإدارى، يوم الثلاثاء الماضى، حكمًا بوقف نشاط تَيْنك الشركتين عن العمل، «أوبر» هى شركة أمريكية، وتعمل فى أكثر من 700 مدينة حول العالم، أما «كريم» فهى شركة إماراتية، وتعمل فى نحو 50 مدينة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتبلغ استثمارات الشركتين عشرات المليارات من الدولارات، على الرغم من أنهما لا تملكان أى وسائل إنتاج تقليدية، فقط تملكان تطبيقًا ذكيًّا، لتصبحا وسيطًا بين الراكب وصاحب السيارة، أو ما يطلق عليه نظام «النقل التشاركى». ويُعد حكم القضاء الإدارى تتويجًا بائسًا لما تعانيه «أوبر» و«كريم» منذ بداية وجودهما فى سوق النقل المصرى، قبل ثلاث سنوات، من مشكلات كبيرة بسبب عدم وجود تقنين لعملهما فى قطاع نقل الركاب، وبسبب مضايقات مُلاك وسائقى التاكسى الأبيض، تخصيصًا، الذين تراجع حجم الإقبال عليهم بشكل كبير جدا، نتيجة دخول الشركتين إلى السوق المصرية، وإقبال المواطنين من كل الطبقات على استخدام السيارات التابعة لهما.
من الممكن أن نتعاطف -لأول وهلة- مع أصحاب التاكسى الأبيض، فهم أيضًا مواطنون يسعون إلى الارتزاق من عملهم، وبالتأكيد لا يوجد لديهم مصدر رزق بديل، وبالتأكيد أيضًا فإن لهم أُسَرًا ينفقون عليها، وبالمثل فإن سائقى شركتَى أوبر وكريم مواطنون يسعون إلى الارتزاق من عملهم، وبالتأكيد لا يوجد لديهم مصدر رزق بديل، وبالتأكيد أيضًا فإن لهم أُسَرًا ينفقون عليها، لنجد أنفسنا أمام معضلة اجتماعية كبيرة، تستلزم تدخلًا حكوميًّا خاصًّا، بحيث يتحقق العدل والإنصاف بين الفريقين، ولكن مع الوضع فى الاعتبار أن تعامُل وتعاطى سائقى أوبر وكريم مع المواطنين/ الركاب/ الزبائن يختلف تمام الاختلاف مع تعامل وتعاطى جمهرة كبيرة من سائقى التاكسى الأبيض، فسائقو أوبر وكريم لا يصطنعون مشكلات مع الركاب، كما أن آليات التسعير التى يتعاملون بها معهم أقل مما يتقاضاه التاكسى الأبيض، ما يجعل من القيمة المضافة المتحققة للراكب مع أوبر وكريم أعلى من التاكسى الأبيض وغيره من سيارات النقل الخاصة فى مصر!
لغة الأرقام تؤكد أن «أوبر» تعد من أكبر المشاركين فى تنمية الاقتصاد الوطنى المصرى، إذ أسهمت فى توفير أكثر من 150 ألف فرصة عمل فى مصر خلال عام 2017 وحده، أما «كريم» فقد بلغ عدد السائقين/ الكباتن فيها نحو 50 ألف سائق/ كابتن، وبلغت نسبة الكباتن العاملين فى وظائف أخرى 55% من إجمالى عدد الكباتن، بينما 29% من سائقيها ليس لديهم وظيفة أخرى، ويعتمدون بشكل أساسى على الشبكة كمصدر دخل أساسى لهم، ووصلت نسبة السائقين فى القاهرة وحدها، التى تعد أكبر مدينة ضمن شبكة كريم العالمية، إلى ما يقرب من 82% من إجمالى عدد سائقى «كريم» بمصر، وتَلَتها مدينة الإسكندرية بنسبة 16%، بينما توزعت نسبة الـ2% الباقية على باقى المدن المصرية.
وحسب دراسة أجرتها شركة «أوبر» على سائقيها فى مصر، تبين أن نسبة 50% من السائقين يعملون بشكل جزئى، أى أنهم يعملون فيها كمهنة إضافية لتحسين الدخل، ونسبة 40% من السائقين كانت تبحث عن عمل قبل الالتحاق بأوبر، ونسبة 70% من السائقين على منصة أوبر بين سنَّى 18 و35، ما يعنى أن الشركة وفرت فرص عمل لعدد كبير من الشباب المصرى، وكانت المفاجأة أن نسبة 22% ممن يعملون تحت لواء «أوبر» كانوا فى السابق يعملون بقطاع السياحة، نظرًا لانهيار هذا القطاع الهام بعد ثورة يناير 2011، وهو ما يشير إلى نجاح هذه الشركات فى توفير فرص عمل لمواطنين يبحثون عن عمل جديد أو إضافى، أو تعثر القطاع الذى كانوا يعملون به، وهى كلها أمور ينبغى على الحكومة أن تحسب لها حسبتها جيدًا وهى تسعى الآن بالاشتراك مع مجلس النواب إلى وضع قانون النقل التشاركى، الذى أهملته الحكومة فترة طويلة، على الرغم من أن الشركتين طالبتا أكثر من مرة بإصداره.
ومما يُعجَب منه أن الحكومة والبرلمان، كليهما، كما لو كانا ينتظران اندلاع مشكلة «أوبر» و«كريم» حتى يتحركا! فقد تحركت -أخيرًا- لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، وانتوت مناقشة مشروع القانون المقدم من الحكومة بإصدار قانون تنظيم خدمات النقل البرى للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، ولكن عقب انتهاء انتخابات الرئاسة، بعد أن أحال مجلس الوزراء، بعد أربع وعشرين ساعة من صدور حكم محكمة القضاء الإدارى ضد الشركتين، مشروع القانون إلى مجلس النواب؛ لمناقشته وإقراره بعد عودة جلسات المجلس للانعقاد، وذلك بعد استيفاء الملاحظات التى أبداها مجلس الدولة تمهيدًا لاستصدار القانون!
لكن، وعلى أى حال، فنحن ننتظر صدور مثل هذا القانون بفارغ الصبر؛ حتى يتم تقنين النقل التشاركى/ الجماعى، وكذا النقل باستخدام تكنولوجيا المعلومات والتطبيقات الذكية، وكل ما نرجوه أن يضع المُشرِّع، مجلس النواب، فى اعتباره مميزات شركتى أوبر وكريم، ومدى إقبال الركاب فى مصر عليهما، وفى الوقت نفسه نرجو أن لا تتم زيادة الضرائب بوجه عام على مالكى وسائقى سيارات نقل الركاب الخاصة، سواء التابعون لتَينك الشركتين أو غيرهم؛ لأننا فى المقابل سنجد أنفسنا، كركاب ومستخدمين لتلك السيارات، أمام زيادة جديدة مرهقة فى أسعار تعريفة الركوب، وإذا أضفنا على ذلك زيادة أسعار المواد البترولية والمحروقات فى يونيو أو يوليو القادمين -كما هو متوقع- تنفيذًا لتوصيات صندوق النقد الدولى، فإننا سنكتوى، حتمًا، بنار الأسعار التى ستحرقنا جميعًا!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات