.

الأغنية الوطنية من «قوم يا مصرى» لفنان الشعب سيد درويش إلى «أبو الرجولة»

Foto

هل لعبت الأغانى الحماسية الجديدة دورًا فى زيادة نسب المشاركة بالانتخابات؟ هل ستحيا أغانى الأيام دى مثل ما حدث مع سيد درويش وعبد الحليم وغيرهما؟


بالتزامن مع موسم الانتخابات، جلست أمام التليفزيون وفى أقل من ساعة واحدة شاهدت 4 فيديو كليبات لأغانٍ وطنية حماسية جديدة، تتشابه جميعها فى التصوير وكأن المخرج اتخذ مدرسة كليب «بُشرة خير» وأعاد تكرارها فى الكليبات الجديدة، وكل هذه الأغانى تناشد المواطن فقط لأداء دوره تجاه وطنه والمشاركة فى الانتخابات.

وقدم حكيم بصوته المبهج البسيط القريب من قلوب المصريين، فيديو كليب «أبو الرجولة» الذى تغنى بشهامة المواطن المصرى وقال له: «عندك نزولة يا أبو الرجولة ويَّلا هات معاك اتنين صحابك أو جيرانك هات كمان وراك».

مثلما قال أرسطو: «الفن شكل من أشكال العلاج»، ومصرنا العزيزة مرت بالعديد من المراحل التى كانت تستوجب العلاج، ودائمًا كان الفن خير علاج، فعلى سبيل المثال فترة تشكيل الهوية المصرية ومواجهة الاحتلال الإنجليزى بعد ثورة 1919 وفيها جسّد فنان الشعب سيد درويش عبر ألحانه وصوته مطالب الثورة، وترك كنوزًا فنية ظلت ساطعة حتى اليوم، مثل نشيد مصر الحالى «بلادى بلادى» إضافة إلى أغنيتَى «قوم يا مصرى» و«أنا المصرى كريم العنصرين».

 

الأغنية الوطنية شهدت نقلة نوعية فى ثورة 1952 عندما لعبت دورًا كبيرًا فى الحفاظ على اصطفاف الشعب فى تلك المرحلة المحورية من التاريخ المصرى، وبالرجوع إلى أرشيف تلك الفترة نجد كبار الشعراء تركوا بصماتهم فى الأغنية الوطنية المصرية مثل عبد الرحمن الأبنودى وصلاح جاهين وحسين السيد وغيرهم، وكان الراديو وصل إلى مصر وانتشر على المقاهى وفى بعض البيوت التى تحولت إلى مقاهٍ للجيران هى الأخرى، لتزيِّن أصوات كبار المطربين، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وشادية، ألحان بليغ حمدى ومحمد الموجى، لتقديم جرعة مكثفة من الأغانيات الوطنية التى أسهمت فى رفع الخط القومى، وربما اتهمها البعض بأنها جسَّدت الانحياز السياسى فى بعض الأوقات.

ولأن الفن سلاح لا يقل أهمية عن الرصاص والطائرات، كانت الأغنية الوطنية حليفة المواطن المصرى فى كل الحروب، فخلال العدوان الثلاثى عام 1956 غنَّت أم كلثوم «والله زمان يا سلاحى»، من أجل خلق حالة شحن بين صفوف المصريين، فضلًا عن رفع الروح المعنوية وتهيئة كل مواطن فى الدولة للحرب، وبالفعل تبنّت الدولة هذا التوجه وصدر قرار باتخاذ الأغنية سلامًا جمهوريًّا فى عام 1960.

وعقب هزيمة مصر سنة 1967، ابتعد العديد من الشعراء عن الكتابة حزنًا بعد النكسة، إلا أن الخال عبد الرحمن الأبنودى رفض الاستسلام وظل كما عاهدناه دائمًا شعلة من التفاؤل والبصيرة، فكان رهانه على المواطن المصرى الشامخ الذى لم يستسلم للطمات الزمن، بل سرعان ما كان يقف على قدميه ويستعد للمواجهة من جديد، فكتب الأبنودى رائعته «عدَّى النهار» التى أنشدها عبد الحليم حافظ، تلك الأغنية التى تجبر كل مَن يسمعها على احترام مصر والمصريين، وعبقريتها تكمن فى أنها ليست أغنية مرحلية بل هى أغنية لكل المراحل تذكرنا بأن: «بلدنا تعشق موال النهار».

وانضم إلى الأبنودى شاعر العامية العظيم فؤاد حداد، الذى واجه النكسة بأغنية «الأرض بتتكلّم عربى» لسيد مكاوى، ثم ظهرت أغنيات أخرى مثل «أم الصابرين» لشادية، و«أصبح الآن عندى بندقية» لأم كلثوم.

والأغنية الوطنية لم تكن حكرًا على الشحن والمديح فقط، فالشيخ إمام عيسى والفاجومى أحمد فؤاد نجم شكَّلا جبهة معارضة لسياسات نظامَى جمال عبد الناصر والسادات، وجابا الميادين والمحافظات مرددين نوعًا جديدًا من الأغانى الوطنية، مثل: «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا- الجدع جدع- بقرة حاحا- نيكسون بابا- رجعوا التلامذة».

وفى مرحلة حرب 1973، تناولت العديد من الأغانى نصر أكتوبر المجيد، وكل منها ركز على زاوية معينة، استطاعت من خلالها إعادة تعبئة الشعور الوطنى مرة أخرى، بعد حالة الإحباط واليأس التى طالت الجموع بعد نكسة 1967، ويذكر أن معظم العاملين فى هذه الأغانى لم يتقاضوا أجرًا، كما تبرعوا بعائد هذه الأعمال لضحايا حرب أكتوبر المجيدة.

وكتب الشاعر عبد الرحيم منصور باكورة أعمال نصر أكتوبر الخالدة، استلهامًا من صيحة رجال العبور «الله أكبر»، ولحَّنها بليغ حمدى فى مبنى الإذاعة والتليفزيون وغنتها المجموعة، وكانت أغنية «بسم الله»، وفى تلك المرحلة اتسمت الأغانى الوطنية بالألحان الحماسية والكلمات الملائمة للحرب، فالسلاح دائمًا كان حاضرًا فى معظم الأغانى الوطنية آنذاك، ليؤكد أن كل أفراد الشعب هم جنود مقاتلون فى صفوف جيش ينتفض للدفاع عن أرضه.

الشعب المصرى فنان بطبعه، فعمال البناء تجدهم يرددون أهازيجهم فى أثناء العمل، والشىء نفسه تميز به الصيادون الذين أنتجوا فلكلورًا خاصًّا بهم تتوارثه الأجيال حتى اليوم، ومؤخرًا استمعنا إلى نشيد الكتيبة 103 صاعقة «قالوا إيه»، ومما لا شك فيه أن هتاف أبطال القوات المسلحة سكن قلب كل مَن سمعه، هؤلاء الذين صرخوا بأعلى صوت وبإيمان منقطع النظير: «أبطال شقيانة، ووطن فى دمانا، العدو يخشانا، والموت يهوانا، رايحين لشهادة، لشهادة رايحين.. ما تقولوا آمين».

الغناء حق لكل مواطن وسبيل للسمو بالنفس والروح والارتقاء بالذوق العام والوعى، لذلك فكلنا بحاجة إلى الغناء وترديد الأغنيات الوطنية، ولكن فى نفس الصدد لا يصح أن تصبغ الأغنيات بصبغة لا تليق بها، فلكل مقام مقال.
مما سبق، فإن الأغنية الوطنية فى السابق كانت لتوثيق مرحلة معينة أو لإعداد الشعب جيدًا لمرحلة أخرى، وبالمثل فالأغنية الحماسية اليوم تنشغل فقط بنسب المشاركة فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، كل الأغانى تلتف حول شعار «انزل وشارك»، فى إشارة إلى ضرورة المشاركة فى الاستحقاق الدستورى.

وبالرجوع إلى تصريحات الرئيس خلال مؤتمر الشباب فى يوليو الماضى، نجده قد طالب الناخبين بالمشاركة الكثيفة أمام الصناديق.
الدولة اتجهت إلى حثّ المواطنين على النزول والمشاركة فى العملية الانتخابية بشكل رسمى عن طريق تصريحات المسؤولين الصحفية والإعلامية، وبشكل غير رسمى عن طريق تصريحات الإعلاميين والفنانين ونجوم المجتمع، وكلها تصريحات تصب فى ملف تشكيل طوابير الناخبين أمام اللجان، بالإضافة إلى انتشار الأغنيات الحماسية مؤخرًا.
وعلى الدولة أن تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك، فمجرد التفكير فى احتمالية عزوف الناخبين أمر يستحق الدراسة.

هل تريد الدولة الدفع بالمواطنين إلى صندوق الانتخابات من أجل ترسيخ الديمقراطية؟ هنا يجب الإشارة إلى عدم اقتصار الديمقراطية على صناديق الانتخاب والاقتراع، فالديمقراطية هى حكم الشعب بالشعب، والشعب يحكم من خلال إعمال العقل فى أموره الدنيوية التى يعيشها، فالانتخابات خطوة لإضفاء الطابع الديمقراطى على المجتمعات، ومع غياب مفهوم حكم الشعب بالشعب تغيب معه كل حقوق الإنسان من حرية الرأى والتعبير وسيادة القانون وحرية البحث العلمى وغيرها من الحقوق والحريات.

الديمقراطية يجب أن تقوم على التنوير وإعمال العقل، والنخبة بما فيها الأحزاب السياسية ومنظمات حقوق الإنسان والكتاب والمثقفون يجب أن يكون دورهم هو تنوير الجماهير وتشجيعهم على إعمال العقل حتى يحكم الإنسان بعقله فى الدنيا، بعكس ما هو موجود من «حاكمية النصوص الدينية» والقوانين ومناهج التعليم والثقافة والخطاب الدينى.

إيمان الدولة بالديمقراطية يجب أن يكون كاملًا وراسخًا وكذلك أيضًا إيمانها بالفن، فجسد الدولة بحاجة إلى الفن من أجل ضخ الدماء فيه من جديد وإعادته إلى الحياة مرة أخرى.

مصر دولة فنانة وشعبها فنان بالفِطرة، وهذا الشعب الفنان بحاجة إلى فن يحترم ذوقه وفكره وطاقته وأحلامه وماضيه ويومه وغده، فإن لم تستطيعوا تقديم هذا الفن فدعونا نتمسك بتراثنا الفنى، واحفظوه بعيدًا عن يد العبث.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات