.

Annihilation.. سينما الخيال العلمى الأكثر قتامة وغموضًا

Foto

لماذا لم يُجب الفيلم عن الأسئلة الهامة حول تفاصيل ما حدث للشخصيات؟ هل تغير هذه النوعية من الأفلام الشكل الهوليوودى التقليدى لسينما الخيال العلمى؟


تمكنت شركة نتفليكس من الحصول على حق عرض فيلم الخيال العلمى المنتظر Annihilation «إبادة» على منصاتها فى جميع أنحاء العالم بعد سبعة عشر يوما فقط من عرضه فى دور السينما الأمريكية والصينية، والفيلم من إنتاج شركة باراماونت، وبطولة ناتالى بورتمان وجينفر جيسون لى وإخراج أليكس جارلاند، وربما يبدو انتزاع عرض فيلم خيال علمى ضخم الإنتاج من دور السينما لعرضه تليفزيونيا إنجازا لنتفليكس، لكنه من ناحية يلقى ظلالا حول عدم ثقة باراماونت فى تحقيق الفيلم الأرباح المرجوة فى قاعات السينما، على الرغم من تصميمه البصرى الملائم للسينما أكثر من التليفزيون.

الفيلم مأخوذ عن الجزء الأول من ثلاثية «Southern Reach» للكاتب جيف فاندرمير، وهو يحكى قصة شديدة الغموض عن سقوط جسم غامض على فنار على الساحل الجنوبى، وينشأ عن الاصطدام وميض ملون يتمدد لمحيط الغابة المحيطة بالفنار مما يدفع الجيش الأمريكى لإقامة مركز بالقرب من مكان الظاهرة يضم عُلماء لتحليل الظاهرة، وإرسال فرق مسلحة للدخول إلى داخل المنطقة المتأثرة لكشف حقيقتها، ومحاولة وقف تمددها.
بعثة الاستكشاف الرئيسية فى الفيلم تقوم بها خمس نساء، وهن عالمات فى مجالات مختلفة كالأحياء والفيزياء وعلم النفس والتربة، وهذه البعثة تلى بعثات عسكرية فاشلة إلى منطقة الوميض لم يعد منها إلا جندى واحد يدعى كين «جيسون أيزاك» وهو زوج عالمة الأحياء والمجندة السابقة لينا «ناتالى بورتمان»، وهى تتطوع للذهاب للمنطقة الخطيرة يدفعها فضولها العلمى، ومحاولة فهم الظاهرة التى تسببت فى مرض زوجها، ولأنها أيضا مجندة سابقة تميل للمواجهة والقتال.
الفيلم يقدم شكلا متماسكا من الإبهار البصرى، ويخلق عالما غامضا ومخيفا داخل الغابة المحيطة بالفنار؛ كل شىء ينتمى للطبيعة حدث له انحراف غريب، ولهذا هو يشبه الواقع ولكنْ مُختلف وخطير وغير متوقع، التمساح الأبيض المتحور، والدب المتوحش جزء من حالة الرعب والعنف المفاجئ الذى يصيب المكان الشاعرى الهادئ، والأشجار التى تشبه فى ملامحها تفاصيل جسم الإنسان جزء من حالة التماهى مع طبيعة المكان، وهى تفسر بصورة غير واضحة اختفاء الجنود داخل الغابة، أو تحول من ترك سلاحه وتماهى مع الظاهرة إلى جزء منها، وهذا كله جزء من أثر عبث قوى غامضة بقوانين طبيعة المكان.
ينتمى الفيلم إلى نوعية من أفلام الخيال العلمى الحديثة شديدة التعقيد والغموض، والميل للفلسفة والتجريدية، والاعتماد على الشخصيات العدمية التى تميل للتدمير الذاتى على حسب وصف الطبيبة النفسية د.فنتريس «جينفر جيسون لى»، وهو يشبه فى طبيعته أفلاما مثل Arrival «الوصول» إخراج دينيس فيلينوف، وبطولة آمى أدامز، وامتداد لنوعية فيلم الستينيات «2001: A Space Odyssey/ أوديسا الفضاء» للمخرج ستانلى كوبريك.
تصور تلك الأفلام حالة قاتمة ومتشائمة عن المستقبل، وتتراجع أساليب السرد التقليدية والحكايات المسلية فيها لصالح تصوير أجواء عوالم كئيبة غرائبية يعبر عنها الفيلم بصورة سينمائية بصرية شديدة الثراء، وعدم الانشغال بإجابة أسئلة تفاصيل الأحداث، فالحدث جلل، والانشغال بمثل هذه التفاصيل يفسد مضمون العمل الأكثر عمقا.
الفيلم يبتعد عن أجواء المغامرات الهوليوودية النمطية لسينما الخيال العلمى، ويميل أكثر إلى التفاصيل الذهنية والإشارات لموضوعات مثل الهوية والوجود وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وهى موضوعات قد لا تعجب أغلبية مشاهدى أفلام الخيال العلمى، فرغم الأداء التمثيلى الجيد وإبهار المؤثرات البصرية والتصوير والإخراج يميل الفيلم للبطء ويفتقد عناصر جاذبية الأفلام الخيالية التقليدية، وهو يخاطب متفرجا خاصا مُحبا لتلك النوعية من الحكايات الذكية شديدة الغموض والحبكات التى تحتمل عديدا من التأويلات، والتى لا تمنح إجابات واضحة عن الأسئلة والألغاز التى تطرحها أحداث قصة الفيلم.
حبكة الفيلم صعبة التتبع، فمنذ البداية نتابع رواية البطلة والناجية الوحيدة لما حدث لها ولفريقها داخل الوميض، وهى جالسة داخل غرفة زجاجية ويتم التحقيق معها ومراقبتها من خلال الفريق العلمى الذى يرتدى بزات واقية وخوذات زجاجية رغم وجوده خلف حاجز زجاجى، ولا يجيب الفيلم عن أسئلة من نوعية ماذا حدث؟ وهل انتهى الخطر؟ وينصب تركيزه الأكبر على التجربة التى تتعرض لها البطلة بكل غموضها، مما يمنح الحدث حالة من الغرائبية، فهو حدث يفوق قدرات عالمة أحياء بارعة التفسير، وتظل روايتها التى تأخذ شكل فلاش باك باك طويلا محل شك، وحتى شخصيتها وهويتها لا يمكن التيقن منها.
كل شخصية من الشخصيات الخمس بالفريق لها دافع وأسلوب فى التعامل مع الظاهرة، الجندية السابقة وعالمة الأحياء تسعى لمحاربة الظاهرة، والعالمة النفسية تواجهها، فى حين تتعامل عالمة الفيزياء مع الظاهرة بفضول وتفهم، ففى حين يرى الغالبية فعل الوميض على أنه تدمير للبيئة التى يسيطر عليها ترى أنه يسعى لخلق شىء جديد، وهذا يجعل عنوان الفيلم «إبادة» أكثر غموضا وإلغازا، فهل تلك الإبادة هى بداية خلق شكل جديد من أشكال الحياة على الأرض؟ أم الأمر ببساطة عملية احتلال ناعم من كائنات فضائية للأرض.
يحمل الفيلم طموح وجموح سينما الخيال العلمى الحديثة، وهو يتعامل معه بعين فنية مختلفة، ويغلفه بطبقات كثيفة من الأفكار التجريدية والفلسفية، ولهذا فهو ليس فيلما مضمون النتائج فى شباك التذاكر، وربما يبرر هذا تخلص باراماونت من عبء توزيعه عالميا بعد أيام من إطلاقه، فلن تتحمل الشركة فشلا جماهيريا شبيها بفشل فيلم Mother «الأم»، وهذا السلوك يحمل إشارة لتراجع شجاعة استوديوهات هوليوود فى تقديم القوالب الجديدة، مقابل جرأة منصات المشاهدة التليفزيونية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات