بعد إقالة ماكماستر.. هل يشكل ترامب حكومة حرب؟

Foto

لماذا أطاح ترامب بمستشار أمنه القومى وقبله وزير خارجيته؟ وهل الدور على وزير الدفاع قريبًا؟ لماذا اختار ترامب بولتون بديلًا لماكماستر وهو المعروف بميله نحو التدخلات العسكرية فى الخارج؟


فى يوم الجمعة الماضى، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عبر وسيلته التقليدية لإطلاق المفاجآت «تويتر»، قراره إقالة الجنرال هربرت ماكماستر، مستشاره للأمن القومى، واستبدال جون بولتون به، والذى كان يعمل ممثلًا للولايات المتحدة الأمريكية فى الأمم المتحدة، فى عهد الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش.

للوهلة الأولى قد تبدو للقرار أسباب مباشرة إذا افترضنا ما ألمحت إليه بعض وسائل الإعلام الأمريكية حول مسؤولية ماكماستر عن تسريبات للصحافة ببعض ما ورد فى اجتماعات عقدها ترامب مع زعماء دول أجنبية. وقد يبدو الأمر مفهومًا حتى بمنطق إنسانى مباشر إذا افترضنا صحة الرواية الزاعمة أن ماكماستر كان يتعامل مع الرئيس الأمريكى بتَعالٍ ولغة فظّة، ولَربما أستاذية فى إبداء النصيحة، خصوصًا أننا نتحدث عن مُحارب سابق وحامل للدكتوراه فى التاريخ، فى مقابل شخصية رئيس تبدو طوال الوقت متشككة فى ذاتها فى مواجهة هجوم الكثيرين واتهامات بالجموح أو فقدان الخبرة، وأحيانًا يصل الأمر إلى اتهامات بعدم الاتزان العقلى.
وقد يبدو للأمر كذلك منطق مباشر إذا أخذنا فى الاعتبار حالة الاضطرابات والفوضى التى يعج بها البيت الأبيض منذ لحظة تنصيب ترامب حتى اليوم، فتلك الإقالة أو عملية الإحلال هى ليست الأولى من نوعها، بل هى واحدة من سلسلة إقالات بدأت بمايكل فلين، مستشار الأمن القومى الذى سبق ماكماستر، مرورًا بستيف بانون، المخطط الاستراتيجى «وكلاهما كان مفضلًا من ترامب»، انتهاءً بريكس تليرسون، وزير الخارجية.
وبالطبع، بينهم سجل طويل من موظفين آخرين من ذوى المناصب الأقل، تمت الإطاحة بهم، أو استقالوا؛ مثل راينس بريبوس، وهو كبير موظفى البيت الأبيض، وأنتونى سكاراموتشى، مدير الإعلام السابق، وسين سبيسر، المتحدث الإعلامى السابق للبيت الأبيض، ومايكل دوبك، مدير الإعلام «ما قبل أنتونى سكاراموتشى»، ومؤخرًا ما كشف عن نية دينا باول الاستقالة، وهى مساعدة مستشار الأمن القومى الأمريكى، بعد إعلان الرئيس ترامب قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونيته نقل السفارة الأمريكية إليها.
غير أن التعقيدات السياسية التى تحيط بإدارة ترامب فى الداخل والخارج تجعل الأمر يحمل أسبابًا قد تبدو على نفس درجة التعقيد، ولَربما ذات دلالات أكثر عمقًا مما يبدو على السطح من تلك الاحتمالات المباشرة التى سبق ذكرها. وهنا فنحن لا نستطيع أن نغفل أن الرئيس الأمريكى الحالى صار يحظى بمعدلات لافتة من ازدياد عدم الرضا فى مقابل انخفاض واضح للراضين عن أدائه، وفق آخر إحصاءات لموقع «جالوب». ولا نستطيع أن نغفل أيضًا سيل الفضائح المتجدد الذى يواجه ترامب فى الداخل، بدايةً من مزاعم التدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية لصالحه فى مواجهة منافسته هيلارى كلينتون، وهى المزاعم التى ما زالت التحقيقات جارية بشأنها، مرورًا بالكتاب الشهير «نار وغضب»، وما كشف عنه من فوضى داخل البيت الأبيض وسلوكيات غير لائقة للرئيس الأمريكى. هذا بخلاف اتهامات بالتحرش الجنسى، وانتهاءً بما تسعى إلى كشفه ستورمى دانييلز، ممثلة الأفلام الإباحية، من تفاصيل علاقتها الجنسية المزعومة مع دونالد ترامب، والتى تزعم أنها تلقت أموالًا نظير إبقاء تفاصيلها سرًّا. وهى كلها مصادر قلق قد تجعل ترامب، وحتى أى رئيس أمريكى آخر فى موقعه، يظن أنه حتى إن استطاع النجاة اليوم من إجراءات عزله من منصبه بحكم الكتل النيابية من أنصار حزبه، فإنه قد لا يستطيع بالضرورة الاحتفاظ بكرسى الحكم لولاية ثانية وسط بيئة سياسية يراها مُعادية، ولَربما متآمرة.
وهنا فإن احتمال أن يكون قرار إقالة ماكماستر فى إطار حملة مخططة من قبَل ترامب لتصفية دوائر النفوذ الرسمية فى الدولة، والقلقة من سياساته فى الخارج، هو احتمال يحظى بحيثية ووَجاهة، خصوصًا إذا أخذنا فى الاعتبار قرار الرئيس الأمريكى فى منتصف هذا الشهر إقالة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية، الذى كثيرًا ما وُصف برجل البنتاجون، والذى أبدى فى الشهور السابقة مواقف ضمنية غير متطابقة مع الرئيس الأمريكى، مثلما ظهر فى موقفه الناعم من قطر فى الأزمة الخليجية، والداعم للإبقاء على الاتفاق النووى الإيرانى، وموقفه الرافض لتبنّى سياسات انعزالية تجاه المؤسسات والاتفاقات الدولية التى تعد أمريكا لاعبًا رئيسيًّا فيها. وهنا تستطيع أن تسرد قائمة طويلة من الخلافات بين الرجلين، والتى وصلت إلى تراشق لفظى فى بعض الأحيان.
أما فى حالة ماكماستر، الذى حرص طوال الوقت على إخفاء خلافاته مع ترامب والمَيل إلى أسلوب أكثر مواءمةً من وزير الخارجية المُقال، فإن وسائل الإعلام لم تُخفِ خلافاته هو الآخر مع ترامب فى قضايا مثل التدخل الروسى فى الانتخابات، وموقف ماكماستر الرافض تهنئة ترامب لبوتين عقب فوز الأخير فى الانتخابات الرئاسية فى بلاده، وموقفه الرافض كذلك للتخلى عن الاتفاق النووى مع إيران، والداعم لإرسال المزيد من القوات الأمريكية إلى أفغانستان، على عكس رغبة ترامب. وهكذا فإن افترضنا سيناريو تصفية مواقع النفوذ المناهضة لترامب داخل النظام الأمريكى، فإن التكهنات المبنية على هذا السيناريو قد تمتد لتطول الجنرال جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكى الحالى، الذى قد يبدو هو الآخر مهددًا، وقد يلقى مصير ماكماستر وتيلرسون فى أى وقت، وهو المعروف هو الآخر بعدم رضاه عن توجهات ترامب إزاء بعض الملفات، ومن بينها الاتفاق النووى الإيرانى.
لكن من ناحية أخرى فإن اللافت للنظر، وما يضعنا أمام احتمالات بديلة أو مُكملة هو طبيعة كل مَن حل محل تيلرسون بالأمس، ومَن سيحل محل ماكماستر غدًا، وهنا فنحن نتحدث عن بحث بالأساس عن داعمين لسياسات خارجية أكثر حزمًا وتشددًا، ففى مقابل تيلرسون، وزير الخارجية، أتى الرئيس الأمريكى بأحد صقور المحافظين، مايك بومبيو، وهو صاحب الخلفية الاستخباراتية (قضى عامًا فى الـ«سى. آى. إيه») وهو المعروف للجميع بأنه يحظى بدعم أصحاب النفوذ فى الحزب الجمهورى، وأبرز رجال أعماله، مثلما هو معروف بمعارضته للاتفاق النووى الإيرانى ودعوته إلى تبنّى أجهزة الاستخبارات الأمريكية سياسات أكثر قسوة وحدة، ورفضه إغلاق معتقل جوانتنامو. أما ماكماستر فبديله هو جون بولتون، وهو أحد أبرز المحافظين الجدد، الذى كان داعمًا قويًّا ومروجًا لفكرة الحرب على العراق فى عهد الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش، بل وكثيرًا ما وُصف بأنه أحد مهندسيها، وهو صاحب التاريخ الداعى كذلك إلى تبنى مواقف أكثر عدوانية تجاه كوريا الشمالية وإيران، قد تصل إلى استخدام الحل العسكرى، وهو ما لم يتبرأ منه بولتون خلال الأيام الماضية فى تعليقه على قرار تعيينه على شاشات «فوكس نيوز» (الموالية للجمهوريين) فور إعلان خبر التخلص من ماكماستر. وهكذا، ووفقًا للبعض، فإن نوعية البدائل التى لجأ إليها ترامب لَربما تكون كاشفة عن ميل نحو اتخاذ إجراءات أكثر عدائية تجاه كل من كوريا الشمالية وإيران، وليس مجرد التخلص من معارضين لسياساته فحسب من أصحاب النفوذ، وهو المنطق الذى بنى عليه البعض تصوراتهم حول أن الأمر يجعل إدارة ترامب بتركيبتها الحالية أشبه بحكومة حرب قد تورط الولايات المتحدة فى حرب على إيران أو كوريا الشمالية، وهو سيناريو نقيض لمَيل ترامب نحو سياسات انعزالية، أى رغبته المعلنة فى تقليص مسؤوليات الولايات المتحدة تجاه العالم، وخفض كلفة تدخلاتها الخارجية؛ لأجل توفير مواردها لصالح الداخل، الذى تضرر بفعل تدخلات أمريكا وتمددها فى الخارج، وهو ما قد يعنى أنه من المحتمل أيضًا أن ترامب يحاول إبداء كروت ضاغطة أمام خصومه فى الخارج؛ لأجل إجبارهم على تقديم أكبر قدر من التنازلات فى مواجهة إدارة لا يُخفى رجالها الحاليون ميولهم نحو استخدام كل الخيارات المتاحة فى سبيل تحقيق السياسات الخارجية الأمريكية أهدافها فى الخارج، بما فى ذلك الحرب.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات