.

الفيسبوك المصرى.. إدارة القضايا بطريقة خُد لك ساتر وهتعدِّى

Foto

ما الذى يجعل المصرى يسجل فى موقع لا يشاركه سوى المصريين ويترك موقعًا عالميًّا مثل «فيسبوك»؟


تشهد كل الأمور المتعلقة والمرتبطة بحرية التعبير فى مصر حالة من الضبابية وعدم اليقين تتسبب فيها تصريحات مختلفة لمسؤولين فى الدولة كلها تدور فى حالة من خلق العداء مع قيم الحرية وممارستها، وتتمثل حالة عدم اليقين هذه فى موجات من الهجوم على الإعلام المرئى والمقروء ووسائل التواصل الاجتماعى، آخرها التصريحات المنسوبة إلى وزير الاتصالات ياسر القاضى، حول إنشاء «فيسبوك» مصرى، وهى التصريحات التى أثارت جدلًا كبيرًا.

والغريب فى كل هذه الموجات من الهجوم أنها تعلو وتخفت من حين لآخر دون أن يكون هناك شىء محدد وواضح بشأنها، والأكثر غرابة أنها تظهر كبالونات اختبار ويتحمس الكثيرون لتأييد أى رأى قمعى ثم تظهر تصريحات تنفيه، ثم يختفى ليعاود الظهور بعد فترة وكأننا فى حلقة مفرغة، لكن هذه الحالة تؤكد أن الفكرة مطروحة على الأقل فى دوائر السلطة سواء تم تنفيذها أم لا، وهو بالطبع أمر لا يعنى إلا فشل الدولة وإعلامها فى التواصل مع قطاعات كبيرة من المواطنين.
فكرة إنشاء «فيسبوك» مصرى حملت ذات الطابع الغريب، فالبداية من تصريح لوزير الاتصالات خلال كلمته فى ورشة عمل نظمتها وزارة العدل المصرية، قال فيه إنه يجب «أن تكون لدينا القدرة كدولة مصرية على حماية البيانات وحماية المواطنين بهدف حماية استقرار الدولة»، ثم تصريحات أخرى من داخل الوزارة تنفى الفكرة تارة وتركز على أنها تصريحات تؤكد فقط قدرة وإمكانات المبرمجين المصريين، وتؤكد تارةً أخرى أن المقصود هو مواقع تواصل اجتماعى بديلة ولا تكون بديلًا عن «فيسبوك»، وتطرح تارةً ثالثة فكرة أن مواقع التواصل الاجتماعى وبالأخص «فيسبوك» تهدد الأمن القومى المصرى وتسرِّب المعلومات إلى الخارج، ووسط هذه التضاربات ظهر نواب برلمانيون بعضهم فى لجنة الاتصالات وبعضهم فى لجنة الأمن القومى، وآخرون، ليعلنوا تأييدهم المطلق للفكرة، زاعمين أن إنشاء «فيسبوك» مصرى سيحافظ على أسرار الدولة ويحجم من مشكلات قضايا التخابر والإرهاب، وبالتالى فإنه من المهم إنشاء «فيسبوك مصرى تحت سيطرة الدولة»، ووصل العبث ببعضهم إلى القول إن الفكرة تساعد على الاستثمار فى مصر!
وحتى لو سلَّمنا بفكرة أن الموضوع ليس إلا تدليلًا على قدرة وكفاءة المبرمجين والتقنيين المصريين ورغم أن الموضوع من الناحية الفنية قد لا يكون صعبًا، فإن السؤال المطروح سيكون: وماذا بعد إنشائه، وما الذى يدفع المواطن المصرى للتسجيل فى الموقع وعدم التسجيل فى «فيسبوك»؟ وما الميزة التى سيقدمها موقع كل مستخدميه من المصريين عن موقع يشارك فيه الناس من كل أنحاء العالم؟!
ومن ناحية اقتصادية بحتة، فإن موقعًا بهذا الشكل لا يملك ميزة تنافسية أو اقتصادية كبيرة تؤهله للاستمرار تجاريًّا، بما يعنى أن الفكرة من إنشائه ستكون عديمة الجدوى، إلا لو تم حصار المنافس بحجب موقع «فيسبوك» فى مصر، للإبقاء على قدرة البديل المصرى على التنافس.
وتلك ليست المرة الأولى، فعلى مدى الأعوام الثلاثة الماضية كانت هناك عدة محاولات للسيطرة على «فيسبوك» أحيانًا عبر رفع قضية تطالب بغلقه، وأحيانًا عبر مشاريع قوانين قدمها نواب لتقنينه، مضمونها كان يدور حول حجب الموقع على مَن لا يقوم بتسجيل ترخيص استخدام له لدى الدولة أو التحكم فى العوائد المادية للإعلانات عليه.
وفى الواقع فإن تجربة حجب موقع «فيسبوك» داخل دولة وإنشاء موقع بديل خاضع للسيطرة والرقابة هى تجربة مطبقة فعلًا فى بلد كالصين، ولكنها فكرة تعكس مدى الاستبداد وتحكم الدولة فى حرية الأفراد لا أكثر، وهى فكرة شديدة البؤس بالطبع، كما أن بلدًا كمصر سيتأثر بها سلبًا أكثر بكثير من تأثُّر الصين، خصوصًا أن العدد الضخم لسكان الصين يبقى على بعض الجدوى الاقتصادية للفكرة.
وفى الواقع أيضًا فهناك مواقع شبيهة بـ«فيسبوك» فعلًا بالذات فى روسيا والدول التى تستخدم الحروف الكيرلية، مثل روسيا وأوكرانيا، لكنها ليست بدائل مطلقة لموقع «فيسبوك»، فمعظم مستخدميها يستخدمون «فيسبوك» أيضًا، ولكنها تتميز بكونها تتحرر من قيود حماية الملكية الفكرية إلى حد كبير للكتب والوسائط المتعددة الصادرة خارج روسيا، وهو فى الواقع أمر لا يمكن اعتباره محمودًا بالنسبة إلى دور النشر والمؤسسات التعليمية والثقافية التى يتم استنساخ مجهودها دون مقابل، وهى بالتالى بالتأكيد فكرة ليس لها أثر فى جذب الاستثمار كما زعم أحد نواب لجنة الاتصالات للمفارقة.
كما أن تبرير هذه المحاولات بالتورط فى أعمال إرهابية أو قضايا تخابر هو تبرير شديد الهزلية أيضًا، لأن الطبيعى هو أن يكون اتجاه الدولة لحل هذه الإشكالية نحو تطوير تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية بما يكفل تحجيمها أو القضاء عليها، لا أن تتجه لإدارة كل شىء من داخل مكاتب الأمن.
وبالتالى فإنه بغض النظر عما إذا كانت الفكرة مطروحة بشكل جدى من عدمه، فإن السؤال المهم هنا والذى يجب أن يجيب عنه هؤلاء الذين يتفننون كل يوم فى محاولة ابتكار طرق جديدة لتكميم الأفواه، هو: لماذا فشلت الدولة المصرية رغم كل هذا الإعلام الموجه فى الإعلام الحكومى والخاص على حد سواء، فى طرح أفكارها وإقناع قطاع كبير من المواطنين بها؟ فرغم امتلاكها كل وسائل السيطرة والتوجيه، فإنها لا تملك بالفعل خطابًا واضحًا ومتماسكًا يكون قادرًا على إقناع ذلك القطاع الذى يعطى أولوية لقضايا الحرية وبالأخص حرية التعبير، ففى الواقع فإن تفسير ذلك بوجود خطاب معاد ينطلق مثلًا من الإخوان بالأخص وتركيا وقطر، هو تفسير قاصر، لأن هذا الخطاب موجود باستمرار والعبرة ليست بوجوده بل بقدرته على التأثير فى مواطنين خارج الدائرة الإخوانية.
مشكلة القائمين على معالجة الإعلام ووسائل التواصل فى مصر أنهم يتصورون دائمًا أن التوجيه أهم من حرية الاختيار، وأن الاصطفاف أهم من حرية التعبير، وأن الحشد أهم من الشفافية، وهى طريقة تعبوية قد تصلح لفترة قصيرة ولكنها لا تصلح أساسًا للتعامل لفترة طويلة، لأنها تفقد مصداقيتها وتحتاج إلى طرح مشاريع بديلة وأهداف مرحلية متغيرة باستمرار، وهذا كله غائب فى الوضع الحالى، لأن الملف كله يُدار بالأوامر وليس بالمبادرات الفردية والجماعية وبالقوانين المنظمة.
وإلى أن تقتنع الدولة أن العيب فى إدارة منظومتها وليس فى المواطنين، فإن الوضع سيظل مثيرًا للعجب، وسيظل المواطن يتعامل مع هذه الموجات من الهجمات المفاجئة بطريقة «خُدلَك ساتر إلى أن تختفى الموجة مؤقتًا».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات