.

شادية.. المرأة المجهولة على الشاشة

Foto

هكذا أصبحت أفلام شادية دُررًا نادرة مهما كانت قيمتها الفنية


رغم كل هذا الوجود الكبير للفنانة شادية من حولنا، فإننا لا نكاد نعرفها بكل تاريخها السينمائى الذى يبلغ السبعين عامًا، خصوصًا فى الكثير من الأفلام التى اشتغلت فيها فى السنوات الأخيرة من الأربعينيات، وهى الفترة التى راح أغلب تراثها السينمائى إلى مجهول، تتم الآن استعادته بصعوبة ملحوظة، وقد لا يعود كله عندما كانت موهبة غنائية جديدة ليس لها مثيل فى حياتنا، هذا التراث يمكن رؤية بعضه على اليوتيوب. إنه جزء كبير من تاريخنا الضائع، من المهم التعرف إليه وفتح صفحاته.
شادية.. الاسم المأخوذ من صوتها الجميل، والذى تم استبداله بـ«فاطمة أحمد شاكر»، يعنى أننا أمام اكتشاف موهبة غنائية فيّاضة فى زمن ازدهار السينما الكوميدية الاستعراضية، وسرعان ما قفزت إلى البطولة السينمائية فى فترة تربّعت فيها أم كلثوم، وليلى مراد، وتم اكتشاف صباح، ونور الهدى، لكن الفتاة الجميلة كان لها مذاق خاص، وقبول مختلف، فملأت الشاشة بظهورها وأخلصت للسينما.
وإذا كانت أفلام الكثيرات من نجمات الغناء والتمثيل فى تلك الفترة متوفرة للمشاهدة ومعروفة للمشاهدين، فإن أفلام شادية الأولى اختفت، ويكاد الناس لا يسمعون عنها، ومن المهم استعادة التاريخ المفقود سينمائيًّا وسط هذا الزخم الكبير من الكتابة عنها فى الفترة الأخيرة، فليس صحيحًا أن الفيلم الأول فى حياة شادية هو «العقل فى أجازة» من إخراج حلمى رفلة، الذى عملت معه شادية كثيرًا ولفترة طويلة، بل إن الفيلم الأول هو «أزهار وأشواك» إخراج محمد عبد الجواد، وكان عز الدين ذو الفقار مساعد مخرج، والفيلم عُرض فى 27 يناير عام 1947، وهو من بطولة مديحة يسرى، ويحيى شاهين، كما أنه الفيلم الأول الذى جمع بين شادية وعماد حمدى، الذى تزوجها فى ما بعد وظل يعمل معها طويلاً، رغم الطلاق الذى لم يمنعهما من التعامل معًا حتى عام 1972.
أما فيلم «العقل فى أجازة» فقد عُرض فى أبريل من العام نفسه، من بطولة ليلى فوزى، إلا أن المرة الأولى التى التقت فيها شادية سينمائيًّا مع كمال الشناوى كانت فى فيلم «حمامة السلام» فى العام نفسه، ليكون بداية لقاء طويل للغاية هو الأكثر عددًا بين ثنائيات السينما المصرية، حيث عملا معًا أربعًا وعشرين مرة، وتحت رعاية حلمى رفلة، الذى أعطى للكثير من أبناء هذا الجيل فرص البطولات والوجود فى السينما الاستعراضية الكوميدية. وقد كان «العقل فى أجازة» من إنتاج محمد فوزى، الذى اكتشفه رفلة أيضًا، ما يعنى أن شادية وأبناء وبنات جيلها كانوا محظوظين بوجود مثل صانع النجوم، الذى قدمها فى بطولات مطلقة، منها فيلم «ليلة العيد» و«البطل»، وهما من أوائل الأفلام التى قام فيهما إسماعيل يس وشادية بالبطولة المطلقة.
إنها حاسة خاصة كان يمتلكها كل من رفلة وحسن الإمام؛ ولذا فإن اكتشاف المطربة الصغيرة التى كانت فى السابعة عشرة آنذاك يرجع إلى هذا المخرج الذى قدّم أيضًا الفيلم الأول لعبد الحليم حافظ بعد سنوات.
بنت صغيرة تنضح عيناها بالشقاوة، وتتسم بخفة الحركة والقدرة على التنوع، بالإضافة إلى جمالٍ تركى الجذور، وبذلك يمكنها أن تقوم بأدوار متعددة، وكما نلاحظ فإن شادية لم تكن البطلة المطلقة فى أفلامها الأولى مثلما حدث مع قريناتها، ومنهن صباح ونور الهدى، إلا أنها لم تتأخر عن البطولة المطلقة التى أتاحها حلمى رفلة.
كانت أدوارها هى الأخت الصغرى التى عليها أن تقع فى الحب للمرة الأولى، وأن تنافس أختها الكبرى على قلب الشاب الذى تحبّه، ويبدو ذلك واضحًا فى فيلم «نادية» إخراج فطين عبد الوهاب، عام 1948، وهنا هى الأخت الصغرى التى تتصور شقيقتها التى قامت بتربيتها أنها واقعة فى غرام حبيبها العائد من حرب فلسطين، إلى أن تتضح الحقيقة بأن الصغرى واقعة فى غرام ضابط آخر.
وجه طفولى ملىء بالبراءة والحضور، ومعجونة صاحبته بالشقاوة، رومانسية، تغنى بصوت مختلف النبرات والإيقاع عن قريناتها فى تلك الفترة، تمثل البهجة، وقد بدت فى قصص عائلية استعراضية خاصة فى فيلم «ليلة العيد» لحلمى رفلة، عام 1949، وهى فى الفيلم فتاة موهوبة تبحث عن فرصة مع أخَويها إسماعيل يس وشكوكو، لتكون نجمة استعراضية وسط عراقيل عديدة، وهذا الفيلم أفلت من الاختفاء، ونحن نشاهده كثيرًا، وذلك على عكس بقية الأفلام التى قدمتها فى تلك الفترة، وهى «عدل السماء» إخراج أحمد كامل مرسى، و«الروح والجسد» لرفلة، و«فوق السحاب» لمحمود ذو الفقار، إنتاج 1948، ثم «كلام الناس» إخراج حسن حلمى، و«صاحبة الملاليم» إخراج عز الدين ذو الفقار، عام 1949، وفى هذه الأفلام كان هناك قصور ملحوظ فى أعين المخرجين، الذين قدموها فى الأدوار المساعدة، وكان عليها أن تنتظر إلى بداية العام التالى لتقوم ببطولة ستة أفلام معًا، وسوف يُحسب دومًا لحسن الإمام أنه من أسبق مَن انتبه إليها فى فيلمه «ساعة لقلبك» أمام كمال الشناوى.
ورغم أن شادية قامت ببطولة 13 فيلمًا فى عام 1951، فإن الجيل الحالى لم يتوفر لديه للمشاهدة سوى نصف هذا العدد، وهناك أفلام جارٍ البحث عنها وإعادتها إلى النور،  لا نعرفها ولم نشاهدها، ومنها «مشغول بغيرى» لإبراهيم عمارة، و«السبع أفندى» لأحمد خورشيد، و«عاصفة فى الربيع» و«القافلة تسير» وكلاهما من إخراج إبراهيم لاما، و«أولادى» لعمر جميعى، و«الصبر جميل» لنيازى مصطفى. ويعكس هذا إلى أى حد سيظل تاريخ شادية السينمائى مجهولاً مهما توفرت أمامنا أعمالها الأخرى التى أحببناها كثيرًا من أجلها، ومع مرور السنوات صارت الأفلام تزداد، وتبقى نسبة كبيرة من هذه الأفلام فى دائرة الضوء إلا قليلاً، ومنها فيلما «يسقط الاستعمار» لحسين صدقى، و«بنت الشاطئ» لمحمد صالح الكيالى، من بين أربعة عشر فيلمًا ظهرت فيها عام 1952.
يعنى هذا أنها الفنانة الأكثر حضورًا فى تلك السنوات، إنه عصر الازدهار الحقيقى للكوميديا الاستعراضية، والسينما الغنائية، وهما نوعان متقاربان، تلك الظاهرة التى وجدت أبطالها من السيدات والرجال، وصنعت توهجًا ملحوظًا فى حياتنا، فصارت شادية دلوعة الشاشة، وقطة السينما الناعمة الرقيقة، المعجونة بالشقاوة.
ولحسن الحظ، ومع الوقت، والتوقد الفنى والتفرُّد، بدأت شركات الإنتاج فى معرفة قيمة الجوهرة الغنائية التى تمثلها شادية، وعملت ثنائيًّا ناجحًا مع كمال الشناوى، الذى تزوج أختها لبعض الوقت، وأيضًا مع عماد حمدى، نجم تلك المرحلة، وبدت شادية وهى تمثل الأدوار الخفيفة دون منافس، تبدو فى أغلبها الفتاة اليتيمة المنكسرة، التى تعترض طموحها إلى قلب الحبيب بنات من أسرة ثرية، وكانت هى الأجدر بلقب «سندريلا الشاشة»، وهى تقوم فى أغلب الأفلام بدور الفتاة التى تعانى من قسوة زوجة الأب، ويحبّها ابن الأكابر ويفضّلها عمّن سواها من البنات.
وهكذا صارت أفلامها دررًا نادرة مهما كانت قيمتها الفنية، ويكفى حضورها فى أى فيلم كى يتجاوز المشاهد عن أى معنى وقيمة فنية، بمعنى: «تكفى شادية». والغريب أن من بين أفلامها المجهولة إلى حد ما فى تلك الفترة فيلم «حب من نار» لحسن الإمام، عام 1958، حول بطولات الشباب ضد العدوان الثلاثى، كما يبقى فيلمها «لا تذكرينى» مجهولاً، وهو من إخراج محمود ذو الفقار، عام 1961، والذى حاول استثمار نجاح فيلمهما معًا «المرأة المجهولة» فجسدت دور الأم للبنى عبد العزيز، وهى هنا صحفية تحاول فضح موبقات إحدى الفنانات دون أن تعرف أنها أمّها.
وفى العام التالى قبلت شادية أن تقوم بدور فى فيلم «على ضفاف النيل» إبان ذروة الإنتاج المشترك مع دول أخرى، والذى أسفر عن عمل أفلام ليست لها قيمة فنية تُذكر، وبدت شادية بعيدة عن الألق بموافقتها على العمل فى مثل هذه النوعية، ومنها فيلم «خياط للسيدات» الذى أخرجه حلمى رفلة فى سوريا عام 1970.
أما التجربة الأشد قسوة فى حياتها فقد كانت مع فيلم «رغبات ممنوعة» إخراج أشرف فهمى، عام 1974، الذى تعثر عرضه جماهيريًّا لأسباب متعددة، لم نعرف حقيقتها، فهل لأن هناك علاقة ما بين الأب وابنته، أم لأسباب توزيعية؟ لكن كيف لفيلم شارك فيه أساطين السينما ومنهم حسين فهمى، وميرفت أمين، ومحمود المليجى، وكريمة مختار، وتوفيق الدقن، أن يعانى من أزمة توزيع؟ وقد قرأت فى حوار صحفى كلامًا تعبر فيه شادية عن حزنها لأنها تبذل المجهود ولا يرى الناس أعمالها.
ويبقى هذا الفيلم حالة خاصة، أقرب إلى الكائن المنحوس، فرغم أنه يُعرض بين فترات متباعدة فى المحطات، فإنه يبدو كأنه فاقد الألق، عكس بقية أفلام تحمل اسم «شادية».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات