.

من فنون السيرة كما علّمنا عبد الرحمن 

Foto

يغلب على أشعار السيرة شكل المربع الشعرى، وهو شكل يشيع فى الصعيد، يرتكز على لعبة ارتطام القوافى، ليتولَّد المعنى وتبرز الحكمة


لشاعر السيرة نمطه الارتجالى الفورى المعتمد على قوانين وموازين وحدود يتحرَّك داخلها، والارتجال تجربة فنية غير هيّنة، يقول الأبنودى: إنها مع الشاعر المتمكّن أشبه بـ«المغامرة التى تدفع فيها الربابة بالشاعر للحدث»، و«إجادة  التربيع» هى المفتاح، ما التربيع؟


يغلب على أشعار السيرة شكل المربع الشعرى، وهو شكل يشيع فى الصعيد، يرتكز على لعبة ارتطام القوافى، ليتولَّد المعنى وتبرز الحكمة، وهذا الفن المنسوب إلى أحمد بن عروس، اكتشفه مبكرًا الفلاح المصرى، ووجد فيه أنسب القوالب الفنية المكن أن تستوعب همّه ووجعه، وهذا الفن لا يوحّد القوافى فقط، وربما يوحّد المعنى:


طبيب الجرايح  قوم الحق
وهات لى الدوا اللى يوفق
فيه ناس كتبر بتعرف الحق
ولاجل الصرورة توافق.


«المربعون»، بعيدًا عن السيرة، شعراء تخصصوا فى فن التربيع، ولديهم القدرة على استيعاب القصة من أولها لآخرها، ثم «يربّعها». هى موهبة أو عملية معقدة تحتاج إلى وعى كبير بالفن وإدراك لوقائع الملحمة، وأيضًا بصيرة بطبيعة الجمهور، لأن سقوط مربع واحد «يكسر» الشاعر بين جمهوره، الذى تربّى على فن المربع و«أدمنه».


فى الهلالية الشاعر «يقول»، والجمهور يتابع بالعقل: التاريخ، ويحاور الصبغة الفنية بالحس، فيشارك الشاعر بالصوت، ويكمل القافية، أو يفك طلسم المعنى، فيكون التفاعل، وتحدث حالة «المسامرة»، التى هى المشاركة، والارتجال محسوب، يحكمه اتصال الموضوع.

المربع يطلق عليه عبد الرحمن «لعبة عرب الصعيد القولية»، ساحة مباريات الرجال، شكل يقبل المعلومة ويغلّفها بالحكمة، أضلاعه أربعة تتكوَّن من: ١- الطرح، ٢- العتب، ٣- الشد، ٤- الصيد. هنا يؤصّل الأبنودى لمصرية هذا الشكل الشعرى، رابطًا بينه وبين الصيد من النيل، والذى يمكن أن تتلخَّص خطواته فى أربع: ١- طرح الشبكة، ٢- تثبيت القدم على عتب صلب، ٣- شد الشبكة، ٤- الحصول على الصيد المأمول.

لكن ما الصلة التى دفعت بعبد الرحمن لهذه المقارنة؟ طرافة المقارنة تكتمل لما نعرف أن الجمهور هو «النهر»، وأن الشاعر هو الصياد النيلى الذى يمارس الصيد ليلاً حتى يكلّ، ويحيلنا الأبنودى إلى الشاعر جابر أبو حسين: «لمّا أطرح، باكون مش عارف المربع حيخرج كيف، وما استريّحش إلا ورجلى على (العتب)، الباقى مش مشكلة، لأن المربع بعد كده اتريّم كله فى مخّى».


أما سيد الضو، فيظن أن المشكلة تكمن فى «الطرح»، وأن عدم اختيار المكان المناسب لطرح الشباك لا يأتى بـ«الرزق» مهما ثبتت القدمان على عتب قوى.

ويرى أنه لو طرح جيدًا، فإن الحركات الثلاث ترتسم بعد ذلك فى العقل، ويراها الشاعر بالعيون، ولا تكون هناك مشكلة «مشكلتى فى المفاتيح».

سيد الضو الذى اشتهر بسرعة أدائه، يطارد الرباب وتطارده الرباب، من هنا يكون عليه سرعة الاختيار، وتلك هى المشكلة.

الطرح هو بداية القول الذى على أساسه تتوالى الملحمة، الجمهور يتابع والشاعر يقود، والعتب استطراد، هو فترة الثانى حتى يدخل الرزق الشبك، هو الدعاء، والحكمة، والوصف، ربما كان الجزء الوحيد المحفوظ فى ذاكرة الشاعر، لكنه المفتاح الحقيقى الضامن لرزق وفير فى «الصيد» آخر أضلاع المربع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات