.

هواية التاريخ وغوايته

Foto

لماذا لم تهتم الهيئة العامة للكتاب بموسوعة بورسعيد لسنوات؟ وكم لدينا من موسوعات فريدة فى طى النسيان؟


ألف ويزيد من الصفحات الغارقة فى تفاصيل، متخصصة أحيانا وشديدة التخصص أخرى، مئات الصور، عشرات الوثائق النادرة، رسوم عتيقة، مستندات، ما لم يتوصل إليه حتى بعض من عتاة أو فطاحل المؤرخين.. كأنما قد أوقف كل دقيقة من حياته، كل نفس، باحثا منقبا عن خبايا مدينته الأثيرة «بورسعيد»، الظاهر منها والباطن، حتى إن الراحل الكبير المؤرخ دكتور يونان لبيب رزق، بعدما تواصل بحميمية مع السيد ضياء الدين حسن القاضى، صاحب الموسوعة الفريدة عن مدينة بورسعيد، ولم تكن قد اكتملت بعد بأجزائها الثلاثة، قال المؤرخ الكبير رزق فى تقديمه لجزء من الموسوعة: «أن تنشأ علاقة حميمة بين رجلين، حتى قبل التعرف الشخصى، هذا ما حدث بالضبط، حيث اكتشفت أنه يجمع بيننا أنه «هاوٍ» للتاريخ، وصل فى هوايته إلى حد الاحتراف، بينما أرى نفسى «محترفا» لكتابة التاريخ وصل فى احترافه الى حد الهواية»، نحن أمام عمل شديد التفرد من حيث عنايته ببقعة من بقاع مصر، بورسعيد، من أكثر من زاوية، السياسى والتاريخى والاجتماعى والاقتصادى، ربما لا يقاربه بشكل محدود إلا عمل آخر عن محافظة الشرقية للباحث دكتور عمرو منير.


وصف الدكتور ثروت عكاشة، رحمه الله، موسوعة بورسعيد، موسوعة التاريخ وأطلس بطولات شعب بورسعيد، بأنها إنجاز ومشروع ضخم.. فى حين وصل الأمر بجمال الغيطانى أن قارن متعة قراءتها بما توفره خطط المقريزى الذى أرخ لدروب وشوارع القاهرة. ظل هذا المشروع المطبوع على نفقة صاحبه، يتوالى صدور أجزائه الثلاثة ما بين ١٩٩٧ و ٢٠١٠، وكان كأى عمل له نفس الطبيعة الموسوعية والجادة، لا يعرف عنه إلا من توصل إليه صدفة، أو تواصل مع منجزه صدفة أيضا، حتى أصدرته الهيئة العامة للكتاب قبل أيام من افتتاح القناة الثانية. لا نعرف عن صاحب العمل، السيد ضياء الدين حسن القاضى، غير كونه من أبناء بورسعيد وولد عام ١٩٤٤، ودرس فى كلية التجارة، وأنه عضو فى كل جماعة أو لجنة تَمُتّ من قريب أو بعيد ببورسعيد.

لكن الحقيقة أنه متشرب ونافذ إلى مسام مدينته كما لم نرَ فى ما يتعلق بأى مدينة مصرية، ويكفى أنه فى إشارته للمراجع قد سجل واحدا وخمسين مرجعا باللغة العربية، من بدائع الزهور والرافعى وعلى باشا مبارك وأحمد شفيق وسليم حسن، وحتى مصر فى عيون الغرباء لثروت عكاشة، إضافة إلى جرائد ومحاضر بلدية المدينة منذ بداية القرن، وعديد من المراجع الأجنبية النادرة بحيث لم يفلت من التوثيق لا صغيرة ولا كبيرة.


تناول كبريات الأحداث، حتى قرار تنظيم الاستحمام بشاطئ بورسعيد، وخصوصية بعض الأيام البورسعيدية والفولكلور والعادات والتقاليد، وموضوعات مفعمة بالاكتشاف لثنايا بورسعيدية مدهشة وأصيلة وممتعة. لم تفلت عتبة ولا زاوية ولا نغمة ولا أكلة بورسعيدية من توثيق هذا المحب الغاوى الهاوى إلى حد الاحتراف.

وثق للمجريات والأحداث لكن يخيل إليك أنه قبض على الروائح والأصوات منذ كانت «تنيس» (جزيرة فى الشمال الشرقى لبحيرة المنزلة والتى تقع جنوب غرب بورسعيد الحالية التى ذكرها المقريزى ونسبها إلى تنيس بن حام بن نوح، الذى بناها قليمون بن أتريب، أحد ملوك القبط) تانيس اليونانية، سين فى التوراة، بر آمون الفرعونية، بيلوز تونه، الفرما.. كل المواقع الجغرافية المنشأة والتى كانت نواة بورسعيد. وهذا أيسر ما يقدمه العمل كتوطئة أو تقديم؛ لأن هذا الذى يبدو معلوما سوف يأخذك إلى حيث لا تتوقع، ولا يمكن أن يتوقف عنده إلا عارف، عاشق، صبور، دؤوب، غاوٍ.. وهاوٍ لبورسعيد.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات