.

نظرة.. على مصر

Foto

كيف يحرص الغرب على دراسة التاريخ المصرى بإصدار عشرات الكتب؟ ماذا كتب نابليون بونابرت فى مذكراته عن مصر؟


هو ليس لها محدودًا ومُحددًا بمشاعر جياشة، أو انبهارًا سرعان ما سوف يخبو، لكنه -والحق يقال- إدراك عميق للقيمة والدور، وعى بما قدمته مصر يوما ما للإنسانية، كما عبر عنه الإيجبتولوجى الأمريكى جيمس هنرى برستد، ولخَّصه فى كلمتين: «فجر الضمير».

مصر أهدت الإنسانية وعيًا وضميرًا إنسانيا، وهذه هى مصر التى لا يتوقف الفرنسيون عن استحضارها، تنتمى إلى تاريخ البشر أجمعين، يضعونها فى السياق الأوسع، مدركين أنها -وإن كانت «عافيتها» الآن فى أزمة- لها جذور عفية فى الوعى الإنسانى، استحضارها أمانة. وهكذا جاءت فكرة واحد من عشرات العناوين الجديدة فى فرنسا عن مصر، كما رواها الأكاديميون. آلاف الأرجل الغريبة، وربما الملايين، دبَّت تاريخيا فوق الأرض المصرية، ما بين غازٍ ومحب، أو غاز تحول إلى محب، ورحالة، وأكاديميين، ومؤرخين، ومعلمين، وعلماء، وعابرين، كلهم كانت لهم «عيون» تطل وتفحص، وتمعن النظر. من بين هؤلاء كان من انتسب إلى الأكاديميات، أو المعاهد البحثية، وتولت طلاتهم إلى مدونات وكتب، وأنتجت ما سمته دار النشر الفرنسية الشهيرة «flammarion» أنطولوجيا النظرة، لما أقدمت مؤخرا على انتقاء بعض ما كتبه أكاديميون ينتسبون إلى عدد من الأكاديميات الغربية المتخصصة فى العلوم والفنون والآداب والتاريخ، والذين شكلت نظراتهم على مصر نوعًا من التاريخ الموازى للتاريخ.

الكتاب الذى قدم له بطرس بطرس غالى، ود.إسماعيل سراج الدين، ألحقت دار نشره بالخاتمة، قائمة بأسماء ما يقترب من مئة وعشرة أكاديميين غربيين، بعضهم ذائع الشهرة، وآخرون لم تتردد فى أسماعنا أسماؤهم طويلا، بعضهم انتمى لما قبل قرنين، وآخرون جاؤوا مؤخرا، لكنهم فى النهاية وإن تفاوتت أزمنتهم، تشكل رؤيتهم نوعًا من التاريخ غير المباشر والمباشر أحيانا، من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. الانتقاءات من النصوص الأصلية والتى قام بها كل من المتخصصين «آن جوفروى» و«هيلين رونار»، اعتمدت على الاحتفاظ بأصل المتن وروح كاتبه، وبالتالى تفرد رؤيته، ابتداءً مما دونه نابليون عن مصر وهو فى جزيرة سانت هيلانة، وحتى ما رصده عاشق مصر، جون كوكتو، وشامبليون و«ماسبيرو» وأسماء كبيرة فى تخصصها المتنوع من العمارة والمصريات وحتى علوم الحيوان والزرع واللغة والتاريخ.    


نابليون يكتب: ثلاثة أعياد مصرية فى عيد واحد
فى أغسطس عام 1799، غادر نابليون مصر إلى فرنسا، مخلفا وراءه الجنرال كليبر، كان عضوًا فى المعهد الوطنى للعلوم والفنون. الكتاب توقف عند نص لنابليون يعكس رؤيته لمصر ومستقبلها، وهو نص عُدَّ فى ما بعد، وفى الحقبة الاستعمارية الطامحة، الطامعة، «ماكيت» للسياسة الإسلامية أو للسياسة المتبعة لإخضاع بلد إسلامى.

النص محمل بتلك الرغبة فى الاستعمار والمتخفية وراء قناع يتبنى العُرف والتقليد والدين، فى معادلة مراوغة، والمستعدة طوال الوقت لدغدغة الشعور الدينى. المصريون كما رأى البعض، كانوا شديدى الحساسية إزاء ما كان يبديه بونابرت من تظاهر باحترام كتابهم، حتى لقبوه بـ«السلطان الأكبر»، ونابليون من ناحيته كان على استعداد لعمل أى خطوة لإحكام قبضته، وكما كتب «ميشوليه» الكاتب الفرنسى: «وأتت نابليون لحظة فكر فيها أن يخلع زيه تماما، ويتعمم بالعمة التركية». ورد نص نابليون ضمن مراسلاته من جزيرة «سانت هيلانة» والتى قام بنشرها نابليون الثالث، فى الفصل الخامس المعنوَن بـ«الحملات على مصر وسوريا»، والذى بدأه بوصف لجزيرة مالطة، وتلاه بتذكير لمعركة أبو كبير، ثم توقف عند ما سماه بـ«الشؤون الدينية»، مستدعيًا احتفال المصريين الذى توافق بأعياد ثلاثة: وفاء النيل، والمولد النبوى، ثم العيد الثالث الذى ألهمته به قريحته الماكرة، وهو الاحتفاء بعام جديد من التحالف المصرى الفرنسى أو بداية عام جمهورى جديد وافق وقتها -كما رأى- العشرين من سبتمبر، مع أن وفاء النيل والمولد كانا فى الثامن عشر من أغسطس، لكنه أبى أن يفوّت الفرصة، وأضاف عيده المخترع، ووجدها فرصة ليسحر المصريين بالجديد المبهر ويخطف أفئدتهم بسحر القول وعيونهم معلقة بهول كرات الألعاب النارية.  


كان ذلك فى يوم الثامن عشر من أغسطس، سجل «النيل» فى مقياس الروضة، أربع عشرة بوصة، الديوان والقاضى فى صدارة المشهد. هذا هو الاحتفال الذى يحتل حيزه الأكبر، شعب القاهرة. قبيل طلوع الشمس، يغطى ضفتى النيل، مئتا ألف من الحضور من القاهرة القديمة وحتى مقياس الروضة آلاف القوارب والمراكب الشراعية المغطاة بالأعلام والأشرعة فى انتظار لحظة دخول النيل. قطاع من الجيش الفرنسى فى تمام زيه وسلاحه تحت الأذرع المشدودة.

السلطان الأكبر -يقصد نفسه- محاط برموز دولته، والمفتين، والعلماء وكبار الشيوخ، والنبلاء وأعضاء الديوان، عن يمينه مباشرة «البكرى»، سليل النبى، وعن يساره «السادات» سليل الحسن، بعد أن غادر قصره، عابرا المدينة، ليصل إلى الاحتفال.  


استقبله القاضى وشيوخ المقياس. كانت العلامة التى تشير إلى ما وصل إليه النيل من ارتفاع، قد تم تحديدها فوق المقياس، وأذاعوها على الناس، بعد الرفع والتيقن.

استقبل الإعلان بالهتافات والصيحات لأعداد غير محدودة من المتفرجين، واستلزم الأمر ما يقرب من الساعة ليشق القاضى طريقا.

ارتفع النيل إلى ثمانية عشر قدمًا. القارب الذى أقلَّ شيخ المقياس كان فى مقدمة الركب الذى دخل، أعقبته المراكب والقوارب الغارقة فى البيارق والأعلام. نثر المحاسب العام على الجموع قطع العملات والفضة. فى «البرجولا» مددت مائدة عامرة رائعة. «السلطان الكبير» يتابع مقتضياته بكل جدية، والنيل يبشر بزيادة قوية تفوق الأعوام السابقة. المدينة عمتها الأنوار، طوال الليل وهى تحتفل، وعلى مدى ليالٍ ثمانية تالية استمر الاحتفال. الساحات العامة، الحدائق، القنوات، الشوارع، المآذن، حتى شواهد القبور، كلها تعوم فى المياه.

القاهرة تحولت إلى بحر، والأشجار لا يبدو منها غير الأطراف. طوال شهر سبتمبر يعم المدينة احتفال بحرى، تراه من أعالى الهرم والمقطم، وقصر صلاح الدين. مصر تعوم بقراها ومآذنها وقبابها. بساط مائى يغطى كل شىء، تتهادى عليه أشرعة بيضاء تتفاوت ارتفاعات النيل من جزء لآخر ولا يعود مروضًا هادئا إلى فراشه إلا قرب ديسمبر، لتكتسى أوديته بالحبوب والزهور. فى نهاية أغسطس، كان أيضا الاحتفال بمحمد -يسميه «عيد محمد»- وفى ما بعد سوف يربطه بالعام الهجرى.


شارك الجيش الأهالى فرحتهم. المدينة مضاءة بالقناديل الزجاجية، كل مس، كل قصر، بازاذ، وكالة كانت تحاول التميز فى الزينات الملونة. أطلقنا ألعابا نارية. الجيش فى أبهى مظهر، يمارس الاستعراض تحت النوافذ، نوافذ البكرى..  الجنرال العام -يشير إلى نفسه- سوف يقوم بالزيارة للشيخ البكرى بمناسبة المولد النبوى، حيث كل أهل الفتوى والشيوخ، ينسدون فى مدح محمد وهم جالسون على الأرض، فوق المخدات والحشايا.

تتزايد الأعداد المارة، والمغنون للأشعار العربية، يدخلون فى حركات منتظمة من أعلى إلى أسفل، وبتصفيق إيقاعى «الذكر». لحظة أذان الصلاة سوف تُطلَق مئة طلقة تحية، من قلعة الجيزة وإلى كل الأنحاء، كل بطاريات المدفعية سوف تنطلق، محييةً لحظة دخول النبى محمد إلى المدينة، إعلان الهجرة.  
العشاء الذى أعده الشيخ، كان موزعا على خمسين مائدة صغيرة، حول كل مائدة خمسة أشخاص، فى المنتصف تماما كانت مائدة «السلطان الكبير» والشيخ البكرى. كل أنحاء المدينة غارقة فى البهجة، أعداد الناس لا حدود لها. دوائر مكونة من ستين إلى مئة شخص، يهتزون على أنغام الأشعار وقد ربطوا أيديهم خلف ظهورهم. الاهتزازات أحيانا تتصاعد لتبلغ نصف الدائرة، وكثيرا ما يقعون على الأرض غائبين عن وعيهم، حين تبلغ حركاتهم مدى عنيفا. الحرية التى يمارس المسلمون من خلالها شعائرهم، والراحة التى يتصرفون بها، والفرح والأخوة التى يبديها عساكرنا، تكشف عن التقدم والجهد المبذول وحجم التطور.


فى العيد الجمهورى لنا، كان المسلمون قد أدركوا إلى أى مدى كان عساكرنا مشاركين، وإيجابيين فى عيدى «النيل» و«محمد»، وقد تصرفوا بمنتهى الرقة. أقيم هذا فى ساحة الأزبكية، وأعد مكان لرجال الدين وكبار العلماء، وبعد كلمة الجنرال، بدأ استعراض الجنود.

المكانة المشرفة التى احتلها فى هذا الاحتفال كل كبار القوم أدخلت على الشعب نوعا من الرضى.

أقام الجنرال عشاء لمئة شخص، كان فيه كل زخم ورفاهية يمكن أن تجدها بدعوة للعشاء فى باريس.

فى المساء كانت هناك ألعاب وعروض واستعراضات، استمتع بها الشعب والجنود معا.


فى المساء، أعد لعرض جديد، كان الفرنسيون ينتظرون من ورائه، ناتجا عظيما. أطلقنا بالونا ضخما باتجاه الصحراء الليبية، هذا البالون اختفى ولم نكن نعرف أين ذهب. البالون كان مدونا عليه باللغات التركية والعربية والفرنسية، لكنه لم يحدث الأثر المطلوب فى المسلمين، لم يثر فضولهم، ولا دفعهم لما كنا ننتظره، مع أنه أحدث جلبة وضوضاء بين الناس لكن ليس كما خططنا. فسّر بعض المؤمنين البالون بأنه وسيلة اتصال ما بين السلطان الكبير والنبى محمد! الشيخ المهدى لما وصلته هذه الغمغمات، ضحك وأنشد أشعارًا جميلة شاعت.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات