.

الإرث الذى باعه سعيد باشا بابتسامة

Foto

شتان ما بين الظرفين، ما بين «الحفر بالسخرة» والموت عطشًا فى الحفر الأول، وما بين الرؤوس المرفوعة واستحضار الإرادة الوطنية فى حفر القناة الثانية


بينما يحتشد المصريون فى حلة فرح حقيقى وشعور بالإنجاز يوم السادس من أغسطس، بعد نجاحهم فى شق قناة السويس الثانية فى مدة عام، يطل تاريخ عميق عليهم، مقارنًا ما بين شق قناة السويس الأولى وقناة السويس الثانية، كيف وقفوا جميعًا كشعب، فى ظهير جيش، وكيف مولوا بأموالهم، وكيف بث أبناؤهم فى الجيش وفى أذرعهم المدنية، كل الطاقات بوعى وكرامة؛ ليفتحوا نوافذ جديدة للحياة فى أغسطس ٢٠١٥، وكيف سقط جدودهم وحفروا بالسخرة والدماء قناتهم الأولى.

شتان ما بين الظرفين، ما بين «الحفر بالسخرة» والموت عطشًا فى الحفر الأول، وما بين الرؤوس المرفوعة واستحضار الإرادة الوطنية فى حفر القناة الثانية، ما بين دماء سالت روت الأرض قبل أن تغمرها مياه القناة، وما بين شعور بالقدرة الوطنية والاستقلال فى الحفر الثانى، استحضار ظروف حفر القناة الأولى وتاريخ القناة من زاوية وطنية، يكاد يلخص تاريخ مصر فى القرنين الأخيرين، سجال طويل ما بين المحاولات متنوعة المصادر، للاستحواذ على مصر وتحويل أبنائها إلى «هوامش تقتات الفتات» وما بين سعى المصريين لاستعادة أنفسهم ليكونوا سادة مصائرهم. ولعل العمل العلمى الرائع للأستاذ والعالم الراحل الدكتور عبد العزيز الشناوى عن السخرة فى حفر قناة السويس، والذى يكاد يكون القاطرة الأولى التى فتحت الباب للاطلاع وبتفاصيل، على الكيفية التى سيق بها المصريون، وكيف ربطوهم بالحبال ليقطعوا الصحراء، من الزقازيق إلى السويس، سيرًا على الأقدام، حيث ساحات الحفر التى كان الموت يتلقفهم فيها؛ ليلقوا حتفهم جوعًا وعطشًا أو بالأوبئة، لعل هذا العمل الرفيع من الأهمية أن يظل شاهدًا على الرمزية التى تمثلها قناة السويس فى تلريخ الدولة المصريه الحديثة، والتى منها بدأت خطوات تجديد هذه الدولة بعد واحدة من أخطر محاولات تقويضها، ربما على مدى تاريخها الطويل، منذ اللحظة الأولى التى استحوذ فيها فرديناند ديليسبس من صديقه محمد سعيد باشا، على عقد امتياز حفر القناة، فى ٣٠ نوفمبر ١٨٥٤،  و«الاجحاف» سمة للعلاقة ما بين مصر والقناة، فلم يحدث أن حصل شخص أو حكومة على ما ناله ديليسبس ومشروعه، وكتب التاريخ حافلة بشروط الاستلاب السياسى والاقتصادى التى افترست مصر وقتها، لكن ربما كانت الظروف التى من خلالها عمل المصريون فى حفر القناة، هذه الظروف وحدها تصنع لوحة استشهادىة لآلاف من المصريين الذين جرت دماؤهم على أرض القناة حتى قبل أن تسيل مياه البحار، فى العشرين من يوليو ١٨٥٦ ختم والى مصر محمد سعيد على لائحة كان ظاهرها الحفاظ على حقوق العمال المصريين، بينما كانت الحقيقة أن اللائحة التى لم يعمل بها قط، إنما كانت فى وجه منها، أداة لإسكات بريطانيا التى كانت ترى فى مشروع ديليسبس لقناة السويس، استيلاء فرنسيا على مصر  فراحت تثير المشكلات واحدة بعد الأخرى، وكان منها مشكلة العمالة التى كان المشروع يتطلبها، أبدت إنجلترا مخاوف هائلة إزاء استقدام عمال فرنسيين بأعداد قد تستقر فى منطقة القناة؛ بحجة تنفيذ المشروع ثم بعدها يصيرون أداة تستخدمها حكومة باريس فى تنفيذ خطتها لامتلاك مصر وتهديد الممتلكات البريطانية فى آسيا وخصوصا أنه فى ظل الامتيازات الأجنبية يصبح أمرا واردا أن يبعث هؤلاء فى طلب ذويهم فتتشكل هجرات فى الأراضى الشاسعة التى منحها سعيد إلى ديليسبس، وتكون بمثابة مستعمرات، سرعان ما سوف تصبح حكومة داخل وربما فوق الحكومة المصرية، ويصبح الأمر شبيها بما كان فى المهد لما تأسست الإمبراطورية البريطانية على أكتاف التجار وليس العسكريين، من هنا فشلت محاولات استقدام العمالة الأجنبيه إلا فى حدود وتعهدت حكومة سعيد بتقديم العمالة بتوسط أجور من قرشين إلى ثلاثة يوميا وجراية كل يومين أو ثلاثة أو يعوضون عنها ماليًّا، على أن يعمل العامل «مقطوعية» فى الحفر تساوى مقطوعيته فى مصلحة الطرق والكبارى، ويخصم من أجره كل جزء لا يسدده بالعمل، ويجازى بخصم خمسة عشر يومًا المتهرب من العمل على أن تلتزم الشركة بإسكان العمال فى عنابر أو خيام وتنشئ مستشفى ومركز إسعاف ويعالج المرضى على حساب الشركة، ويدفع لكل عامل مريض سواء كان فى المستشفى أو مركز الإسعاف قرش ونصف القرش يوميًّا طوال مدة المرض، طبعًا كانت لائحة وهمية، أو لنقل إنها كانت حبرًا على ورق، استخدم فى التلاعب السياسى سواء على المستوى الخارجى فى إبعاد أنظار إنجلترا وبقية القوى أو داخليًّا، عن الامتيازات الهائلة التى نالها ديليسبس من سعيد والتى علق عليها قنصل توسكانا فى مصر بقوله فى تقرير أرسله إلى وزير خارجية فرنسا بتاريخ ٢٥ ديسمبر ١٨٥٤، «لست فى حاجة إلى أن أظهر إلى معاليكم مقدار الامتيازات التى منحها سمو الوالى، فإنها عظيمة الفائدة للمسيو ديليسبس وللشركة المزمعة تأسيسها، فلم يحدث مطلقًا أن ظفر شخص بمثل هذه الميزات العظيمة وبمثل هذا السخاء، من أى حكومة كانت «أو على رأى» المستشار كرابيتس الذى كان يعمل بالمحاكم المختلطة السابقة بالإسكندرية «باع سعيد إرث الفراعنة لرجل فرنسى وقبض الثمن ابتسامة زائلة».


 ومن هذه الامتيازات كان توفير العمالة بشكل أقرب إلى السخرة، بل كان سخرة حقيقية، تتراوح ما بين السخرة السافرة والسخرة المقنعة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات