معقول يا ولاد بنقول باى باى

Foto

بدايات النهار بدأت الشوارع تمتلئ بالبشر شيئًا فشيئًا، ثم ضاقت الشوارع بناسها، فبدأ الناس فى تسلُّق أسطح البنايات،


فى 1 أكتوبر 1970، وكان يوم خميس، كانت مصر على موعد مع جنازة محبوبها.. جمال عبد الناصر.
كانت مصر لمَن يراها فى الصباح المبكر لهذا اليوم صامتة وحزينة وواضح تمامًا أنها بصدد حدث جلل، الناس متكلفتة بأحزانها، ومنطوية على فجيعتها، وكان كل شخص فى كل بيت فى كل مدينة أو مركز أو قرية أو كفر كأنه فقد فردًا من أفراد أسرته الخاصة، وليس رئيس جمهورية.
ومع بدايات النهار بدأت الشوارع تمتلئ بالبشر شيئًا فشيئًا، ثم ضاقت الشوارع بناسها، فبدأ الناس فى تسلُّق أسطح البنايات، ثم ضاقت الأسطح بناسها، فبدأ الناس فى تسلُّق أعمدة النور، ثم ضاقت الأعمدة بمتسلقيها، فبدأ الناس يتّخذون من أسلاك التليفونات مقاعد لهم. أما فى ما يخص المطار فقد كانت الطائرات القادمة من جميع دول الكوكب تواصل هبوطها طائرة تلو الأخرى، زعماء العالم يهبطون سلالم طائراتهم وكأن على رؤوسهم الطير، تحمل ملامح وجوههم مزيجًا من الدهشة المختلطة بالخطفة والشعور بفقدان العالم لرجل عظيم، حتى إن بعض الزعماء والرؤساء القادمين لحضور الجنازة لم يستطيعوا منع أنفسهم من الانخراط فى نوبات بكاء حاد.
ومن مقر مجلس قيادة الثورة كانت بداية الرحلة وكانت نهايتها أيضًا، حيث بدأ جثمان ناصر رحلته الأخيرة وسط ما يقرب من 6 ملايين مصرى، الجميع يبكون، النساء تنتحب، البعض أغمى عليه، حتى الجنود حملة النياشين كانوا يبكون خلف النعش، بينما يشق سماء القاهرة هتاف «لا إله إلا الله.. عبد الناصر حبيب الله».
كان المشهد مهيبًا تمامًا، وربما كانت فى جولة الهليكوبتر التى تحمل الجثمان فى سماء القاهرة قبل الجنازة فرصة لروح الرجل، لكى ترى ما يمكن أن يحصده الصدق والإخلاص من محبة.. وتصديق.
رحم الله عبد الناصر، بمزايا فترته وعيوبها، ورحم جميع موتانا، ورحمنا نحن الأحياء من قبلهم، حيث إننا نحن مَن لا نزال على قيد تلك الحياة العبثية، نحن مَن نستحق الرحمة بجد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات