.

مهزلة الشماتة فى وفاة العبقرى ستيفن هوكينج

Foto

لماذا تسابق مئات الأصوليين على الشبكة العنكبوتية إلى الشماتة فى وفاة العالم العبقرى دون أن يبدو على الأقل أنهم يعرفونه؟ هل سعى «هوكينج» فى الأرض فسادًا وأهلك الحرث والنسل فاستحق جهنم وبئس المهاد؟ ألا يغفر النبل والعظمة والسمو والأخلاق لإنسان راحل عند أخيه الإنسان فيدعو له بالرحمة ويترك لله حسابه؟


يوم الأربعاء الماضى 14 مارس 2018 وبعد دقائق من إعلان نبأ وفاة عالم الفيزياء البريطانى الأسطورة «ستيفن هوكينج»، كان مستخدمو الإنترنت العربى على موعد مع ما يمكن وصفه -دون هزل- بالمهزلة الأممية، وإن كانت «الأممية» لا تمنع أن وقوع مثل هذه المهازل يحدث بين أمة العرب كالعادة وحصرا، انطلقت مئات من حسابات الأصوليين ودعاة الإسلام السياسى على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعى تعلن شماتتها فى وفاة العالم العبقرى وتوسعه تهكما وسخرية وتأكيدا على أن مأواه النار وبئس المصير، وشطح ببعضهم خيالهم الجهنمى إلى حد وصف ألوان افتراضية من عذاب جهنم الذى يلاقيه الرجل! وبعيدا عما تضمنه المشهد البائس من وضاعة مثيرة للاشمئزاز ناتجة عن مشاعر الشماتة فى الموت، إلا أنه مشهد يكذّب فى نظرى ابتداءً تظاهر الأصوليين الدائم بالدفاع عن تراث الرواية المنسوبة للنبى، فالمعروف أن كتب الحديث تمتلئ بتعوذه صلى الله عليه وسلم من شماتة الأعداء ونهيه ليس عن الشماتة فى الموت وهو قمة أشكال المصائب والكروب التى يتعرض لها الإنسان وحده، بل ونهى عن كل ما تشم فيه رائحة شماتة فى ضعيف، للدرجة التى يرد فيها فى الصحيحين عن أبى هريرة قوله: «إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد ولا يثرّب عليها»، والمقصود أن لا يوبخها على الزنا بعد الضرب، فما بال المرء بالتوبيخ بعد الموت نفسه!

المثير للدهشة أكثر أن تصدر الشماتة بالذات عن قوم يتشكون ليل نهار من مؤامرات الآخرين على دينهم وسوء فهمهم له وظنهم به، ومن اتهامه بالعنصرية والعدوان والتشدد، وهو ما يمكن أن يستنبطه أحد من دعوى تأميم الجنة والنار، وامتلاك معرفة دنيوية بغيب الله، وإصدار صكوك الغفران وصكوك التعذيب، رغم ما يفترض من أتباع دين يأمر الله نبيه فى قرآنه بأن يعلن للناس: «قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يُفعل بى ولا بكم»- الأحقاف: 9، ويعيب بالوصف اللاذع على مدعى الإيمان بقوله: «ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد»- البقرة: 204:206. والسؤال: هل كان عالم الفيزياء العظيم من هؤلاء الذين تتوعدهم الآية بجهنم وبئس المهاد؟ يعنى هل قال للناس ما يعجبهم أن يسمعوا وعموم الناس سواء فى الشرق أو فى الغرب كما هو معلوم من المؤمنين؟ وهل أشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام أم أنه صارح الناس بما هداه إليه عقله وتأمله واجتهاده دون أن يفترض فى رأيه صوابا يلزم غيره ودون أن يحمل فى قلبه -فى نفس الوقت- ذرة من خصومة لأحد أو حقد على أحد أو لعنة ضد أحد؟ وهل سعى «هوكينج» فى الأرض فسادا وخرابا وتقتيلا وتدميرا وقطْع رؤوسٍ وذبْح أعناقٍ وحرْق أجسادٍ كما فعل من يرفعون رايات الإسلام اليوم أم أنه حاول جهده أن يقدم للبشرية علما نافعا ومستقبلا آمنا إضافة إلى ما ضربه من مثال عظيم للبطولة الإنسانية فى مواجهة المرض والعجز؟ هذه الأسئلة تقدم لها كتب ومواقف وحياة «هوكينج» أجوبة ناصعة تستحق أن نجعل منها نبراسا هاديا ومنارة تفيض بالضوء والتسامح والذكاء على عقولنا مهما كان موقفنا من إلحاده، فالإلحاد موقف شخصى يعود لصاحبه، لكن العلم والعظمة الإنسانية ميراث بشرى حضارى يخص كل من يعيش على ظهر الكوكب.
فى سنة 2006 نشر سؤالا دون إجابة على الإنترنت قال فيه: «كيف سيتمكن الجنس البشرى من الدوام لمئة عام أخرى فى ظل عالم تملؤه الفوضى السياسية والاجتماعية والبيئية؟»، وأوضح معقبا بقوله: «لا أعرف الجواب ولهذا السبب طرحت السؤال لأحمل الناس على التفكير فى الأمر وليكونوا واعين إزاء الأخطار التى نواجهها الآن». كان «هوكينج» دائم التعبير عن قلقه على الحياة على كوكب الأرض فى مواجهة أخطار داهمة كحرب نووية أو انتشار وبائى مهندس وراثيا أو مخاطر الاحتباس الحرارى أو اصطدامات نجمية وكوكبية و.. غيرها وغيرها وغيرها. بل إنه أبدى ذات مرة قلقا عميقا بعد أن أكدت حساباته أن البشرية يمكن أن تنتهى بحلول عام 2060، فوفقا لما قال سيستمر عدد سكان الأرض بالنمو مما سوف يزيد استهلاك الطاقة ويتهدد الأرض بالتحول إلى كرة نارية مشتعلة. وحفاظا على استمرار الجنس البشرى فى مواجهة المخاطر المحدقة اقترح «هوكينج» ضرورة البدء فى التخطيط لإرسال رحلات فضائية تستكشف فرص استعمار البشر لكواكب أخرى تأمينا لمستقبل البشرية فى حال تدمير الأرض.
تلك إذن «عينة» من هموم الرجل الذى صارع مرضا من أخطر أمراض الكون قاطبة، هو مرض «العصب الحركى» الذى أفقده القدرة على الحركة والكلام وجعل أطباءه يتنبؤون له بالعيش عامين أو ثلاثة، لكنه عاش بفضل إرادته الجبارة وعزيمته الخارقة 75 عاما بعدها، ولم يقض هذه الأعوام مستغرقا فى هموم مرضه القاتل ولكن فى واجبات تحمل هموم البشرية وفى خدمة مستقبلها وتقدمها، ولم يتوانَ عن أداء واجباته العظيمة لحظة واحدة من عمره حتى حضرته الوفاة. وكما كان حريصا فى كفاحه العلمى على أن لا يكون عالما يمارس كشوفا علمية خلدته فى تاريخ العلم والإنسانية فقط، رأى أن من واجبه إلى جانب ذلك أن يقوم بتبسيط العلوم عبر كتب لا تنقصها الروعة والجمال يفك فيها طلاسم الفيزياء والفلك والكون ويحولها لمعارف متداولة بين سكان العالم. كان حريصا كذلك على أن يكون مشاركا فى هموم عالمه السياسية الكبرى، متخذا من المواقف العظيمة النبيلة ما يتضاءل أمامه بحجم ووزن خصومه الشامتين الشتامين الذين ما عرفناهم غير متلاعبين بالقيم والمبادئ وتجار دين وشعارات حتى يصل لأضأل وأخف من ذرات التراب. فالرجل رفض غزو أمريكا للعراق سنة 2003 معتبرا إياه «جريمة حرب»، ودعم المقاطعة الأكاديمية العالمية لإسرائيل احتجاجا على عنصريتها ضد الفلسطينيين وعدوانها على أراضيهم وحقوقهم، وناصر كل الحملات المطالبة بمنع الانتشار ونزع السلاح النووى، وطالب بتطبيق رعاية صحية شاملة تكفل حماية كاملة لكل إنسان، وشارك فى كل الجهود الرامية إلى وقف الاعتداء على البيئة ومنع تغير المناخ.
يتبقى بعد ذلك أن نلقى نظرة سريعة على «نوعية الإلحاد» الذى وصل إليه لنرى إن كان يمثل الوجه القبيح الذى يتصوره المؤمن فى العادة أو أنه كان محض اختيار حر وشخصى واجتهاد يرتبط بنواياه الحسنة تجاه مستقبل الإنسان والأرض؟ قطع «هوكينج» رحلة طويلة منذ بدايته وحتى انتهى إلى إعلان إلحاده نهائيا فى سبتمبر 2014 خلال مشاركته فى مهرجان لعلوم الفلك والفضاء، وهى نتيجة على كل مؤمن أن يراجع نفسه فى الطرق التى يمكن أن يسهم فى الوصول إليها بأفعاله وأقواله، وأيضا بتعصبه وعنصريته وأحقاده. كان الفيزيائى يعتقد -حسب تصريحه- أن الله: «ربما قضى بالقوانين ولكنه لا يتدخل لكسر هذه القوانين»، وهو يقدّم كذلك تفرقة مهمة بين «الدين الذى يقوم على السلطة»، وعلينا أن نضع عشرات الخطوط تحت هذه العبارة ونعيد تأملها طويلا، وبين «العلم الذى يقوم على الملاحظة والمنطق». لكنه أعلن أخيرا سنة 2011 فى برنامج على قناة «ديسكفرى»: «جميعنا أحرار لنؤمن بما نريد ومن وجهة نظرى الخاصة فإن أبسط التفسيرات هى أنه لا يوجد إله، لم يخلق أحد الكون ولن يقوم أحد بتوجيه مصيرنا، وهذا ما يقودنى إلى إدراك عميق، لا يوجد على الأرجح جنة أو حياة آخرة أيضا، لدينا هذه الحياة الوحيدة لنقدّر فيها التصميم العظيم للكون ولأجل ذلك فأنا ممتن امتنانا كبيرا». وعاد فى سنة 2014 بعد أن تحول الاحتمال واللا أدرية الماثلة فى السابق إلى ما يشبه الحكم والتعليل: «من الطبيعى بمكان أن نؤمن بأن الله خلق الكون قبل أن نفهم العلم ولكن يقدم العلم الآن شرحا أكثر إقناعا»، أصبح «هوكينج» واثقا كما قال من أنه: «لا توجد حاجة لوجود حياة بعد الموت لجعل الناس يتصرفون بشكل جيد وهم أحياء»، وما بين السطور يكمن سؤال أهم من إيمان «هوكينج» وإلحاده لأنه يتعلق بواجب أخلاقى ملقى على عاتق كل مؤمن، هو: كم أسهم إيمان البشر بحياة بعد الموت فى جعلهم يتصرفون بشكل جيد ويعيشون حياة صالحة؟ وكم جرى تضليل الكثيرين بالحياة بعد الموت وبأطيابها ليعودوا أعداء للحياة ولعنة على من يحيونها؟
المؤكد على كل حال أن شماتة لحظة إعلان نبأ وفاة «هوكينج» لا تصلح إلا لتكون دليلا إضافيا على قلقه ومخاوفه بإزاء الطبيعة البشرية، فقد جادل ذات مرة بخصوص اعتبار الفيروسات الحاسوبية شكلا من أشكال الحياة بهذه العبارات الموجعة: «ربما يفسر ذلك شيئا ما حول الطبيعة البشرية، هو أن شكل الحياة الوحيد الذى أنشأناه حتى الآن هو مدمر تماما، أعتقد أن هذا يكشف شيئا عن طبيعة البشر، لقد أنشأنا حياة على شاكلتنا»! فما الذى يضيرنا إذن -والحال كذلك- من اختيارات «هوكينج» الشخصية ما دام أنه بلغ هذا الشأو من النبل والمثالية الأخلاقية والحرص على الحياة، كان الرجل مثالا عظيما فى علمه، وكان مثالا نبيلا فى إلحاده، لم يضحك على نفسه وعقله، ولا على نفوس وعقول الآخرين، وكان يستطيع ببساطة أن يزعم إيمانا يتملق به عقول قطعان جعلت من إيمان المرء وإلحاده شأنا يخصها ولا يخصه شخصيا، وأخذت على عاتقها حساب الناس على إيمانهم وإلحادهم -وليس على علمهم وعملهم- نيابة عن الله!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات