.

هاملت على الطريقة الصعيدية

Foto

كيف عبرت الأغانى عن الأحداث؟


على مدار سنوات طوال ألهمت أعمال شكسبير الكثير من المخرجين فى مصر لنقل أفكارها وتمصيرها وإضفاء صبغة شعبية خالصة عليها، تثبت أن الأفكار التى صيغت من مئات السنين تبقى قابلة للطرح والمناقشة والقَولبة بأكثر من نمط مهما مرَّ من وقت ومهما تغيرت الظروف.

محمد الصغير واحد من أكثر المخرجين فى مصر الذين تصدوا لتجارب شكسبير، وقدمها بصورة غلبت عليها المحاكاة التهكمية، ومثلما فعل فى رائعة الكاتب الإنجليزى الشهير «روميو وجولييت»، التى حصل بها على الكثير من الجوائز، عاد اليوم ليستقى من أكثر تجارب شكسبير شهرةً «هاملت» مادة لتجربته الجديدة «السيرة الهلامية» التى قدمها على مسرح الطليعة، والتى نقلها إلى بيئة الصعيد، ليضع «هاملت شكسبير» بصراعاته المختلفة فى مواجهة موروثات الجنوب التى تتماس مع الطرح الذى عالجه النص الأصلى، إذ يقوم العمل أساسًا على فكرة الانتقام والأخذ بالثأر، وهى الفكرة الحاضرة بقوة فى مجتمع الصعيد.
من اسم العرض تتضح معالم التجربة وكيف أنها تتخذ الكوميديا سبيلاً إلى معالجة قضاياها الرئيسية، فـ«السيرة الهلامية» هنا تحيلنا تلقائيًّا إلى السيرة الهلالية التى تعد من أعظم الملاحم التى تغطى مرحلة تاريخية كبيرة فى حياة بنى هلال المعروفة بهجرة بنى هلال، وتمتد لتشمل تغريبة بنى هلال وخروجهم من ديارهم، غير أننا هنا بصدد حكاية مختلفة، ورؤية أكثر اختلافًا عن «هاملت» أو «هراس» الذى يعرف من شبح والده أن عمّه خطط لقتله حتى يستولى على زوجته وأرضه، وبالتالى يدخل هاملت/ هراس فى صراع مع النفس، بين ضعفه وتردده الذى أصابه بمرض السوداوية وجعله عاجزًا عن الفعل، وبين الرغبة الجارفة فى أن ينتقم لأبيه ويستعيد أرضه ومجده وشرفه.
نجح الصغير فى نقل نص شكسبير إلى بيئة جديدة مناسبة لطرحه الجديد، حيث اعتمد على المبالغة فى كل شىء، بدايةً من التمثيل وحتى قطع الإكسسوارات، بينما لجأ إلى الغناء والرقص ليُضفى على العمل مزيدًا من الكوميديا، ويخلع عنه طابعه الكلاسيكى الميلودرامى، فى محاكاة منظمة ومرتبة أبعد ما تكون عن «الهلامية» التى تم تصديرها فى العنوان لصنع المفارقة، فهنا الممثلون حريصون إلى أقصى درجة فى تعاملهم مع الإفيهات بعيدًا عن التسطيح والابتذال مع المحافظة على الخطوط الأصلية للعمل، حتى لا تضيع الفكرة ويبقى العمل فى النهاية مجرد إسكتش أو مجموعة من الإفيهات غير المبررة التى تصنع البهجة دون أن تترك أثرًا فى عقل المتلقى.
كذلك جاءت الأغانى معبّرة عن الأحداث، مفسرة لأجواء الصراع الدائر بين هاملت ونفسه من جهة، وبينه وبين عمّه والمحيطين به من ناحية أخرى، أما الملابس والإضاءة فاستخدمهما مخرج العرض للتنقل بين مكان وآخر معتمدًا على أكثر من لون لتأكيد مدى التخبط والتردد الذى يعيشه هاملت، وأجواء التناحر النافذة فى كل التفاصيل، بينما يبقى العنصر الأضعف فى العمل هو الديكور، الذى بدا من اللحظات الأولى جامدًا وبعيدًا عن الروح التهكمية التى تسيطر على باقى المفردات، وظهرت الديكورات وكأنها مجرد تيمات تعكس ثقافة الجنوب، لتؤكد -دون الحاجة- أن العمل برمته يدور فى صعيد مصر.
من أكثر مشاهد العرض حبكة وقوة كان مشهد هاملت الشهير وهو يصارع تردده وحيرته بعد معرفته بحقيقة قاتل والده، إذ انشطر البطل ليقف أمام مرآة على الطرف الثانى منها آخر، يحمل نفس الاسم ونفس الهيئة، غير أنه ملىء بالحماس والقوة للأخذ بالثأر، بينما هو يعانى الموات والاستسلام والضعف. وللمفارقة وعلى غير المتوقع ينتصر هاملت الضعيف فى النهاية ويأخذ بثأر والده، بعد ضغط كبير من هاملت القوى، ليأتى الحل والخلاص على يد المتردد فى إشارة إلى أن «الزن على الودان له مفعول أكبر من السحر» كما يقال دومًا، وهى أيضًا «تفصيلة» مهمة وحاضرة بقوة فى قضايا الأخذ بالثأر المنتشرة بالصعيد.
فى «السيرة الهلامية» هناك الكثير من التقاطعات، والإشكاليات، والإسقاطات التى تدور فى فلك البطل الباحث عن إجابات مُقنعة حول الذات والفعل والحياة وقيمة وفائدة الأخذ بالثأر، وكذا التردد والاستسلام فى مواجهة عظائم الأمور، وذلك عبر بيئة مصرية حتى النخاع، فهنا الشومة بديل للسيف، والأراجوز بديل لفرقة التمثيل التى قدمت عرضًا وهميًّا فى القصر لفضح الملك أمام هاملت. كذلك الغناء والاستعراضات والأشعار العامية التى تناغمت بشكل كبير، وأوصلت الرسالة إلى جمهورها من أقرب الطرق وأسهلها دون تكلف أو فذلكة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات