.

بطولات الشهداء ترسِّخ قيمًا ومعانى نطمئن بها على المستقبل

Foto

كيف تجسِّد روايات شهداء الجيش والشرطة المعدن الحقيقى للشعب المصرى؟ هل يمكن أن يتسبب الاختلاف السياسى فى إنكار بطولات حقيقية للشهداء؟


الاحتفال الذى نظمته القوات المسلحة، الأسبوع الماضى فى دورتها التثقيفية رقم 27، بيوم الشهيد، الذى شهد تكريمًا لعدد من أسر شهداء الجيش والشرطة، وإحياء ذكرى بطولات بعضهم، تعيد الكشف عن حقيقة واضحة وناصعة حتى إن أصابتها التباسات فى بعض الأحيان، حول بسالة التضحيات وروعة البطولات التى يقدمها شهداء دفاعًا عن أرض الوطن وأمنه وسلامته فى مواجهة الإرهاب الأسود.

ورغم أن هذه الحقيقة لا تحتاج إلى احتفالات تذكرنا بها ولا تكريم يؤكدها لنا ولا روايات نسمعها من أم أو زوجة أو أبناء شهيد لنعرفها، فإنها الذكرى التى تنفع المؤمنين الذين يعرفون قطعًا أن هناك بطولات حقيقية تجسد معنى الانتماء لدرجة الفداء والإيمان بالدور الحقيقى للجيش والشرطة فى الدفاع عن الوطن بمعناه المجرد والشعب بمعناه الشامل، وهى معانٍ تكاد تتوه أحيانًا فى زحام الخلاف السياسى والنقد للتجاوزات والاختلاف مع الإجراءات والسياسات القائمة، لكنها تعود لتؤكد حضورها وتثبت نُبلها وتتجسَّد فى قصص وحكايات بالغة الإنسانية تذكرنا أن هؤلاء الشهداء هم فى الغالب الأعم أبناء طبقات وسطى وفقيرة، قدموا أرواحهم ودماءهم فداءً لما آمنوا به من دورهم فى الدفاع عن أرض مصر وحماية شعبها، ليعيدوا وضع وتركيز الصورة الصحيحة الواجبة عن مؤسسات دورها أن تحمى وتصون.
حكاية الشهيد شريف محمد عمر التى رواها قائد كتيبته قبل أن يلقى بنفسه فى أحضان والدة الشهيد، وقصة الشهيد محمد سمير إدريس التى ألقتها والدته أميمة محمود، وبطولة الشهيد أحمد محمود شعبان التى أطلعتنا على جانب منها زوجته رشا إسماعيل، ونقلتها لنا بدموعها البريئة طفلته حبيبة، وبسالة الشهيد أحمد خالد زهران التى عرفناها على لسان والدته نورا محمد كامل، كلها جزء من حكايات تستحق أن تروى لبطولات أبناء هذا الوطن، لترسخ الاعتزاز بقيمة الانتماء له والتضحية فى سبيله، ولتجدد صورة الجيش والشرطة التى شوهها البعض ولوثها البعض وأقحمها البعض فى ما لا ينبغى، هى حكايات بطولة لم تنقطع طوال مسيرة هذا الوطن على مدى مئات وآلاف السنين، لكن استمرارها وتجددها يؤكد بوضوح أن هذا البلد لا يزال ولادًا وقادرًا على تقديم المزيد من قصص البطولة والتضحية والفداء حتى فى أحلك الأوقات وأصعبها، ولا يزال أبناؤه قادرين على تجسيد روايات أسطورية فى بسالتها شديدة البساطة والعمق فى إنسانيتها.
الالتفات إلى هذه المعانى والاطمئنان بها ولها ربما يبدو واجبًا الآن أكثر من أى وقت مضى، فى ظل كثير من الالتباسات القائمة، وبسبب كثير من الأخطاء المستمرة، والتى جعلت البعض بخطيئة يساوى أحيانًا بين طرفَى المعركة القائمة على أرض مصر وكأنهما سواء، أو دفعت البعض الآخر للتردد أحيانًا فى التحية الواجبة لتضحيات وبسالة ضباط وجنود يقدمون أرواحهم فى بطولات متكررة ومتوالية، أو حتى يتساءل ما إذا كان واجبًا أن يدعم عمليات تطهير سيناء من الإرهاب والعناصر المتطرفة خوفًا من أن يشمل ذلك قبولًا ضمنيًّا بتجاوزات أو ظلم يزيد من معاناة أهالى سيناء.
هذه الخطايا فى حقيقتها لا تقل عن خطايا مقابلة بتوريط الجيش أو الشرطة فى ما لا يجب لهم أن يكونوا طرفًا فيه، أو أن يحولوا دور الداخلية إلى أجهزة أمنية تلاحق المعارضين أو تمارس انتهاكات غير مقبولة، أو أن يشوهوا ويختزلوا صورة مؤسسات الدولة بمعناها الشامل والوطن بمعناه المجرد إلى دعم سلطة أو رئيس أو حكومة، أو المزج الخطأ والخلط الخطر بين مواجهة الإرهاب والجريمة، والتعامل مع المعارضة والاختلاف. ورغم أن كل هذه أخطاء ترتقى إلى درجة الخطايا، فإنها أبدًا لا تنفى ولا تنكر حقيقة بسالة وعظمة ونُبل تضحيات هؤلاء الشهداء الذين عرفنا البعض منها ولا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه.
هؤلاء هم أبناء الشعب المصرى نفسه الذى يضحى فى كل المجالات، فى مواجهة غلاء المعيشة وآثار السياسات الاقتصادية، وفى مواجهة مصاعب الحياة اليومية تعليمًا وصحة وسكنًا ونقلًا وغيره، وفى الشعور بالقلق من الظلم والخوف على مستقبل البلد، وهم أنفسهم أيضًا الذين يقدمون أبناءهم للتضحية بأرواحهم ودمائهم ويفتخرون بهم ويحملون قصصهم تيجانًا على رؤوسهم.
احتفالية القوات المسلحة بيوم الشهيد، وبغض النظر عن الانتقادات الواجبة للأخطاء فى السياسات والتوجهات والممارسات، وبعيدًا عن الخلاف السياسى الذى سيظل قائمًا دون شك، إلا أنها تبدو مناسبة للاحتفاء بمعانى غيَّبتها ارتباكات والتباسات، حتى إن كنا نتفهم مبرراتها فإنها لا محل لها، ورغم أن التفرقة بين شهداء الواجب فى الجيش والشرطة وغيرهم من شهداء الواجب المدنيين سواء فى عمليات إرهابية أو فى أثناء ثورة يناير وما بعدها، لا يزال يثير الكثير من الحيرة حول عدم الاحتفاء الواجب بهؤلاء أيضًا الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن حلم وأمل بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، والتقاعس عن استرداد حقهم لا بمعنى المحاسبة والمساءلة فقط لمَن أجرموا فى حقهم، ولا بمعنى فتح الباب للمستقبل بإصدار تشريعات ملزمة دستوريًّا للعدالة الانتقالية، وإنما كذلك بتحقيق حلمهم فى قطع خطوات جادة على طريق بناء هذه الدولة المدنية الديمقراطية التى لا تزال تفصلنا عنها مسافات طويلة ترتد بنا إلى الخلف.
هذه البطولات لشهداء الجيش والشرطة تستحق منا أن نفخر بها، ونسترد بها قيم ومعانى أصيلة ونبيلة ظلت حاضرة فى تاريخ هذا الشعب، ونطمئن بها رغم كل ظلمات الواقع ورغم أى تجاوزات أو سياسات تستحق النقد والخلاف، إلى أن المعدن الأصيل والنبيل لهذا الشعب لا يزال قادرًا على نقل جيناته إلى أجياله الجديدة، بمختلف طبقاتها وانتماءاتها ومواقفها، ولا يزال قادرًا على تقديم بطولات جديدة يسجلها التاريخ فى معنى الدفاع عن الوطن والاستشهاد من أجله وحماية أرضه ومواجهة أعدائه الحقيقيين، دون التباسات تشوش أو اختلافات تخلط، ودون تناقضات مفتعلة بين الاحتفاء ببطولات الشهداء والاختلاف مع السياسات التى تعود بنا إلى الوراء وتشوّه حتى معانى تلك التضحيات النبيلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات