.

من أين جاء «الشق» بين سُنة وشيعة؟

Foto

من أين جاء هذا الشرخ ما بين السنة والشيعة، الذى صار دمويًّا، ويكاد أن يقضى على الإسلام نفسه؟


برنابى روجرسون، مؤرخ وأنثروبولوجى، له باع طويل مع التراث الإسلامى، جعل منه واحدًا ممن يعتد كثيرًا برؤاه، خصوصًا أنه قد طاف وتعمَّق فى كل ما ترجم من كتب التراث الإسلامى إلى اللغات الأوروبية، بل إنه أمضى جل عمره فى الغوص فى هذه المتون.

هذا المؤرخ لا يجد أى فوارق دينية ما بين السنة والشيعة، يقول بوضوح: «عندما نتفحّص الممارسات أو العبادات الدينية للمسلمين السنة والمسلمين الشيعة، نجد أن الفروق ضئيلة لا تكاد تُذكر، فالشيعة يعترفون بالقرآن نفسه (النص عند كليهما واحد) وهم يصلون الصلوات الخمس اليومية، ويتبعون تقويمًا واحدًا ويلتزمون فى صومهم بالالتزامات نفسها، وكلاهما يحج ملتزمًا بنفس الشعائر».


فمن أين جاءت تلك الحروب؟


أو من أين جاء هذا الشرخ ما بين السنة والشيعة، الذى صار دمويًّا، ويكاد أن يقضى على الإسلام نفسه؟


السؤال هو سؤال اللحظة، وهو كذلك سؤال التاريخ الممتد، وإن لم يصغه هذا الأنثروبولوجى وحده، لكنه أيضًا السؤال الذى لا يحاول أحد من أصحاب الإرث مواجهته مباشرة، وعلى ذكر «الإرث» نقول إن العالم والمؤرخ الأنثروبولوجى، برنابى روجسون، قد خصّ البحث عن إجابة لهذا السؤال بعمل مستقل أطلق عليه «ورثة محمد»، وأردف مضيفًا للعنوان الرئيسى، جذور الخلاف السنى الشيعى.

شُغل الباحث أولاً بتأمُّل ما قد يفصل السنة والشيعة من فروق دينية أو فروق فى العبادات، واكتشف أنه حتى لو وجدت هذه الفروق فهى من الوهن، بحيث لا يمكن أن تصنع ما نراه من شقاق، تحوّل إلى تناحر ومن تناحر صار اقتتالاً.

وتعجب الأنثروبولوجى من أنه حتى الفروق الطفيفة جدًّا سرعان ما تجد لها مثيلاً عند الطرف الآخر. وعلى سبيل المثال إذا كان الشيعة يوقرون «آل البيت»، ويزورون مراقدهم ويطوفون بها، فإن الأمر نفسه موجود فى كل البلاد الإسلامية السنية التى لا تعتنق المذهب الشيعى رسميًّا. وهنا لا يحتاج الأمر كثيرًا من العناء لو فتحنا قوسًا بعيدًا عن المؤلف وأشرنا إلى وضعية المصريين «السنة» وعلاقتهم بآل البيت، الموزعة أفئدتهم ما بين ضريح سيدنا الحسين والسيدة نفيسة والسيدة زينب، وغيرهم من الكرام.

إذن لا فروق دينية بين المذهبين، أو هى بتعبير الباحث «تكاد أن تكون منعدمة»، وباختصار يرى المؤلف أن التراثَين، السنى والشيعى، يمثلان عقيدة واحدة أو دينًا واحدًا، أو بتعبيره «قطعة قماش واحدة، فمن الذى شقّها؟».


واعتبر باحثنا أن هدفه وغايته أن يعود إلى الأصل الواحد، أو أن يرتق الجزءين ليعود بهما إلى الأصل، لأن الفصل ما بين الاثنين «وهمى»، وهذه المحصلة التى توصل إليها ليس روجرسون وحده، لكنْ عديد من الباحثين، إذن علينا البحث عن أسباب أخرى كامنة، أسباب غير دينية أو أسباب لها مرجعيات لا تتعلق بالعقيدة بقدر ما أوجدتها عوامل محيطة أو ظروف غير دينية، ألبست، أو أقحم عليها الدين.


مترجم هذا العمل الجياش والمتعمق فى آنٍ واحد، دكتور عبد الرحمن عبد الله الشيخ، كان يورد أحيانًا الجمل الأصلية للباحث الأنثروبولوجى إلى جانب الترجمة، لخصوصية وحيوية الصياغة، وكذلك تفرُّدها.

سعى باحثنا إذن إلى الجذور السياسية والاجتماعية، بعدما نفى تمامًا أى أصول للخلافات الدينية.


تأمل الظروف والوقائع فى أثناء وبعد وفاة النبى، صلى الله عليه وسلم، فهى الطريق للوصول إلى ملابسات «الشق». بسط الباحث أمامه كتب السيرة النبوية والطبقات الكبرى لابن سعد وتاريخ الطبرى، وكل المتون المرجعية فى هذا السياق، وخلصها من كل ما هو غير اجتماعى وغير اقتصادى وغير سياسى، ليخلص إلى أن جذور الخلاف السنى الشيعى ليست بأى حال من الأحوال تنتمى إلى الدين، والدليل أن معظم جذور الشيعة تعود إلى «المدينة المنورة»، كما تدل عليهم أسماؤهم، وكما تعود إلى أصول شرق الجزيرة العربية، والذين لم يأخذوا نصيبًا وافيًا من الريع، لأنهم ليسوا من أهل قريش، أو من الشعوب الزراعية التى إن لم تكن من الشيعة رسميًّا إلا أن حبّهم لآل البيت طاغٍ، بسبب ارتباط تراث «علِى» بالعمل، وتلك زاوية، يطرح التساؤل حول ارتباط الشيعة بمفهوم الكد والعمل، الذى هو فى نفس الوقت مما ارتبط به سيدنا علِى بن أبى طالب. كان سيدنا علِى المسلم المكى الوحيد الذى مارس الزراعة والعمل الزراعى فى المدينة، وظل طوال الوقت مدافعًا عن أهل المدينة الذين تعرّضوا بعد وفاة النبى للتجاهل والإهمال، وارتبط سيدنا علِى بميراث العمل والكد، وما زال الشيعة يرون فى أنفسهم أنهم شعب علِى الذى عليه أن يكدّ ويعانى، بينما ومن ناحية أخرى كان أهل مكة تجارًا بشكل عام، وكانت البيئة الفقيرة من حيث الموارد الزراعية والجافة طاردة، وعلى ذلك كان خروج القرشيين وانتشارهم أينما وجد بصيص من التجارة، من موانى الحبشة إلى اليمن، وقلاع الشام، وبلاط فارس والعراق.

انتشروا واحتفظوا بشبكة علاقات مع الصحراء ومشايخ الحصر وكانوا أيضًا حراسًا على الحدود.

هذه الأوضاع جعلت من القرشيين خبراء فى التحالف وفى تشغيل غيرهم لحسابهم، ومن ثَمَّ فى التحكم فى مفاتيح الانقسام أو الاتحاد بين عناصر القبائل الأخرى.


هذا الكلام عن طبيعة قريش سوف تأتى أهميته بالذات بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعند الكلام عن اختلاف طبيعة أهل المدينة الذين لم يكونوا ينظرون خارج إطار مجتمعهم الزراعى. كانت ميزة أهل مكة الكبرى هى البراعة فى القيادة السياسية، فهم قد تتنافس عشائرهم داخليًّا، لكنهم يقدّمون أنفسهم ككيان موحد للخارج، ولم يكن أهل المدينة كذلك. لم يتمكَّن أهل المدينة من التظاهر أن لهم سياسة واحدة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات