.

هذا ما يعنيه أن تعيش فى القاهرة

Foto


كثيرون لا يعرفون أن فيلم «نص ساعة جواز» الذى تم إنتاجه عام 1969 من بطولة رشدى أباظة وشادية وإخراج فطين عبد الوهاب، هو بالأساس مقتبس عن مسرحية فرنسية بعنوان «زهرة الصبار» لبيير باربيه، لكن سبق اقتباسها فى فيلم تقديمها على خشبة المسرح فى مسرحية تحمل نفس الاسم «زهرة الصبار» من بطولة سناء جميل وصلاح السعدنى، وكتب حوارها الأديب الراحل يوسف إدريس، ثم تكررت الاقتباسات للمسرحية الفرنسية، لعل آخرها فى الفيلم الأمريكى الذى تم إنتاجه فى عام 2011 من بطولة آدم سندلر وجينيفر أنيستون، ويحمل اسم «Just Go with It».

وتدور قصته حول جراح التجميل «آدم ساندلر» الذى يطلب من مساعدته فى العيادة «جينيفر أنيستون» أن تمثّل دور زوجته فى عطلة نهاية الأسبوع التى سيقضيها فى هاواى، وذلك من أجل التستر على كذبة قالها لصديقته.
تلك المقدمة الطويلة حول الأعمال السينمائية والمسرحية التى تم اقتباسها من المسرحية الفرنسية «زهرة الصبار» لا تعنى وجود أى تشابه بينها وبين الفيلم شديد المصرية الذى يعرض حاليًّا للمخرجة هالة القوصى، ويحمل نفس الاسم.
الفيلم تدور قصته حول «عايدة» التى قامت بدورها ممثلة شابة اسمها سلمى سامى، حيث تعيش فى غرفة أعلى سطح أحد العقارات بعد أن قدمت إلى القاهرة، فى محاولة للبحث عن حلمها كممثلة ناشئة، تحلم بدور ينقلها إلى عالم النجومية، تجاورها فى السكن «سميحة»، تلك المرأة البرجوازية التى جارت عليها الحياة، والتى أدَّت دورها باقتدار الفنانة منحة البطراوى، وبين الماضى بجماله والحاضر بكل ما به من تشويش تنشأ صداقة بين السيدتَين، تتوطَّد بعد قرار صاحبة العمارة طردهما إلى الشارع، لتصبحا بلا مأوى، ولتبدآ سويًّا فى رحلة البحث عن الأمان المفقود، والتى يرافقهما فيها الجار الشاب (ياسين) الذى أدَّى دوره مروان العزب، ليمثل لهما الأمل فى التصالح مع واقع أليم.
يمر الرفقاء الثلاثة فى رحلتهم بمجموعة من المحطات حتى تصل عايدة إلى العيش مع والدتها التى هجرتها وهى صغيرة، وتصل سميحة للعيش مع أختها التى هجرتها لسنوات طوال، لكن طريقة سرد محطات تلك الرحلة خلت من التقليدية المعتادة، والتى كان من شأنها أن تضع الفيلم فى تصنيف الأفلام الاجتماعية المألوفة، فالفيلم بالأساس يهدف من خلال تلك القصة البسيطة إلى تسليط الضوء على ما حدث للقاهرة من تحولات، حيث كانت تنعم فى الماضى بالرقى والجمال، كما سميحة فى صباها، بينما تعانى الآن حالة من التخبط والعشوائية، وهى ما تشعر به عايدة دومًا، لكن الأمل يظل دائمًا فى الغد الذى يمثله مروان، ذلك الشاب الذى تمكن فى نهاية الفيلم من إنشاء إذاعة شعبية، تسمح للجميع بأن يتكلم من خلالها.
خلال أحداث الفيلم نشاهد عايدة تهتم بنبتة زهرة الصبار التى زرعتها فى شرفة منزلها، حيث أبت أن تتركها وقت الرحيل، وظلت تحافظ عليها حتى أخذها منها ياسين، وزرعها فى أحد الأماكن، خصوصًا أن نبتة الصبار قادرة على التشبث بالحياة، حتى لو لم تتم سقايتها، أو رعايتها، كما سكان القاهرة الذين يتشبثون بالحياة مهما كانت جافة وصعبة، لكن ما يحمله الاسم من رمزية هو جزء بسيط من خط موازٍ، اعتمدته المخرجة طوال فيلمها، فى محاولة منها لمزج الخيال بالواقع، فى شكل لوحات مسرحية أكثر منها سينمائية، تقدِّم سردًا بصريًّا غير تقليدى يغلفه شريط صوت باهر يسهم فى تدعيم تلك الحالة التى قصدتها المخرجة، من أجل فهم الإسقاطات السياسية والاجتماعية الموجودة فى غالبية المشاهد، وفى خلفياتها الموسيقية أيضًا، والتى تضمنت موال «أشكى لمين الهوا» لمحمد عبد الوهاب، الذى يقول فيه «اضحك لهم والبكا غالب على حالى»، بالإضافة إلى غناء باسم صديق عايدة لرائعة أحمد فؤاد نجم «كلمتين يا مصر يمكن هما آخر كلمتين حد ضامن يمشى آمن أو مآمن يمشى فين».
بقى الحديث عن صورة باهرة ولقطات غاية فى الإبداع قدمها مدير التصوير عبد السلام موسى مصور مسلسلَى «موجة حارة» و«أفراح القبة»، وفيلم «باشترى راجل» الذى استطاع أن يقدم تفسيرًا بصريًّا جميلًا للسيناريو المكتوب، ليدفعنا لأن نتساءل: هل تبتسم الحياة لعايدة ورفاقها؟ وهل ستعود القاهرة بهية كما كانت؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات