.

أمتار آمنة «من الظل» فى عالم واسع مخيف

Foto

لماذا احتجب دميان لوبو عن العالم وقبع فى خزانة خشبية ضيقة؟ هل الصوفية طوق نجاة للإنسانية؟


تتعدى رواية «من الظل» للإسبانى خوان خوسيه مياس، حدود ما يمكن تسميته «الفانتازيا الممكنة» بقدرتها على الإدهاش، إلى أفكار أعمق. لكن الجميل أن العمل الصادر حديثًا عن «منشورات المتوسط»، بترجمة أحمد عبد اللطيف، يعبّر عن هذه الأفكار بنعومة ومهارة لا تفارقان المتعة.

لدينا خيطان للأحداث، أو واحد أساسى وآخر هامشى، وكلاهما يبدو غير منطقى للوهلة الأولى، لكن الدهشة تكمن فى أن حدوثهما وارد.
دميان لوبو، البطل، شخص عادى للغاية من هؤلاء الذين «تترك فيهم النجاحات الكبيرة شعورًا بالاكتئاب». رجل مُنطوٍ ومنعزل اجتماعيًّا، حتى إنه يختار من الأسماك «الحنكليس» ليشبّه نفسه بها: «القرش لا تعبر عنى، ينقصنى عدوانيتها. أنا، فى النهاية، مجرد شخص ملىء بالوساوس. ولا تعبّر عنى السردين. لا أعرف، ربما أشبه الحنكليس»، لماذا؟ «لأنها ليست من القطيع، وتتكيف مع الطبيعة».
كان دميان، حتى وقت قريب، خبير صيانة فى إحدى الشركات، لكنه خرج على المعاش مبكرًا: «لا مهارتى اليدوية ولا قدراتى التقنية لهما فائدة فى عالمٍ اختار أن يرمى الأشياء التى تتلف بدلًا من إصلاحها».
يتورط دميان فى حادث عابر وغريب، إذ يختبئ فى خزانة ملابس قديمة فى معرض للأنتيكات هربًا من موظفى الأمن الذين يطاردونه لأنه سرق دبوس جاكيت بلا سبب منطقى. ورغم أنه كان بإمكانه الخروج من الخزانة لاحقًا، فإنه يواصل التجربة الغريبة حتى يصل إلى منزل سيدة اشترت الخزانة التى كانت من محتويات منزل أجدادها وقتَ أن كانت طفلة.
ثمة خيط آخر يسبق كل هذا، يصنعه هنا دميان فى عقله الباطن، إذ يتخيل أنه يدير حوارات مع أشخاص افتراضيين، وتحديدًا صحفيين وإعلاميين يستضيفونه فى برامج افتراضية ليحكى قصة حياته.
يستدعى دميان ما يتخيل أنه المذيع إلى رأسه وقتما شاء، ويطرده أيضًا وقتما شاء، وفى ما يبدو فإن كل هذا من بنات أفكار شخص منعزل، شبه منبوذ، ليخلق لنفسه هوية بديلة واهتمامًا ناقصًا.
من داخل الخزانة، يراقب دميان تفاصيل حياة «لوثيا» وزوجها وابنتها. إنها عائلة صغيرة تعيش حياة رتيبة بلا حب: «كان يسرى بينهم نوع من اتفاق ضمنى بالتعايش، كأنهم بدلًا من كونهم فى بيت واحد، وجدوا أنفسهم بالصدفة فى صالة انتظار بمحطة قطار»، وكتوصيف ذكى للمنزل، تقول عشيقة الزوج بعد أن انتهيا من جرعة جنس مرة، على سرير الزوجة الغائبة عند أمها، إن رائحة البيت «مثل لبن حامض».
نعود إلى تخيلات دميان وحواراته الافتراضية، والتى تمر بتغيرات دالّة وطريفة، فالموظف السابق يصنع من نفسه ضيفًا على برنامج فضائحى لمذيع «أصفر» اسمه سرخيو أوكان، ولما يسأم التجربة لأن «القذارة عادةً ما تربح، خاصةً لو أدرناها كما ينبغى»، يستدعى خيال إعلامى إسبانى شهير معروف بمهَنيته واحترامه لنفسه ولجمهوره، اسمه إنياكى جابيلوندو، قبل أن يفتقد الجوانب المثيرة فى تجربة أوكان، فيصنع من الاثنين هجينًا يسميه «إنياكى أوكان».
فى هذه الحوارات نلمس الفارق بين نوعين من الإعلام، لأن سرخيو أوكان كان يضغط على دميان ليحكى تفاصيل علاقته الجنسية مع شقيقته الآسيوية التى تبناها والداه قبل أن يولَد، بينما يثير جابيلوندو أفكارًا مثل انسحاق هوية الفرد فى المجتمع تحت وطأة السياسات الاقتصادية العالمية.
وعمومًا يصبح العالم بالنسبة لدميان مكانَين، فقط الأول حقيقى محجوب هو الخزانة، والثانى افتراضى هو بلاتوه البرامج التى يتخيل نفسه ضيفًا فيها، وفى الخزانة تحديدًا كان دميان «أكثر حرية من أى وقت مضى، كأنها مركز الكون».
بعد أن يغادر أفراد العائلة المنزل فى الصباح، يخرج دميان من «عالَمه» الواسع/ الضيق، ينظف المنزل ويتعرف على أفراد العائلة من أشيائهم، ويملأ فراغات نفسه، ويقتنص السلام النفسى البعيد. إنه يشعر بالطمأنينة -مثلًا- لمجرد أنه نظف فنجانًا للقهوة فى مطبخ البيت: «كان الفنجان فى سلام، وكان يعدينى بهذا السلام الذى لا يسع أى خوف».
بجانب ذلك ينجذب ساكن الخزانة عاطفيًّا إلى «لوثيا» التى تُطعن فى ظهرها من زوجها بخيانة مع عاملة تعمل فى محل ألعاب يمتلكه، بينما الابنة تمر بفترة مقلقة تتأخر فيها دورتها الشهرية، وينكشف وقتها عجز الأبوين عن التواصل مع ابنتهما، فيكون الخداع هو الحل للطرفين.
تحلو التجربة لدميان كشىء غير مرئى مع ثلاثة أشخاص، ويتجاهل أى محاولة لمعرفة موقع المنزل «حتى لا يفقد السحر». بعد فترة، يدخل عالمًا افتراضيًّا آخر، لكنه من صنع آخرين هنا، إذ يشترك فى منتديات الموتى والأطياف على الإنترنت، ويسمى نفسه «القائد الشبح»، يفعل هذا من جهاز الكمبيوتر الخاص بالابنة.
بالمصادفة تتعرف عليه «لوثيا» المشتركة فى هذه المنتديات، والتى تعتقد فى مسألة الأشباح كثيرًا، فتعترف له أنها لاحظت تصرفاته كـ«شبح» فى المنزل. بدَت المرأة أقرب إليه إذن، بعد أن كانت بعيدة مع أن أمتارًا قليلة تفصلها فى الغرفة ليلًا، كان -مثلًا- لا يلمس ملابسها الداخلية إلا لغرض الغسيل والكى «محافظًا على حرمة هذه القطع بمسافة عاطفية، تشبه المسافة نفسها التى يحافظ عليها مع العالم».
يقرر دميان البقاء أكثر فى التجربة، فى الخزانة ليلًا، وفى أرجاء المنزل وعلى منتديات الأشباح نهارًا فى أثناء خروج الأسرة، يقول: «مصيرى ليس إلا تسهيل حياة هؤلاء الأشخاص». وفى المساء عندما يدخل الخزانة، كان يفكر فى لوثيا ويتخيل أنه يعانقها، وينام.
نفسيًّا، ما ساعده على هذه المغامرة الغريبة يعتقد دميان أنه أقرب لكونه فكرة من كونه شخصًا من لحم وعظم. وُلد «طفلا معتمًا وعابسًا» لأبوين تبنيا طفلة آسيوية لما تأخرت ولادته؛ لذلك «استقبلانى كأنى أنا الطفل المتبنَّى».
كبُر بشخصية غير متحققة إذن، لذلك فإنه عندما يستدعى فى حواراته الافتراضية المذيع المهنى إنياكى جابيلوندو، يقول له الأخير: «تلقينا مكالمات كثيرة مهتمة بك، وبأسباب إقصائك الاجتماعى، لكنها مهتمة كذلك بهذا النوع من فقدان الشخصية، كنتيجة طبيعية للرأسمالية». هذه ملحوظة لا تخرج من برنامج المذيع الأول الأصفر بالطبع، لكن دميان، الرجل العادى، لا يهتم كثيرًا بهذه التحليلات، لكن المذيع يلح عليه: «الشخص فاقد الشخصية غير مدرك بتحوله لآخر، من هنا يأتى نجاح هذه الأنظمة السياسية والاقتصادية، فدعمها الحقيقى يأتى بالتحديد من ضحاياها»، لكن مياس يقول لنا كل هذا فى جملة واحدة مكثفة ودالة فى البداية عندما يشير إلى أن اللاصق الذى استخدمه العمال لإحكام غلق الخزانة على دميان قبل نقلها إلى المنزل كان «أمريكيًّا».
فى المقابل، كانت هناك أفكار أعمق من نوع آخر بدأت تطفو على سطح ذهن دميان: «فكر بابتسامة أنه استحال نوعًا من العنكبوت الذى يسيطر على حركات الكون، محميًّا بخيوطه، ومن مكان لا يلتفت إليه أحد».
هنا يتجلى الملمح الصوفى فى حكاية دميان، إنه بدأ يعتقد فى فكرة السيطرة من وراء حُجب: «ربما يكون الرب أشهر من فى الكون دون أن يراه أحد، باستثناء بعض المختلين. هذه كانت السلطة، القدرة على التحكم من الظل».
تتعاظم قدرات حواسه لتعوضه عن احتجابه فى الخزانة: «هذه الطاقة حركت فيه الثقة ونوعًا من النشوة الرائقة، منحتاه مكانًا فى العالم، كان حتى اللحظة يفتقده». الخزانة -إذن- أصبحت الكون الحقيقى لرجل من الملايين الذين ينحيهم المجتمع فى حركته المجنونة جانبًا، ويتقدم مستكملًا مسيرته على جثث قلوبهم وأرواحهم. أصبحت حاسة السمع عند لوبو مثل الرؤية، نجد مياس يلخص هذا المعنى مرة فيقول: «رأى بسمعه».
ولأنه كرَّس نفسه لخدمة الآخرين، وخصوصًا «لوثيا»، فإن دميان يدبر حادثة قتل استباقية لزوجها قبل أن يقتلها هو بالاتفاق مع عشيقته، وفى الليلة التى نفذ فيها خطته المُحكَمة، وبعد أن جاءت الشرطة وأخذت الجثة «دخل عبر الباب السرى إلى عرينه. اضطجع فى وضع الجنين، وتخيل أنه لم يولد بعد، وأنه الآن داخل رحم وأنه برأسه للأسفل».
لحظة المولد الحقيقى جاءت، هو الآن فى الغرفة مع «لوثيا» فقط، بلا «زوج» شكلى خائن، وبدفعة شوق هائلة لها خرج من الخزانة إلى السرير و«عانقها من ظهرها، ممتزجًا بها امتزاج اللحن بالكلمات، كانت أسمن مما تخيل، وكانت أكثر رقة أيضًا».
تنتهى الرواية بعد هذا الامتزاج الروحى الآمن، الذى كان يفتقده الاثنان، لكن ثمة صوتًا داخليًّا -حقيقيًّا فى ما يبدو هذه المرة- يقول لدميان: «لقد وصلت». حلّ الأمان ليزيح الخوف الذى كان يغلف شخصية لوبو بعيدًا، وبدا العالم أكثر رحابة، لا لشىء إلا لأنه «ما من حرية أكبر من غيابه، غياب الخوف».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات