.

The Theory of Everything.. حياة ستيفن هوكينج كما رسمتها السينما

Foto

كيف تحولت محنة وحياة عالم الفيزياء إلى فيلم رومانسى مؤثر؟ كيف كان الفيلم عملًا بديعًا عن شخصية استثنائية؟


تظل حكايات وقصص المشاهير سطورًا مهجورة فى كتب يقرؤها البعض، حتى تأتى السينما وتضخ الدماء فى شرايين الحروف والكلمات، وتُحولها إلى شخصيات من صوت وصورة لمدة ساعتين، على شريط سينما يحاكى الحياة، وترسم بالصوت والصورة لقطات مؤثرة من حياة أشخاص لم نعرفهم، وتنقل حياتهم بحُلوها ومُرّها على شاشة السينما البيضاء، وتتحول الحكاية المطبوعة إلى واقع مُوازٍ يُصدقه المتفرج حتى وهو يعلم أن السينما حياة مصنوعة تحاول التنكر فى هيئة ما حدث وما كان.

رغم تقديم الدراما المصرية العديد من أفلام ومسلسلات سيَر المشاهير، فإنها لم تخرج عن سيَر بعض الفنانين والساسة وشخصيات تاريخية، فى حين لم تحظَ سيرة عالِم بنفس الاهتمام؛ ربما لأن كُتاب سيناريوهات دراما السيَر الشخصية لا يخرجون عن إطار سرد حكايات تقليدية عن شخصيات شهيرة، بدلًا من البحث عن القصص الملهمة فى سير المشاهير، وهُنا سيكتشفون حكايات جميلة، تتجاوز فكرة الشهرة.
قبل أربع سنوات وقف الممثل الشاب إيدى ريدماين على خشبة مسرح كوداك الشهير، ليتلقى جائزة أوسكار أفضل ممثل، وذلك عن تجسيده شخصية عالِم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، فى فيلم The Theory of Everything «نظرية كل شىء»، وأهدى جائزته لكل المصابين بمرض التصلب الجانبى الضمورى «ALS»، وهو المرض المميت الذى أصاب هوكينج وعمره 21 عامًا، وأفقده تدريجيًّا القدرة على المشى والكلام والكتابة، وأخبره الأطباء أنه لن يعيش أكثر من عامين، فمن تداعيات مرضه فقدان القدرة على القيام بوظائف حيوية كالتنفس، ولكن هوكينج، الشاب العنيد، عاش حتى بلغ عمره 76 عامًا، وعاش 55 عامًا مع مرضه الخطير، وطوّر طريقة معقدة للتواصل والكتابة، وصفها أحد العلماء بأنها تشبه تأليف سيمفونية موسيقية لبيتهوفن.
أصبح هوكينج واحدًا من أهم العلماء المعاصرين، والفيلم المدهش يكشف كيف وصل إلى هذه المكانة رغم تعقيدات مرضه المزمن. وعنوان الفيلم هو عنوان واحد من أهم كتب هوكينج، وبلغت مبيعاته 10 ملايين نسخة، وهو رقم كبير للغاية بالنسبة لكتاب علمى.
الفيلم لم يكن فقط عن واحد من أهم علماء الفيزياء المعاصرين، بل عن شاب ذكى وطموح، طالب جامعى مُجد، مُحب للحياة ولزوجته «جين ويلدى»، التى رافقته خلال سنوات مرضه الأولى، ولم يكن هوكينج يتحدث عن عجزه؛ ولهذا كان مصدر مادة الفيلم هو مذكرات زوجته جين، التى أخلصت له حتى نشأت بينها وبين صديق العائلة، عازف الأورج هيلر جونز، علاقة عاطفية، ولكنها لم تترك زوجها، كذلك رفض جونز التفرقة بين أفراد العائلة المترابطة، فهوكينج كان أبًا لثلاثة أبناء، وجسدت فليستى جونز شخصية جين فى الفيلم.
مَن لم يقرأ أحد كتب هوكينج الشهيرة حول طبيعة الزمن والثقوب السوداء والانفجار العظيم، عليه مشاهدة هذا الفيلم الإنسانى الملهم، الذى وصفه هوكينج بالصدق، وفرَّت دمعة من عينه حينما شاهد مشهدًا يتناول علاقته بممرضته التى ساعدته كثيرًا فى سنوات مرضه الأولى، وقد أعار هوكينج مخرج الفيلم جيمس مارش، بعض متعلقاته الشخصية لمَنح العمل أصالة ومصداقية.
الفيلم عمل بديع عن شخصية استثنائية، دراما رومانسية عن الحب والحياة والإرادة والكون والألم ولحظات النجاح والإحباط، مُلخص سينمائى شاعرى عن علاقة الإنسان والقدَر، ومحاولة إبداعية للمس نجوم السماء التى شغلت ستيفن هوكينج الجالس على كرسيه المتحرك على الأرض.
الممثل الشاب إيدى ريدماين قدّم أفضل أدواره مُجسدًا شخصية شاب نحيل رقيق للغاية، عظَمته تتركز فى خلايا مخه، وهو العضو الذى ظل نشطًا ومتألقًا رغم مرضه. وأصعب مشاهد الفيلم كانت حينما تمكن المرض من هوكينج وأصبح عاجزًا عن الحركة ورد الفعل، واكتفى ريدماين بنظرات عينيه للتعبير عن حالته النفسية، وكلما زاد عجزه زاد عناده وإصراره على التفكير، وكان يقوم بأبحاثه وحساباتها المعقدة فى ذهنه بالكامل حينما أصبح غير قادر على تحريك يديه وجسده بالكامل.
لم يكن الفيلم ميلودراما حزينة عن محنة المرض، بل رصد درامى لعلاقة هوكينج الرومانسية بجين ويلدى، التى تعرَّف عليها قبل إصابته بوقت قصير، والفيلم أيضًا يصور قوة إرادة استثنائية لإنسان واجه العجز واحتمال الموت فى أى وقت، واستمر فى البحث واكتشاف نظريات غيّرت الكثير من فكرة البشر عن الفيزياء والكون. والمعروف عن هوكينج شخصيته المحبة للحياة والمزاح، ومشهور عنه قيادته كرسيه المتحرك بسرعة، وصداقته لعدد من النجوم، منهم جيم كارى.
بالإضافة إلى العديد من الأفلام الوثائقية التى تناولت حياة وأعمال هوكينج، جسد الممثل الإنجليزى بنديكيت كمبرباتش (شرلوك هولمز) شخصية هوكينج فى فيلم تليفزيونى من إنتاج «BBC» بعنوان «Hawking»، وكان ذلك عام 2004، والفيلم تناول مرحلة مبكرة من حياة هوكينج فى أثناء وجوده بجامعة كامبريدج بغرض الدراسات العليا.
قبل وفاته كتب هوكينج على الإنترنت سؤالًا بلا إجابة، وهو كيف سيتمكن البشر من الاستمرار لمئة عام أخرى فى ظل الفوضى السياسية والبيئية والاجتماعية؟ سؤال لم يبحث عن جواب، بل تحذير من هلاك متوقع للحضارة الحالية، وهو يشترك مع السينما فى هذا الهاجس الذى تعبّر عنه أفلام ومسلسلات الديستوبيا التى انتشرت خلال السنوات الأخيرة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات