.

تابلوهات من الكراهية ونبذ الآخرين.. لماذا لم ينتفض المسؤولون لـ«التحرش والأمية» قدر انتفاضهم للإلحاد؟

Foto

هل الإلحاد يعد مرضًا نفسيًّا؟ ما علاقة الإلحاد بالإرهاب؟ ألم يكفل الإسلام حرية الاعتقاد؟


يولد الشخص على متن هذا الكوكب وينشأ ضمن أسرة تحدد له دينه، ويظل الدين متوارثًا من جيل إلى آخر، ولكن إذا ظهر أى شخص مُفكر قرر رفض الدين الذى تحول إلى «تقليد إجبارى»، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتظهر سهام النقد والهجوم والاغتيال المعنوى.

نبذ المختلفين أصبح إحدى أبرز آفات العصر فى المجتمع المصرى، فكل مَن استغل حقه فى التفكير والاختلاف عن السائد أضحى مادةً خامًا للهجوم والنقد الجارح والسخرية والفذلكة، ليس هذا فقط، بل كثيرون يظنون أنهم يبنون بطولاتهم على حساب هؤلاء المختلفين، فإذا فتحت، عزيزى القارئ، موقع الفيديوهات «يوتيوب» وكتبت: «طرد ملحد على الهواء»، ستجد عشرات الفيديوهات لإعلاميين عبر قنوات مستحدثة، وتجد المشهد المتكرر.. يجلس الشخص الملحد فى مواجهة عالِم يرتدى الزى الأزهرى، بينما يجلس مقدم البرنامج فى المنتصف يرمق الملحد بنظرات هجومية حادة، ويحاول فتح ساحات للشيخ الأزهرى من أجل إفحامه ومهاجمته، حتى يصل النقاش إلى ذروته فينفعل مقدم البرنامج ويطرد الضيف المُلحد على الهواء، تحت شعار ضرورة حماية المجتمع من أمثال هؤلاء الذين يتجرؤون على الذات الإلهية، ويهددون أمن واستقرار المجتمع.
وفئة كبيرة من الإعلاميين تتحول فى مواجهة الملحدين إلى «أخصائيين اجتماعيين»، ويبدؤون التحدث عن دور الأسرة والأب والأم فى تربية هذا الابن العاق الذى ضلَّ الطريق وسلَّم نفسه للشيطان. وعلى سبيل المثال؛ أجرت الإعلامية ريهام السهلى مكالمة هاتفية مع والدة ضيفها المُلحد، وقالت لها على الهواء: «تحبى تقولى له إيه وهو دلوقتى بيفتخر بإلحاده؟»، ولم تكتفِ بذلك، بل فتحت الاتصالات للمواطنين وبعض الشخصيات العامة؛ حتى يصبح الضيف المُلحد وحيدًا أمام عاصفة من الهجوم والنقد الهدّام غير المدروس، إلى أن قرر الانسحاب من الحلقة، فسخرت منه الإعلامية التى لم توفر له مناخًا آمنًا محايدًا للتعبير عن رأيه، متهمةً إياه بـ«الهروب».
منذ أيام، تكررت نفس الواقعة على شاشة «الحدث اليوم» عندما استضاف الإعلامى محمود عبد الحليم، الشاب الملحد محمد هاشم، فى مواجهة الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الشريف الأسبق، وانتهت الحلقة عندما قرر الإعلامى أن الضيف «مريض نفسيًّا» وعليه التوجه إلى مستشفى الأمراض العقلية سريعًا، وطرده على الهواء مباشرة.
الشيخ الأزهرى أيضًا لم يناقش الشاب المُلحد فى أفكاره، بل شن هجومًا عليه عندما قال: «أنا لا أؤمن بوجود الله أو الأديان»، هنا ثار الشيخ غاضبًا وقال له: «إيه؟ بتقول إيه؟ إنت بتنكر أصلك؟ إنت فين أهلك أصلا؟ إنت مريض نفسى ولازم تتعالج».
لا أعلم حتى الآن ما السبب وراء اتهام الشخص المُلحد بالمرض النفسى؟ هل كل المختلفين مرضى نفسيون؟ وهل المرض النفسى أصبح وصمة عار الآن؟ وما مدى معلومية الشيخ الأزهرى أو الإعلامى المنفعل بالمرض النفسى حتى ينصحا الضيف باللجوء إلى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية؟!
مُقدم اللقاء وضيفه الأزهرى اشتركا فى تقديم تابلوه من الكراهية ونبذ الآخرين، كلاهما تسبب فى أذى لشخص لم يؤذِ أى شخص، ولم يقترف ذنبًا سوى أنه فكَّر وتمرد على المألوف -إذا اعتبرنا أن التفكير أضحى ذنبًا- وحاول التعبير عن رأيه.
ربما يكون الدين الإسلامى منتشرًا ومألوفًا فى مصر أو العالم العربى، ولكن الإسلام ليس هو المألوف فى دول أوروبا، فماذا عن المواطن الألمانى أو الفرنسى الذى قرر إشهار إسلامه؟ هل يصح اعتباره مريضًا نفسيًّا؟ هل يجب مهاجمته والتنكيل بأفكاره أمام كاميرات التليفزيون؟
ظاهرة استعراض القوى على المُلحدين أصبحت «فجة» وسيئة، وتحمل بين طياتها رغبة فى الظهور، فكثيرون يظنون أنهم يتقربون من الله، عزَّ وجلَّ، بمهاجمة الملحدين والسخرية من أفكارهم، ولكنهم فى الحقيقة يوفرون غطاء لكل مَن يريد مهاجمة الدين، بل يقدمون أيضًا دعاية سيئة عن الدين الإسلامى؛ لذلك يجب طرح العديد من الأسئلة، ودعونا نتشارك فى الإجابة عنها:
أولًا: هل الملحدون خطر على الدين الإسلامى؟
المُلحد هو شخص قرر عدم الاعتقاد أو الإيمان بوجود آلهة، وبغض النظر عن الحجج الإلحادية بين الفلسفية والاجتماعية والتاريخية، تجب الإشارة إلى قاعدة أساسية صريحة بالنسبة للحرية الدينية أو حرية الاعتقاد فى الإسلام، يقول الله تعالى: «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» «البقرة- 256»، فلم يأمر الرسول -والمسلمون مِن بَعده- أحدًا باعتناق الإسلام قسرًا، كما لم يُلجِئُوا الناس إلى التظاهر به هربًا من الموت أو العذاب، مثلما جعل الإسلام قضية الإيمان أو عدمه من الأمور المرتبطة بمشيئة الإنسان نفسه واقتناعه الداخلى؛ فقال سبحانه: «فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» «الكهف- 29».
إذن فالدين الإسلامى منذ نزول القرآن على النبى محمد، عليه الصلاة والسلام، وهو يكفل للآخرين حرية العقيدة، فلماذا يظهر اليوم أشخاص يعتبرون أن التفكير فى الدين ونصوصه أمر يهدد استقرار وبقاء الإسلام؟!
وإذا اعتبر البعض أن الملحدين خطر على الدين الإسلامى، فالحقيقة تقول إن الخطر الأكبر هو تكميمهم أو المزايدة عليهم، أو مواجهتهم قانونًا مثلما طالب بعض أعضاء مجلس النواب، فاحترام الآخرين ليس منّة ولكنه حق أصيل يجب أن يحصل عليه كل شخص.
ثانيًا: هل المجتمع مستقر والملحدون هم مَن يهددون استقراره؟
المجتمع المصرى فى حالة بائسة، يعانى من الجهل والفقر والعنصرية؛ فعلى سبيل المثال والحصر، أظهرت نتائج تعداد السكان لعام 2017، التى أعلنها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفاع عدد الأميين فى مصر إلى 18.4 مليون شخص، بزيادة 1.4 مليون شخص عن تعداد 2016.
مثلما أظهر تقرير لمؤسسة «تومسون رويترز» أن القاهرة هى أخطر مدينة على النساء، وأن التهديدات أصبحت أكبر منذ ثورة 2011، فضلا عن وجود 30 مليون مصرى تحت خط الفقر المدقع، إضافةً إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من 3.5 مليون، ولا يجب فصل كل الآفات التى تهدد المجتمع عن غياب حقوق الإنسان، خصوصًا حقه فى التفكير والاختلاف والتعبير عن رأيه فى مناخ آمن يحترمه ويحترم رأيه.
فالمجتمع المفكر الذى يستطيع التعبير عن رأيه بسلام وحرية، حتمًا يستطيع الاجتهاد من أجل مواجهة مشكلاته وحلّها، وهذا ما نفتقده فى مصر.
ثالثًا: هل الإعلام منوط به «تهزيق» الملحدين أو المختلفين؟
يُفترَض أن يلعب الإعلام دورًا هامًّا داخل كل مجتمع، من حيث تثقيف الناس بالأخبار والمعلومات والأفكار التى تؤثر فى عملية اتخاذ القرار والتنفيذ، فضلا عن توعية المواطن بمشكلات وقضايا العالم من خلال ما يثيره من قضايا اقتصادية واجتماعية، وتواصُله مع مختلف المؤسسات والمواطنين، وبالتالى تعتبر وسائل الإعلام وسيلة لرفع أصوات مَن لا صوت لهم.
الإعلامى منوط به عرض الصورة على المُشاهد أو القارئ أو المستمع، عن طريق الحوارات أو الأخبار أو التحقيقات الصحفية، ومن ثم يستنتج المتلقى النتيجة التى تحلو له، لا التى يرغب الإعلامى أو القيادة فى توصيلها.
وبالتطبيق على حالة الإلحاد، فإذا انتوى إعلامى تناول تلك القضية، عليه حتمًا الاستماع إلى المُلحد ومعرفة أفكاره، وما سبله للوصول إلى تلك الأفكار، ولا يجب أن يقتصر على مواجهة المُلحد بالشيوخ فقط، فهناك أيضًا «علماء» فى مختلف العلوم يمكنهم تقديم وجهات نظرهم، وفى النهاية هى ليست معركة بين الإسلام والإلحاد، أو حلبة مصارعة بين الإيمان والكُفر، ولكن من المفترض أنها جلسة نقاش يجب أن لا يخرج منها منتصر وخاسر، فالكل يُدلى بدلوه، واتركوا الحُكم للمتلقى.
رابعًا: هل الإلحاد والإرهاب وجهان لعُملة واحدة؟
كان شعار «الإرهاب والإلحاد وجهان لعُملة واحدة» هو تبرير الإعلامى محمود عبد الحليم خلال لقائه على شاشة «دويتش فيله» لطرد ضيفه المُلحد، ولكن فى الواقع الشاب المُلحد لم يرفع سلاحًا فى وجه مدير اللقاء الذى اتهمه بالمرض النفسى، أو الشيخ الأزهرى الذى نصحه بأن يذهب إلى طبيب نفسى على وجه السرعة.
الإرهابى.. هو شخص تعمَّد إساءة تفسير النصوص الدينية والالتفاف عليها والاستناد إلى كل الفتاوى المتطرفة التى لا تلائم عصرنا الحالى؛ لأجل فرض سطوته والوصول إلى ما اعتبره «خيرًا»، وهذا بالضبط ما يحدث يوميًّا تجاه الملحدين، فكثيرون يتجاهلون النصوص الدينية التى كفلت حرية الاعتقاد، ويتعمدون إهانة أفكارهم والتسفيه منهم، وعدم إعطائهم حقوقهم القانونية والإنسانية. أليس هذا إرهابًا أيضًا؟
على كل مَن يتشدق بضرورة حماية الدين الإسلامى أن يتحلى بأخلاق ونصوص الدين الإسلامى، التى لم تنبذ إنسانًا أيًّا كان، ولم تحرمه حقًّا من حقوقه.
وعلى كل مَن يرغب فى الدخول فى حلقة نقاشية أن يكون أهلًا لها، لا يحولها إلى معركة مزايدة، يحقق من خلالها «شو» إعلاميًّا، فتلك السلوكيات البغيضة تمثل أسوأ دعاية للدين الإسلامى، الذى كفل حق الاختلاف والتعبير عن الرأى، ولم يعتبره «مرضًا نفسيًّا».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات