.

بوتين.. هكذا فاز بمقعد الكرملين للمرة الرابعة باكتساح!

Foto

كيف نجح بوتين فى إجراء انتخابات تعددية شكلًا ومحسومة لصالحه مضمونًا؟ هل يستثمر بوتين خوف شعبه من عودة فوضى التسعينيات؟


فاز الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بالانتخابات الرئاسية بأغلبية كاسحة، وبنسبة أصوات تقترب من الـ75%، بينما تجاوزت نسبة المشاركة وفق موسكو 50% بعد فرز غالبية الأصوات. حتى الآن الخبر لم يخالف يقينا مسبقا لدى أغلب المتابعين لتلك الانتخابات حول نتائج بدت واضحة ومحسومة سلفا لصالح فوز بوتين بمقعد الرئاسة مجددا ولمرة رابعة. فقبل أن ينجح بوتين وفق النتائج الرسمية، فقد نجح الرجل ذو الخلفية الاستخباراتية كذلك فى ضبط مشهد انتخابى بدا كأنه مفصل له بامتياز، وجعل من مخرجات العملية الانتخابية التعددية شكلا أشبه باستفتاء محسوم لصالحه مضمونا. وفى المقابل، فقد تقدم لتلك الانتخابات سبعة مرشحين آخرين بدا أن جميعهم من البداية يحظون بفرص شبه معدومة، من بينهم الليبرالية كسينيا سوبتشاك، واليمينى فلاديمير جيرينوفسكى، والسياسى المحافظ سيرجى بابورين، ومكسيم سورايكين مرشح حزب شيوعيى روسيا، ومرشح الحزب الشيوعى بافيل غرودينين الذى حاز على أعلى أصوات بعد بوتين «13% تقريبا». وكل هؤلاء الذين خاضوا المنافسة الشكلية من البداية فى مواجهة بوتين وتقاسموا ما تبقى من الأصوات فى ما بينهم لطالما حاولوا إبعاد تهمة صلاتهم بالكرملين أو نفى مزاعم مشاركتهم فى العملية الانتخابية بغرض إعطاء ملمح ديكورى لتك الانتخابات أمام الغرب. لكن المرشح الأكثر جدية أليكسى نافالنى والذى كثيرا ما أبدى مواقف معارضة صريحة تجاه بوتين كان قد تم تلفيق اتهامات بالفساد وأدين وفقا لها قضائيا، وهو ما حرمه قانونا من حق الترشح للرئاسة، وكان عرضة فى الفترة التى سبقت الانتخابات لهجمات الرئيس بوتين شخصيا الذى وصفه بأنه ممول من الغرب لزعزعة استقرار روسيا.

لكن حتى نكون أكثر موضوعية، فلم يكن ما سبق هو وسيلة بوتين الأساسية لضمان تأمين مقعد الرئاسة له عبر عملية الاقتراع التى شابها -وفق المعارضة الروسية- الآلاف من التجاوزات من بينها تعبئة الصناديق وعمليات تصويت أكثر من مرة واستخدام المؤسسات العامة فى حشد وتعبئة الناخبين، لكن هناك أدوات عدة استخدمها الرئيس الروسى خلال سنوات حكمه اتسمت بالدأب والاستمرارية لضمان عدم وجود مناخ داعم لأى محاولات تغيير فى روسيا على الرغم من الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التى يعيشها قطاع واسع من الروس مؤخرا. من بين تلك الأدوات الحرص على التأجيج الدائم للمشاعر القومية بتوظيف أدوات البروباجندا عبر وسائط الإعلام بتنوعها، والتغذية الدائمة لأحلام استعادة روسيا القيصرية لنفوذها التوسعى فى الخارج فى مواجهة الغرب حتى لو كان هذا بكلفة مادية عالية على حساب المواطنين الروس، والترويج الدائم لنظرية المؤامرة والتمجيد فى الزعيم الروسى الذى نجح فى اختراق نظم انتخابات الغرب وسحق أى معارضة داخلية أو كتل حرجة مهددة له مستخدما أساليب عدة «ناعمة وخشنة»، واستثمار خوف المواطنين من عودة ماض أليم عبر رسالة يقدمها بوتين ومفادها طوال الوقت «أنا أو فوضى التسعينيات».
فكثير ممن عاشوا من الأجيال الحالية فترة التسعينيات أو قرأ عنها، مجرد الذكرى بالنسبة لهم كافية جدا للتخلى عن أى حلم بمواجهة مساوئ الحكم الحالى، ولربما تفضيل الواقع الصعب على الماضى المزرى. فروسيا التسعينيات «ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتى» بالنسبة لكثير من الروس هى ذكرى مهينة لتلك الدولة المفككة والتى كانت على شفا الانهيار، حيث الاقتصاد المتردى، والعصابات المنتشرة التى تضم عشرات الآلاف، ومعدلات الجرائم القياسية، والنزعات الانفصالية والعمليات الإرهابية التى لا تتوقف، واقتصاد سيطرت عليه فئة محدودة جدا كنتاج لبرنامج «خصخصة» بدا الأكثر فسادا فى عهد يلسن «الرئيس الذى سبق بوتين»، وما رافق ذلك من انهيار معيشى، ومستوى فقر ارتفع وقتها بشكل خطير وإحصاءات مرعبة عن معدلات الرشوة فى الجهاز البيروقراطى للدولة وصلت إلى 42 بالمئة بين العاملين فى الوزارات.
لكن بوتين القادم من خلفية استخباراتية، والذى انتخب فى عام 2000 نجح فى تغيير هذا المشهد فى سنوات ثمان، أى مدة الولاية الأولى والثانية حتى عام 2008، مانحا الاقتصاد الروسى دفعة مستفيدا من التوسع فى عمليات التنقيب عن النفط والغاز وتصديره إلى الخارج، وخاض معركة كبرى فى مواجهة نزعات الانفصال والإرهاب، ومحاولة التوسع الغربى فى شرق أوروبا، وشن حربا على أوليجاركية «فئة قليلة تتحكم فى إدارة الاقتصاد»، وقام بعملية تحديث للجيش وترسانته، ومؤخرا نجح فى فرض قول لروسيا فى كثير من مجريات الأحداث الدولية بعد ضم جزيرة القرم، وتوسيع مساحة الوجود الروسى فى الشرق الأوسط فى ملفات عدة أبرزها الملف السورى بنجاحه فى تثبيت بقاء الأسد على عكس رغبة الغرب والكثير من الأنظمة الخليجية الفاعلة فى المنطقة، وفرض تدخلاته فى مجريات السياسة الداخلية فى الغرب بدعم صعود تيارات قومية فى مناطق عدة من أوروبا، هذا بالإضافة إلى مزاعم التدخل الروسى فى دعم فوز الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالرئاسة، وهى القضية التى ينظرها المحققون اليوم فى الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن فى المقابل، ولأن أى عملية إصلاح اقتصادى لا يمكن أن تتم بمعزل عن عملية إصلاح سياسى داخلى، فيمكن القول إن الدفعة التى أعطاها بوتين لروسيا اقتصاديا فى الداخل لم يكن يكتب لها الاستمرار بنفس درجة القوة أو الصمود فى مواجهة الأزمات، فالمواطنون الروس اليوم يعيش قطاع كبير منهم تحت ظروف ضاغطة اقتصاديا واجتماعيا بحكم أزمات سابقة وكلفة وأعباء الطموح التوسعى لروسيا فى الخارج (الناتج المحلى الإجمالى -0.225 فى عام 2016)، وبحكم تراجع عوائد مبيعات الطاقة التى لم تعد كما كانت فى الماضى، وبالتوازى فهناك معدلات فساد عالية (الترتيب 135 من أصل 180 فى مؤشر الشفافية الدولية)، وصعوبات تواجه قيمة الروبيل «العملة المحلية» وارتفاع أسعار السلع، ووجود طبقة أوليجراكية جديدة ترتبط ببوتين شخصيا كبديل عن تلك الطبقة التى أطاح هو بها فى السابق، كما أن هناك تضييقا مستمرا على الحريات، وانتهاكات كبيرة ذات صلة بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية التى التف حولها بوتين فى عام 2008 بمحاولة تجاوزه العائق الدستورى أمام ترشحه لولاية ثالثة تالية بتقديمه رئيس وزرائه السابق ديمترى ميدفيديف مرشحا لولاية واحدة «محللا» حتى يتاح له الترشح مجددا فى 2012، وهى الخطوة التى أثارت موجة احتجاجات غير مسبوقة نجح النظام الروسى فى امتصاصها واحتوائها وأعقبها عمليات قمع داخلى من النظام وإصدار قوانين مقيدة للحريات.
وبينما تبدو الانتخابات الروسية اليوم مفرغة من مضمونها لأنها لم تكن تنطوى على أى تنافس حقيقى من البداية، فقد واجه النظام الروسى بذكاء قلقه الباكر من انخفاض نسبة المشاركة فى تلك الانتخابات ويبدو أنه نجح فى تجاوز هذا القلق لو صحت الأرقام المنشورة حول نسبة المشاركة، فالهدف بالنسبة لبوتين لم يكن الفوز، فهو أمر محسوم سلفا مثلما أشرنا، ولكن فى الحصول على نسبة مشاركة أرادها بوتين أن تكون أعلى ما يمكن، كى لا تفتح الباب أمام الغرب للتشكيك فى شرعيته أو يضعف من قدرته التفاوضية فى الخارج، وهو ما دفع الحكومة وأنصارها إلى القيام بحملة واسعة من البروباجندا كلفت الدولة عشرات الملايين من الدولارات لحشد وتعبئة الأصوات للمشاركة فى عملية الاقتراع، وربما كانت محاولة تصفية العميل الروسى السابق سيرجى سكريبال فى بريطانيا قبل أسبوعين بغاز سام إحدى الأدوات التى أراد النظام فى روسيا الاستفادة منها فى إبداء قوته وقدرته على اختراق الغرب وإحياء الأمجاد السوفييتية السابقة إبان فترة الحرب الباردة، وترويج صورة الرجل القوى القادر على تحدى الجميع.
إن كان بوتين قد نجح اليوم فى تجاوز نقطة الانتخابات الرئاسية بسلاسة، ستكون عليه مواجهة الكثير من التحديات فى فترة ولايته الجديدة، أبرزها وفق محللين غربيين تحديد ماهية وشكل حقبة «ما بعد بوتين»، أى من سيحكم روسيا بعده، بالإضافة إلى محاولة إنعاش الاقتصاد الروسى فى ظل عقوبات غربية على بلاده، ومواجهة تطور أزماته مع الغرب على خلفية ضم جزيرة القرم مثلما أشرنا، والتى زادها توترا محاولة اغتيال الجاسوس الروسى السابق، وبالطبع مستقبل الوجود الروسى فى سوريا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات