ليس كل مَن شاهد الرسول صحابيًّا

Foto

هل يمكن اعتبار كل الصحابة عدولًا وكل تصرفاتهم تشريعًا للمسلمين؟ هل كانت الخلافات بين الصحابة نتيجة لصراع على الحكم أم لخلاف دينى؟


نحن نحب الصحابة، نعم نحبهم جدا بل نجلّهم، لكننا لا نقدسهم ولا نقدس طريقتهم، فالصحابة كانت لهم طرق فى حل ما يواجهونه من مشكلات، فحلوا مشكلاتهم بطريقتهم التى تناسب بيئتهم وزمانهم، هذه الاجتهادات بعضها صواب وبعضها خطأ، ومع أننا كمسلمين مطالبون بأن نتدبر قصص الأولين لنستخلص منها الحكمة، إلا أن كثيرا من الصحابة اشتركوا فى الحروب التى دارت بين المسلمين عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن إلى الآن لا نفهم لماذا اقتتل الصحابة ولا أى منهم كان على صواب ولا أى منهم كان يستحق أن نتبع طريقته ومنهجه فى الحفاظ على الأمة؟ ولا تقل لى إن كليهما صواب، ولا ترد على سؤالى بسؤال استنكارى «ما فائدة ذلك؟»،
 
ولا تصدر لى قول التابعين إن مذهب أهل السنة والجماعة هو الكف عن الخوض فى هذه الفتن التى دارت بين الصحابة واعتقاد أنها كانت عن اجتهاد منهم، المصيب فيه له أجران والمخطئ له أجر، دعنى أوضح لك ضرر وخطورة هذه المقولة على المسلمين عندما ساوت بين الاجتهادين الصواب والخطأ أو قل «بين منهجى الاستدلال» فقالوا إن الجميع على صواب! اختار الأوائل حلا سهلا لأسباب معنوية ونفسية، أرادوا الخير لكنهم تسببوا فى معضلة تاريخية وفكرية تركت آثارها على المسلمين إلى اليوم وستؤثر عليهم مستقبلا، هذا الاستسهال سبب فوضى الاستدلال وخلط الحابل بالنابل ونشر الارتباك المنهجى والفكرى وأفقد المسلمين البوصلة، فلم يعرفوا ما المنهج الصواب الذى عليهم أن يتبعوه، فهل خروج معاوية صواب يصلح أن يتكرر؟ ولماذا خروج الحسين خطأ ما كان له أن يفعله؟ هل محاصرة الحاكم على خلفية أنه لا يحكم بالعدل جائزة؟ هل تصرف سيدنا عثمان صواب رغم أنه عرض أمن الدولة إلى الخطر؟ ليس العيب على الصحابة فهم بشر، لكن العيب على من وضعنا فى موقف مربك لا نعرف ما المنهج الصواب وما المنهج الخطأ، الخطأ على الأوائل الذين تحكمت فيهم العاطفة وتأدبوا مع الصحابة غاية التأدب فخشوا أن يكون نقدهم نوعا من تجريح أو نوعا من سوء الأدب، فقالوا لا نخوض فى أعراضهم، والتزموا بقول عمر بن عبد العزيز المشهور: تلك فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا. جعلوهم كلهم عدولا، وهذا خطأ، فالصحابة يتفاوتون فى ما بينهم،
 
لا أحد يريد أن نحاكم الصحابة وإذا أراد فلن يستطيع، فقد مضى زمانهم وانتهى أوانهم لكن ما لا يجب أن يفلت من بين أيدينا هو معرفة أى المناهج هى التى جمعت الكلمة وحفظت الدماء وأيها التى شتت الأمة ومزقتها وأراقت دماء المسلمين، ومع طمس الحقيقة والإصرار على أن كل الصحابة عدول على صواب لم نعرف من أخطأ ولماذا؟ وبالتالى اقتبس الإرهابيون من أفعال الصحابة ما يريدونه ليبرروا لأنفسهم وللمجتمع أفعالهم المجرمة سواء قطع الطريق أو قتل الأسير أو قتل المسلمين عموما، وطبعا عند مناقشتهم يتوهمون أنهم أفحموا مناظريهم، لأنهم استشهدوا بأفعال الصحابة الذين قال عنهم عبد الله بن عمر رضى الله عنه: «كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». مشكلة هذا النص أنه يؤسس لحالة التقديس، ولو أضفنا إليه ما نسب إلى عبد الله بن مسعود من قوله: «إن الله تعالى نظر فى قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير القلوب، فاصطفاه لنفسه، واستخلصه وانبعث بالرسالة، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه
وسلم فوجد قلب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء لنبيه صلى الله عليه وسلم، يقاتلون على دينه». وهى كلمات للترضية والتهدئة بين المتحزبين ومقصودها أن يرضى كل فريق عن الآخر، لكن للأسف الشديد خرجت هذه الكلمات المبالغ فيها عن هدفها وأدت إلى تقديس الصحابة وبالتالى عدم القدرة على نقد تصرفاتهم أو استخلاص الدروس المستفادة من تجربتهم فولد المنهج التبريرى، فصعوبة تصور أن يقع مثل هذا الفعل من كبار الصحابة جعل الكثير ينكر وقوع مثل الخلاف بين الصحابة والاقتتال بينهم، فحاولوا تفسير هذه التصرفات على أنها كلها صواب وأنها مقبولة منهجا وعلينا أن نقتدى بهم!
 
إن كل التبريرات التى قدمت لجيل الصحابة ارتدت إلى صدر المجتمع وقتل بسببهم كثير من المسلمين وغير المسلمين من المصانة دماؤهم، ومن هنا أصيب الإسلام فى مقتل وتسممت الأجواء، بهذا علينا أن نضع منهجا علميا للتعامل مع أفعال الصحابة الكرام، منهجا علميا يؤسس لأسلوب جديد لقراءة التاريخ، قراءة لا تعرف ترف الأكاديميين أو تحامل المتحاملين، منهجا يبدأ بإعادة تعريف من هو الصحابى لأننا فى حاجة ماسة إلى أن نحدد من الذى يصلح لأن يكون قدوة ونجما يهتدى به فى الليالى المدلهمة، فليس من المعقول أن يظل تعريف الصحابى هو كل من شاهد النبى ولو لحظة دون أن يكون تلقى منه وتأدب على يديه، ثم يؤثر بفتاويه وبأحاديثه فى الأمة ومستقبلها، يجب أن لا يحصل على لقب صحابى إلا كل من عايش النبى صلى الله عليه وسلم وتأثر به غاية التأثر وتشرب مبادئه غاية التشرب، وظهرت هذه التعاليم فى حياته ومع الآخرين وخصوصا المخالفين معه، ثانيا علينا تحديد ما يصلح أخذه من كل صحابى على حدة، فبعد تصفية قوائم الصحابة علينا أن نحدد مِن هؤلاء الصحب مَن يمكن أن نأخذ منه علمه وفهمه وفكره ومن منهم يمكن اعتباره من عوام الناس، الصحابة تفاوتوا فى الفهم والدرجة من النبى صلى الله عليه وسلم، فقد كان فيهم الملازم للنبى صلى الله عليه وسلم لا يشغله شاغل عنه، ومنهم من شغله الصفق فى الأسواق طلبا للرزق الذى أباحه الله، وآخرون كانوا يقاتلون فى سبيل الله، وآخرون كانوا مشغولين بجباية الزكوات، ومعلوم أن الرسول نهى خالد بن الوليد من التعرض لبعض صحابته وقال مالك وأصحابى يا خالد؟ يفهم من كلام الرسول أن له صحابة ليس منهم خالد بن الوليد سيف الله المسلول، فكيف نساوى نحن بين من لم يساوِ الرسول بينهم، وهذا التحديد أقره الله عز وجل كما فى قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم» (التوبة: 100) أى أن ليس كل الصحابة فى درجة واحدة فالأولون لهم درجة كبيرة تختلف عن غيرهم من المسلمين الذين شاهدوا النبى، ويؤكد هذا قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحا قَرِيبا» (الفتح: 18)، فرضى الله لم يكن لكل الصحابة بل لهؤلاء الذين بايعوه تحت الشجرة، وهذا التمييز ليس المقصود منه طبقية إنما تحديد وتوصيف، فليس كل الصحابة يصلحون للقيادة العسكرية وليسوا كلهم رجال دولة. والأمر ليس تفضيلا أخرويا بل تنظيم دنيوى نحدد ما يمكن معه أن نستفيد منه ومن منهم لا نملك إلا أن نسألهم الدعاء كما قال بعض الصالحين إنا كنا نسأل الرجل الدعاء ولا نسأله الحديث أو الفتوى.
 
يا سادة يا محترمين نحن بحاجة إلى منهج جديد للتعامل مع الصحابة يعتمد على البحث والتحرى للوصول لأفضل صيغة للاستفادة من جيل صحابة النبى، مع الحرص على الاحتفاظ بتقدير هذا الجيل لأننا ببساطة لا نفرق بينهم فى العبادة أو الإخلاص، فالناظر فى أحوال الصحابة وما كانوا عليه من العبادة والذكر والجهاد وقوة الإيمان والحب للرسول صلى الله عليه وسلم والبذل فى دينه والخضوع لأوامره والاجتهاد فى طاعته مما لا شك فيه، وهو أمر مرجعه إلى الله، أما ما بعد الرسول الكريم فيحق لنا أن نضعه موضع النقد والتشريح لاستخلاص الفوائد. والله أعلى وأعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات