«الوصفة رقم 7».. رحلة ساحرة فى أرض «اللابوريا»

Foto

وجد مليجى الصغير شخصًا له بشرة سمراء يرتدى نظارة شمسية رديئة وعندما التفت له مفصحًا عن وجهه وجده الفنان أحمد زكى!


فى بلاد بعيدة وفى زمان غريب كزماننا خَلَت الجيوب من كل أنواع الكيوف، لا حقن ولا سيجارة حشيش ولا حتى سطر هيروين يتيم، وباتت صرخات المدمنين مسموعة فى كل بيت على نحو يثير الشفقة، وليس إلا ثمة رجل وحيد لم ينفذ إليه اليأس: اسمه مليجى الصغير، الذى منحته علاقاته بأقاربه الضباط بعض الجرعات القليلة والمنتظمة، غير أن الظروف تغيَّرت ومرَّت ستة أيام كاملة وهو يتلوَّى دون أن يحصل على أى شىء يصلح مزاجه.

على هذا النحو المربك، الغرائبى، يبدأ الكاتب أحمد مجدى همام، روايته الأحدث «الوصفة رقم 7.. الدار المصرية اللبنانية»، حيث يلجأ بطله مليجى الصغير إلى تدوين بعض التركيبات الكيميائية البسيطة فى محاولة منه لإيجاد حل ينتشله من هذه المجاعة المزاجية التى ألمَّت به وبالبلدة كلها. فى اليوم السابع اختار مليجى الوصفة رقم 7 من عشر وصفات اخترعها، حقن بذرة بانجو ثم زرعها فى أصيص كبير، وبعد قليل كانت دهشته عارمة عندما رأى شجيرة يافعة بطول ثلاثة أشبار تنتصب فى وسط الأصيص، اقتطف منها وردة وجفف أوراقها بعد عصرها وأضاف إليها بعض المكونات قبل أن يصنع منها سيجارة ملفوفة ويسحب منها نفسَين، بعدها سرت رعدة فى جسده بينما كان هناك مغنٍّ أسمر يتمايل فى شاشة التليفزيون وهو يصدح: «أنا فى اللابوريا.. الأها أها إيه».
عندما فتح مليجى الصغير عينَيه هاله منظر ثلاثة رجال قصار القامة لهم عيون واسعة، المسافة بين كل عينَين كبيرة، وأنف معقوف إلى الأعلى، خاطبوه قائلين: «أنت أنسون؟»، لم يفهم مليجى الذى أدرك من كلام القصار الثلاثة أنه فى مكان اسمه «أرض الحراصيد»، وهى واحدة من سبعة أقاليم تشكل أرض اللابوريا، سار معهم دون أن يفهم شيئًا، وجد بيوتهم أكبر حجمًا منهم بدرجة كبيرة، زعيمهم اسمه «غندور بن هنكال»، وهم يؤمنون بأن هناك «أنسون» أو إنسان، سيظهر ليخلصهم من الظلم والقهر والعذاب فى هذا العالم، غير أن الحراصيد «الفراغيين» غير المؤمنين لا يعتقدون فى ذلك، وهنا تكمن الأزمة الكبيرة بين الفريقَين، ولذلك عندما رآه غندور بن هنكال، آمن به ظنًّا أنه الأنسون المنتظر المخلص الذى سيقضى على الحراصيد المارقين المهرطقين! سريعًا انكشف أمر مليجى ونشبت معركة بين الفريقَين، ليهرب خلالها مليجى بعد أن أخبره غندور بالذهاب إلى أباشيريا.
سار مليجى فى طريقه، ليقابل نصف إنسان بعين واحدة وخد واحد وذراع واحدة وساق واحدة، إنه نصف أيسر فقط، كان من سلالة الشق المتشيطنة التى اعتادت أن تهيم فى الصحراء وتفزع المسافرين ليلًا، ويتناسلون بطريقة غريبة، إذ يحتاج الشق الواحد إلى شق آخر من جنسه سواء أكان ذكرًا أم أنثى، ثم يحتاجان إلى نصفَين آخرين من جنس مخالف لهما حتى تحدث العلاقة الجنسية بينهما ويتم التزاوج، وهى عملية مرهقة لا تتم فى سهولة.
مضى مليجى يسأل نفسه عن السبب وراء وجوده هنا، وعن تلك الكائنات الغريبة التى يقابلها، وعن حقيقة ما يجرى حوله، ربما كان مقلبًا من علِى علِى صديقه الأقرب، ولكنه أفاق حين رأى شخصًا ملثمًا يسأله عن سبب مروره من هذا الجبل تحديدًا، موجهًا إليه نظرات مفزعة من عينَين تلمعان.
كان الملثم ينتمى إلى سلالة الجباليين الذى هم صخر فى الأساس، ولهم أقنعة فى وجوههم مكونة من الصخر أيضًا تعتبر من علامات البلوغ عندهم، وعندما اطمئنوا أنه لا يعرف شيئًا وليس أكثر من تائه فى الصحراء جاء من بلاد البشر تركوه، ليواجه الحب فى أباشيريا، حيث قابل نمير آل ببر الذى اتخذه صاحبًا وأدخله بيته، ودعاه لتناول مشروب البول البشرى، وهو المفضل هناك. فى بيت نمير قابل مليجى أخته سنورية، الجميلة الفاتنة التى يحلم الجميع فى أباشيريا بالزواج منها، فعل مليجى ذلك بعد ثلاثة أشهر قضاها فى بيت نمير، حيث أحب أخته واقترب منها كثيرًا واتفق الاثنان على الزواج وكانت هى الزيجة الأولى التى تجمع بشرى بأباشيرية منذ آلاف السنين، وذلك وَفق التاريخ الأباشيرى.
يمضى مليجى الصغير فى رحلته العجيبة، رفقة سنورية، بعد أن فقدت أخاها نمير آل ببر فى حادثة، وفى مملكة الجساسة يتعرض الزوجان لمتاعب كثيرة، كما يقابل مليجى أول إنسان فى أرض اللابوريا، اسمه أباظة، وكانت فرحتهما غامرة باللقاء، وسمع مليجى من أباظة عن جزيرة كابوريا، وكيف أنها الملجأ الذى يقصده كثيرون طلبًا للنجاة كخطوة أخيرة نحو الخلاص من هذا العالم العجيب الذى يحتوى كذلك على اتحادية عماليقستان الفيدرالية ومنها سلكا طريقهما باتجاه إمارة الكرنتينا التى خصصت للمرضى بالجذام وأصحاب الأمراض المميتة، والعميان، الذين يعرفون الغريب جيدًا ولا يتعاملون معه إلا بالحجارة، وبهذه الطريقة قتلوا سنورية بحجارة مسحورة ومسمومة، ليقرر مليجى أن يشكو القتلة إلى سيدة الكلام بونى بياض العينين، وهى صاحبة السلطة هناك والكلمة النافذة، واستعان فى شكواه بشهادة الحكيمة، وهى ساحرة وقفت إلى جوار مليجى وأعانته على تحمل فقده سنورية، غير أن الحكم لم يكن فى صالحه، وانحازت سيدة الكلام لأولاد بلدتها.
مرّ مليجى الصغير بكائنات عجيبة للغاية، وبأماكن لم يسمع بها من قبل، وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج وقضى فى السجن هناك شهورًا، حتى اتفق مع غندور بن هنكال على خطة للهرب، وكان لقاؤه غندور من ضمن العجائب بعد أن تركه فى بلاد الحراصيد. امتطى كل منهما براقًا، ورأى مليجى فى الأفق جزيرة كابوريا فخفق قلبه وبكى، كان يهمس للبراق فيستجيب، طلب منه الاتجاه نحو جزيرة كابوريا ففعل، غير أن سهمًا موجهًا من الحراس أصاب البراق، ليغرق فى جزيرة كابوريا وينتقل مليجى مغشيًا عليه إلى مستشفى «كل الخلق» بعد أن تم انتشاله من المياه الإقليمية، عرف ذلك من الممرضات فى المستشفى.
تحسنت صحة مليجى الصغير، وجاءت اللحظة التى عليه أن يقابل فيها المختص عن تحديد مصيره الآن. فكر وقتها فى وضع ثبت بالكائنات العجيبة التى قابلها: الحراصيد، الجباليين، الشق، نهر البكيفو، الضفدع الأخضر، بونى بياض العينين، وغيرهم، فكر أيضًا فى أن يتخصص فى علم أنثروبولوجى اللابوريين أو ما سمّاه «اللابوريولوجى»، وكان لقاؤه الموظف المختص صادمًا.
وجد شخصًا له بشرة سمراء، يرتدى نظارة شمسية رديئة، وعندما التفت له مفصحًا عن وجهه وجده الفنان أحمد زكى!
أمهل أحمد زكى مليجى الصغير أسبوعًا ليفكر، فاختار مليجى «التدوير» بمعنى أن يعود إلى وطنه بعد أن اشتاق لتفاصيل حياته القديمة، أخبره أحمد زكى أن يصعد معه إلى المسرح، فى اليوم الذى تقررت فيه العودة، طلب منه أن يترك نفسه للإيقاع: «الأها أها إيه.. أها إيه»، لينطلق بعدها مليجى بعد أن اندلقت الأغنية على لسانه لآخرها: «أزأز كابوريا أزأز كابوريا لو أزأزونى هأزأز إيه»، ليتلاشى وقتها مليجى من المسرح ويسقط ميكروفونه من على خشبته.
يعود مليجى إلى بيته، يرن هاتفه، صديقه علِى علِى يتفق معه على اللقاء فى المساء، يكتشف أن كل ما جرى له لم يستغرق سوى ساعات، بدا له صوت علِى علِى غريبًا، وكأنه قادم من مكان بعيد وزمان لا يعرفه، فتح مليجى دفترًا وبدأ يكتب: «ثبت بالكائنات العجيبة التى قابلتها فى أرض اللابوريا وتوثيق وتكريم لأبطالهم وشهدائهم فى رحلة كابوريا.. تأليف: مليجى الصغير» وعلى الغلاف الخارجى كتب بخط أكبر: «أنا فى اللابوريا» وبدأ يدوّن.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات