.

اسمعوا رسالة الشعب بعيدًا عن المكايدة والهجوم وتصدير الانطباعات المقصودة

Foto

هل مشاركة المصريين فى الانتخابات ممارسة لحق دستورى أم للحصول على صك الوطنية؟ كيف يمكن أن نقيس فعليًّا حجم إقبال المصريين فى الخارج على التصويت؟ لماذا تعتبر الانتخابات رسالة من الشعب سواء بالمشاركة أو بالعزوف؟


كشفت المرحلة الأولى من مراحل اقتراع المصريين فى صناديق الانتخابات فى إطار إجراءات الانتخابات الرئاسية لعام 2018، عن العديد من الدلالات والمشاهد الكاشفة لمنهج إدارة العملية الانتخابية التى تم تفريغها عمليا من مضمونها واقتصرت على مجرد إجراءات تستكمل الشكل قبل الإعلان المحسوم عن بدء دورة رئاسية ثانية للرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى.

وبعيدا عن مجمل الممارسات التى شهدتها الشهور الماضية فى ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية بما وصل بالمشهد إلى ما هو عليه حاليا، إلا أن التحدى الأكبر كان ولا يزال هو حجم إقبال المصريين على صناديق الانتخابات، وهو ما بدا واضحا منذ فترة طويلة فى ظل مناشدات دائمة ومتكررة من كل المسؤولين فى الدولة بدءا من رئيس الجمهورية نفسه فى مناسبات عديدة، كان آخرها دعوته لنزول المصريين ليقولوا «نعم أو لا» وكأن المصريين مدعوون لاستفتاء لا انتخابات، رغم أن هناك مرشحا منافسا ولو شكليا كان هناك إصرار على الدفع به استكمالا للشكل الإجرائى، ومع ذلك فإن لغة نعم أو لا هى التى تبدو سائدة. لكن الأمر لم يتوقف عند الرئيس وكبار المسؤولين فى الدولة الذين حولوا الدعوة للمشاركة فى الانتخابات لا إلى حق دستورى أو موقف سياسى وإنما إلى واجب وطنى يصبح من أهل الشر من يتقاعس عنه، بل امتد إلى دعوات من كبار الشخصيات الدينية، مثل مفتى الجمهورية والبابا تواضروس وغيرهما.
الفصل الأول فى قياس حجم المشاركة، ورغم ما هو معروف ومؤكد من أنه لا يمثل دائما دلالة كافية فى إطار مجمل المؤشرات للعملية الانتخابية خصوصا فى ظل اختلاف وتفاوت النسب العددية بشكل كبير، كان عبر انتخابات المصريين فى الخارج التى جرت على مدى 3 أيام من الجمعة إلى الأحد الماضى، ومع انتهاء نظام التسجيل المسبق للراغبين فى التصويت الذى كان معمولا به فى استحقاقات انتخابية سابقة خلال السنوات الماضية، فقد أصبح إجمالى عدد المصوتين المصريين فى الخارج كتلة تبلغ 9.5 مليون مصرى أو أكثر، وفقا لأرقام تعداد السكان الذى أعلنه الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء قبل عدة شهور، وقد يزيد هذا الرقم أو يقل وفقا للتغيرات فى خريطة العائدين إلى مصر أو المسافرين منها، إلا أنه فى العموم يدور فى حدود هذا الرقم عمليا، وبافتراض أن نسبة من لهم حق التصويت منهم مماثلة أو قريبة لنسبة عدد من لهم حق التصويت فى الداخل من إجمالى تعداد السكان، فإننا نصبح أمام رقم يتراوح بين 5 و6 ملايين بالخارج لهم حق التصويت، ومع ذلك فقد شهدنا منذ الساعات الأولى ليوم الجمعة الماضى حديثا عن إقبال هائل من المصريين فى مختلف الدول للمشاركة فى التصويت، كما جاءت التصريحات الرسمية من سفرائنا فى عدة دول، والفيديوهات والمشاهد الاحتفالية التى تم بثها عبر عديد من القنوات ووسائل التواصل الاجتماعى لتؤكد نفس المعنى.. ورغم أننا حتى الآن لم نعرف أى أرقام فعلية رسمية لحجم هذه المشاركة، ونسبتها للعدد الفعلى من المصريين المقيمين فى الخارج، أو حتى مقارنتها بما سبق من مشاركات فى استحقاقات سابقة، فإنه بدا أن الهدف والمعنى الرئيسى المطلوب توصيله قبل بدء الانتخابات داخل مصر هو أن هناك حجم مشاركة كبيرا وحشدا هائلا وإقبالا ضخما، لتجاوز التحدى الأساسى الذى تواجهه السلطة فى هذه الانتخابات فى ظل كل الأوضاع والأحداث المحيطة والمتعلقة بها.
ولعل عودة سريعة لمشاركات المصريين فى الخارج فى الاستحقاقات الانتخابية يشير لحجم تلك المشاركة، ففى الانتخابات الرئاسية عام 2012 كان إجمالى المصوتين بالخارج فى حدود 314 ألفا، وفى الاستفتاء على الدستور عام 2014 بلغ عدد المصوتين 107 آلاف فقط، بينما وصلت فى الانتخابات الرئاسية عام 2014 لعدد 318 ألفا.. ورغم أن الأرقام الرسمية لمشاركة المصريين فى الخارج فى الانتخابات الحالية لن تعلن سوى مع النتائج النهائية بعد التصويت داخل مصر أيضا الذى سيجرى الأسبوع المقبل، فإنه قد تظهر بعض المؤشرات والمعدلات خلال الأيام القليلة المقبلة حتى وإن لم تتخذ الطابع الرسمى النهائى، ليصبح التساؤل الأساسى هنا هو إذا ما كانت أقل أو أكثر من تلك المعدلات السابقة، كما أن السؤال الأهم هو نسبتهم لإجمالى عدد المصريين بالخارج ممن لهم حق التصويت، وهى بالتأكيد إن كانت فى حدود حتى أعلى المشاركات فى الاستحقاقات السابقة فإنها لن تتجاوز نسبة مشاركة تتراوح بين 5 و7%، وفقا لأعلى رقم مشاركة سابقة للمصريين فى الخارج نسبة إلى إجمالى عدد المصريين فى الخارج ممن لهم حق التصويت، فى ظل عدم وجود أرقام رسمية واضحة ومعلنة تحدد عدد المقيدين رسميا فى جداول الناخبين من المقيمين بالخارج وكذلك إلغاء نظام التسجيل المسبق للمصوتين بالخارج.
وإلى حين إعلان الأرقام رسميا أو على الأقل ظهور مؤشراتها، فإن الهدف الأساسى يبقى كما أشرنا فى الإيحاء بشكل واسع بوجود إقبال على المشاركة، وهو إن صح فإنه بالتأكيد لا يمكن أن يكون بالشكل المبالغ الذى يحاول البعض تصويره، وهو إن صح أيضا فإنه لا يمكن أبدا أن يكون سببا فى غضب أو يمثل أى غضاضة لدى المعارضين للسلطة والسياسات الحالية ولا حتى الداعين لمقاطعة هذه الانتخابات من قوى سياسية مدنية ديمقراطية، الذين هم بالتأكيد أصحاب موقف سياسى لا مجرمين خائنين للوطن، بل على العكس، فإن حرص المصريين على المشاركة بأصواتهم، بالذات المقيمين فى الخارج الذين كانت مشاركتهم فى التصويت لأول مرة واحدة من إنجازات ثورة يناير، ولا تلك المشاركة بالتأكيد داع للهجوم على من شارك منهم ولا نقده ولا اعتباره لا يشعر ولا يعلم بما يجرى فى مصر، فهذه أيضا أنواع من النزق السياسى فى التفكير والتعبير التى كثيرا ما صنعت فجوات وخصومات بلا معنى بين قطاعات من المجتمع وبين المعارضة أو النشطاء السياسيين أو الثوريين.
لكن الأخطر هنا، فى هذه النقطة، هو أن حجم الدعاية الإعلامية التى ركزت على نقاط بعينها كان متوقعا أن تكون نسب المشاركة فيها أعلى من غيرها، قد أتت أثرها على بعض هؤلاء المعارضين المتحمسين للمقاطعة، فبدت الصورة كأن هناك بالفعل إقبالا كبيرا بنسب مرتفعة والمطلوب اتخاذ وضع دفاعى يبرر ويفسر أو يهاجم وينقد هؤلاء المشاركين!
باختصار، فإن من يشارك فى هذه الانتخابات فهذا حقه، وهذا لا يجعله أكثر وطنية بالتأكيد ممن يقاطع، وباختصار أيضا فإن الصورة الدعائية وحدها لا تكفى ففى النهاية المعيار الرئيسى للتقييم هو الأرقام الرسمية التى سوف تعلن، وبوضوح كذلك ومع كل الاحترام والتقدير لحق المصريين فى الخارج فى ممارسة حقهم الذى اكتسبوه بعد ثورة يناير، فإن العبرة الحقيقية لحجم المشاركة والإقبال على صناديق الانتخابات سوف يتضح فى أيام 26 و27 و28 مارس، وفى كل الأحوال وأيا كانت حجم المشاركة فإن هذه رسالة من الشعب لمختلف الأطراف، سواء بمشاركته أو عزوفه، وعلى أصحاب كل موقف أن لا يزيفوا حقيقة ما يجرى لتناسب تصوراتهم، وأن يحاولوا استخلاص الدروس والعبر منها لما هو قادم.. والأكيد أن تصدير صورة مسبقة عن مشاركة هائلة وغير مسبوقة لن يخدع أحدا إذا كان الواقع غير ذلك، والأهم أن يدرك الجميع دلالات ذلك إذا جرى، كما أن الهجوم والنقد على من قد يشاركون ليس هو الطريق الصحيح لتجاوز العقبة الأكبر التى تواجه المعارضة وهى انقطاع الجسور بينها وبين قطاعات شعبية ومجتمعية.
أخيرا تبقى إشارة أخيرة إلى تحويل الانتخابات والتصويت أمام الصناديق إلى مناسبة للكيد، أو لتحويل أناشيد لها معان ودلالات عميقة مثل نشيد الصاعقة المصرية الذى انتشر وذاع فى الأسابيع الأخيرة فتحول إلى أغنية فى المدارس وأمام الصناديق يتم الرقص عليها، وهو ما يمثل خطورة حقيقية ليس فقط على معان وقيم مهم الاحتفاظ بها، بل وعلى الاستمرار فى اعتبار مواقف سياسية بطبيعتها كدلالة على مدى الوطنية من عدمه، والتوسع فى توصيفات ومفاهيم أهل الشر التى لم تعد قاصرة على الإرهابيين كعدو حقيقى للدولة والمجتمع، وبما يرسخ أكثر فأكثر لزرع بذور الاستبداد لا فى السلطة وحدها بل وفى المجتمع أيضا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات