.

النبى لم يكن مجتهدًا.. عُمر لم يكن نبيًّا

Foto

فقال عمر: «فتبارك الله أحسن الخالقين»، فعاد جبريل وجعلها ضمن الآية الكريمة، رغم أن سورة «المؤمنون»


أوحى إلىَّ مقال الزميلة الأستاذة أسماء العماوى فى صفحة «يرحمكم الله» يوم 9/ 1/ 2018، عن حجاب عُمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الذى رفضه النبى، عليه السلام- أوحى إلىَّ بالكتابة حول اجتهادات عمر بن الخطاب، التى صارت أصلا إسلاميًّا يتعبد به المسلمون طوال العصور، حتى لو خالفت المعقول والمنقول، والمدهش -مثلا- أنْ وصل حب المسلمين لعُمر إلى أنهم رووا حديثًا أن «الشيطان يخاف عُمر»، وأن «إبليس لو رآه فى طريق لَسار فى طريق آخر»، ولكن الشيطان لم يخَف النبى فسحره! وهى فذلكة لم تصدر لا عن النبى الكريم، ولا عن عمر نفسه، لقد جاءت أحاديث مناقب الصحابة فى العصر الأموى فى حديث يطول شرحه، خصوصًا فى ما يتعلق بالفاروق عمر، والمهم أن المؤرخين رووا أحاديث عن موافقات عمر للوحى قبل نزول الوحى أو حتى بعد نزوله، فقد أخرج البخارى وغيره عن أنس، قال: قال عمر: وافقت ربى فى ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت آية «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى»، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر،
 
فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نساؤه فى الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت كذلك»، وأخرج مسلم عن ابن عمر عن عمر قال: «وافقت ربى فى ثلاث: فى الحجاب، وفى أسرى بدر، وفى مقام إبراهيم»، وأضاف السيوطى فى كتابه «الإتقان فى علوم القرآن» أن آية سورة «المؤمنون: 14» نزلت نصًّا هكذا: «ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر»، فقال عمر: «فتبارك الله أحسن الخالقين»، فعاد جبريل وجعلها ضمن الآية الكريمة، رغم أن سورة «المؤمنون» من ضمن أوائل السور القرآنية فى مكة قبل الهجرة، وربما نزلت قبل إسلام عُمر. هكذا تبدو الصورة واضحة عند وضع أحاديث المناقب، عُمر يجتهد فى مقابل رسول يُوحى إليه، ولكن الرسول قد يخالف الوحى، وعمر لا يخالفه! وهذا لا يمكن أن يصح فى الحديث عن نبى ورسالة، ثم تلاميذ مريدين، ثم صحابة مُتّبعين، فنجد روايات تعكس الصورة القرآنية النبوية، ربما وُضعت هذه الروايات على لسان عمر، وهو لم يقُلها، أو ربما كانت اجتهادات توافق عصرها ثم انتهى الاجتهاد ليوافق عصورًا لاحقة، ولكنها فى النهاية غير ملزمة؛ لأنها تخالف النصوص القرآنية والأحاديث النبوية معًا،
 
فاجتهاد عمر قد يخطئ وهو ليس صاحب الرسالة، والوحى دائمًا هو المصيب، والنبى لم يكن مجتهدًا، لأنه نبى ملتزم بالوحى الربّانى، ولكن الفقهاء والشيوخ تمسكوا بتلك الاجتهادات، ودامت حتى اليوم؛ فمثلاً أخذوا عن عُمر الطلاق الشفهى، الذى أخذ به المسلمون جيلاً بعد جيل، دون شهود عدول، فى مخالفة صريحة وواضحة للنص القرآنى، رغم أن عمر نفسه رد على مَن طلب منه تولية ابنه عبد الله خليفةً للمسلمين من بعده، فقال، كما جاء بكتب السيرة:
 
«كيف أولّى رجلاً لم يحسن طلاق امرأته؟!»، وكان ابن عمر طلّق زوجته وهى حائض، فتغيّظ النبى وطلب منه ردّها وانتظار حيضها مرتين، ليكون الطلاق ساريًا مع وجود شاهدَى عدل، ولكن المسلمين أخذوا بالطلاق البدعى والشفوى، ولم يتنازلوا عنه حتى اليوم، رغم مخالفته للقرآن والسُّنة التى تتفق مع القرآن، وكذلك قالوا إن عمر هو الذى وضع عدم التكافؤ فى النسَب، وقالوا إنه قال: «لا أزوج القرشية من غير القرشى، ولا العربية من غير العربى»، رغم أن النبى كان يزيل الفوارق الطبقية، فزوّج ابنة عمّته زينب لزيد بن حارثة، وزوّج بلال بشريفة من شريفات الأنصار؛ كل ذلك من أجل إذابة الطبقية، ولكن الروح القبلية ظهرت حتى قبل انتهاء فترة الخلافة الراشدة، ثم هى التى هددت النسيج الاجتماعى والسياسى والدينى للمسلمين، وفى هذا السياق لا ننسى حكم التفريق بين الصحفى الشيخ علِى يوسف وبين زوجته الهاشمية، لعدم التكافؤ فى النسب فى أوائل القرن الماضى، ومن ضمن الموافقات العُمَرية، كما قيل، المسح على الخُفين، وصلاة التراويح، وعدم المساواة فى العطاء، فى أحاديث يطول شرحها. أما الموافقة الكبرى لعُمر فهى ما قيل عن موقفه من أسرى بدر القرشيين، وهى تحتاج إلى وقفة؛ لأن صداها ما زال يدوّى مع الوهابيين والدواعش، فقالوا إنه بعد انتصار النبى فى موقعة بدر الكبرى، أخذ بعضهم أسرى، وطلب الرأى من أبى بكر وعمر دون غيرهما من كبار الصحابة؛ مثل أبى عبيدة بن الجرّاح وسعد بن أبى وقاص وحمزة وعلِى والزبير وغيرهم، فقال أبو بكر الصديق: يا نبى الله، هم بنو العم والعشيرة والإخوان، وأرى أن نأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فيكونوا لنا عضدًا، أى عونًا وسندًا. فقال رسول الله: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال عمر: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تُمكنّا فنضرب أعناقهم. فهوى رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر. قال عمر: فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرنى من أى شىء تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله: أبكى للذى عرض علىّ أصحابك من أخذهم الفداء. ثم نزلت الآية 67 من سورة «الأنفال»: «ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يُثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم». وهنا نجد بعض الملاحظات القرآنية والنبوية واللغوية على السواء.. أولاً، مصير الأسرى ليس القتل، لا فى موقعة بدر ولا فى غيرها، والنبى الكريم لم يبكِ بعد نزول الآية، فقد كان فى مقدوره قتل الأسرى؛ لأن الآية نزلت بعد المعركة مباشرة قبل فدائهم، ثم الأهم هنا هو أن الآية جاءت فى سياق الآيات التى قبلها، والتى تحدد وتبرر خوف المؤمنين من الحرب وتبشّرهم بالنصر، أما كلمة «أثخن» التى زعموا أنها تعنى القتل، فهى تعنى لغويًّا «أنهك وأضعف الخصم حتى لا يقوى على القتال»، وبالتالى يكون معنى الآية (ما كان لنبى -أىّ نبى- أن يكون له أسرى حتى يضعفهم فيجعلهم يستسلمون حقنًا للدماء، فيأسرهم)، وهو ما يتفق مع روح السلام التى جاءت بها الأديان السماوية، أما مصير الأسرى، فمصيرهم ومصير كلمة الإثخان فى الأرض فى الآية «4» من سورة «محمد»، وهى من أواخر ما نزل من القرآن، تقول الآية: «حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإمّا منًّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها»، أى بعد الإضعاف وأسر الجنود، يكون مصيرهم المَن بإطلاق الأسرى، أو بفدائهم بالمال أو تبادل الأسرى، كما يحدث فى كل حروب العالم. كل ذلك يدفعنا للقول إن كثيرًا من اجتهادات الصحابة تخالف القرآن والسلوك النبوى، ولكن المسلمين حتى اليوم يأخذون بالاجتهادات فى مسيرة فكرية عكسية، جعلتهم فى ذيل الأمم، تتداعى على قصعتها، وقصة القصعة تحتاج إلى كتابات أخرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات