.

لا تقطعوا فروع الإرهاب وتتركوا جذوره

Foto

فقد بات الاعتداء على كنائس المواطنين المصريين المسيحيين ودُور عبادتهم مسلسلاً مستمرًّا لا ينتهى،


على الرغم من أن مصر دولة مركزية منذ فجر التاريخ، وانتقلت طوال ذلك التاريخ من مرحلة إلى مرحلة حتى عرفت الثقافة المدنية وشكل الدولة الحديثة، ولا سيما منذ عصر محمد علِى باشا «حكم بين العامين 1805 و1848»، وعصر حفيده الخديو إسماعيل «حكم بين العامين 1863 و1879»، فإن مصر لم تعدم، بين أوانٍ وآخر، وجود نكسات وانتكاسات فى شكل العلاقة بين مواطنيها، فكأنها ترجع القهقرَى إلى الأزمان الغابرة قبل ظهور الدولة الوطنية الحديثة، فلم يكن اعتداء أكثر من نصف قرية «كفر الواصلين» التابعة لمركز «أطفيح» بالجيزة، بعد صلاة يوم الجمعة الثانى والعشرين من ديسمبر الماضى، على كنيسة «الأمير تادرس الشاطبى»، إلا انتكاسة معتادة، مكرورة، من تلك الانتكاسات التى تضرب، بين أوان وآخر، أسس الدولة الوطنية الحديثة، فلم يكن -بالطبع- هذا الاعتداء هو الأول على كنائس ودُور عبادة المواطنين المصريين المسيحيين، ولن يكون -بالتأكيد- الاعتداء الأخير؛ فقد بات الاعتداء على كنائس المواطنين المصريين المسيحيين ودُور عبادتهم مسلسلاً مستمرًّا لا ينتهى، حتى إن «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» وثّقت نحو 77 حالة توتر واحتقان طائفى منذ العام 2013 فقط وحتى الآن، ولا مندوحة عن الإشارة السريعة إلى أن مركز «أطفيح» نفسه، قد شهد فى عام 2011 احتقانًا طائفيًّا نتج عنه حرق كنيسة «الشهيدين» بقرية «صول»، ولم يُمهل القدر المواطنين المصريين المسيحيين إلا أسبوعًا واحدًا لتفجعهم كارثة أخرى تصيب أرواحهم وكنائسهم، ولكنها هذه المرة على يد إرهابيين، ففى أثناء صلاة يوم الجمعة الموافق التاسع والعشرين من ديسمبر الماضى، تعرضت كنيسة «مارمينا العجايبى» بحلوان إلى هجوم إرهابى أسفر عن استشهاد عشرة مواطنين، بينهم أمين شرطة كان مكلفًا بحراسة الكنيسة التى تستقبل أبناءها للاحتفال بأعياد الميلاد المجيد، بينما أصيب نحو خمسة مواطنين آخرين!
فى «أطفيح» كانت شائعة، مجرد شائعة تناقلتها قرية «كفر الواصلين» عن اعتزام كنيسة القرية القريبة من المسجد تركيب جرس، فقام بعض شباب القرية بتداول «بوستات» عبر الفيسبوك، تحرض على مهاجمة تلك الكنيسة بعد صلاة الجمعة «..» لمَنع تركيب ذلك الجرس؛ لأنه يستفزّهم كمسلمين «..». وبالفعل، وبعد الفراغ من صلاة الجمعة -كالعادة- هاجم أكثر من نصف سكان قرية «كفر الواصلين» الكنيسة التى تشغل مبنًى متواضعًا من طابقين على مساحة نحو 1000 متر مربع، وحطموا ما قابلهم واستولوا على الجرس، وكالعادة أيضًا، وصلت جحافل قوات الأمن المركزى إلى القرية فأغلقت مداخلها ومخارجها وطوّقتها تطويقًا، استعدادًا لوصول السيد مدير الأمن ورجال المحافظة التنفيذيين والسادة أعضاء مجلس النواب عن المركز لعقد جلسات عُرفية، وتبويس لحى الطرفين، وإطلاق «الكليشيهات» المحفوظة حول الوحدة الوطنية، ووحدة أبناء نسيج الوطن الواحد، ويبقى «اللى فى القلب فى القلب يا كنيسة». وأما فى «حلوان» فكان الإرهاب المسلح حاضرًا، بمحاولة إرهابيَّيْن اختراق النطاق الأمنى لكنيسة «مارمينا العجايبى»، وإطلاق النار بشكل عشوائى لإصابة أكبر عدد من المواطنين المصريين المسيحيين، ثم تفجير الكنيسة، ولولا شجاعة وتكاتُف عدد من المواطنين مع بعض رجال الشرطة لَوقعت مجزرة بشعة فى حلوان!
حادثا «أطفيح» و«حلوان» المتتاليان وجهان لعملة واحدة، فالمواطنون المصريون المسيحيون تحت مطرقة الغوغاء والدهماء وعوام الأهالى المتشبعين بالطائفية والتدين الظاهرى الزائف ورفض الآخر، فهُم الذين يمنعون المسيحيين من الصلاة ومن إظهار شعائرهم الدينية، ويعتدون على كنائسهم ومنازلهم فى وضح النهار وتحت حماية الجلسات العرفية، ولا تتخذ الدولة أى إجراءات ضد مَن يكفرونهم ويحرمون تهنئتهم بأعيادهم ومناسباتهم الدينية، وفى الوقت نفسه نترك ملف المواطنة والإرهاب فى يد «الداخلية» فقط، وها قد ظهر أخيرًا بعد حادث «مارمينا» الإرهابى أنه لولا تكاتُف الأهالى والمواطنين مع رجال الشرطة لَحدثت مجزرة كبرى فى حلوان، وهو ما ينفى تقارير وزارة الداخلية وتقارير التليفزيون الرسمى وبعض القنوات الفضائية التى وصفت تلك العملية الإرهابية بأنها «فاشلة!»، فلا أدرى كيف كانت فاشلة وقد سقط عشرة شهداء فى دقائق معدودة؟!
لا أعرف -حقًّا- لماذا تجرحنا رؤية صليب فوق كنيسة أو مضْيَفَة أو بيت، ولا يجرحنا نقص الخدمات وهشاشة الأوضاع الاجتماعية والخدمية حولنا؟! لا أعرف -حقا- لماذا يجرحنا صوت صلصلة جرس كنيسة ولا يجرحنا صوت متطرف يكفّر الآخرين لمجرد الاختلاف معهم دينيًّا، بل لمجرد الاختلاف معهم سياسيًّا وثقافيًّا؟! لماذا لا نقبل التنوّع والتعدد الدينى والاختلاف؟! ماذا يضيرنا ويضير ديننا من صليب معلّق على منارة كنيسة؟! ماذا يضيرنا ويضير ديننا من سماع صلصلة جرس؟! لماذا تغيب النصوص الدستورية الحاكمة، بفعل فاعل، لصالح الحلول الوسط والمجاملات والممالآت السياسية والدينية؟! لماذا يغيب القانون لصالح الجلسات العرفية وتبويس اللحى؟! أفلا نفهم أن الصلح العرفى إنما يساعد الجناة على الإفلات من العقوبة، سواء بإخلاء سبيلهم أو بالاستفادة من ذلك الصلح لتجنب توقيع العقوبة عليهم؟! لماذا يصر أشياخ الأزهر على وصف المواطنين المصريين المسيحيين بأنهم «أهل ذمة»؟! فالمسيحيون مواطنون مصريون ليسوا ذميين ولا معاهَدين ولا رعايا كنيسة، الأمر الذى يجب معه أن نؤمن بضرورة احترام الدستور والقانون، وإعلاء شأن المواطَنة، فلا نعدّها مادة هامشية لزوم الديكور، مقرّرة على طلاب الثانوية، العامة والأزهرية، بل لابد من احترامها كقاعدة عامة فى هذا الوطن مهما كانت الظروف والسياسات والأحوال، عندئذ سيؤمن بها الطلاب ويحترمونها، فلماذا لا تذكر كتب «المواطنة» -مثلاً- أن النحاس باشا عندما مرض أحضر له مكرم عبيد باشا طبيبًا مسيحيًّا، لتثور ثائرة صهره الوكيل الذى رفض أن يطبّب النحاس باشا طبيبٌ مسيحى، ليغضب -عندئذ- مكرم عبيد فينشق حزب «الوفد» وتحدث مشكلة سياسية كبيرة بسبب ذلك؟! 
فى الأزمان الغابرة، قبل ظهور الدولة الحديثة، كانت العلاقات بين الناس تقوم على أساس القوة والعشائرية والقبلية والطبقية، فلم يكن ثمة قانون أو دستور ينظمان تلك العلاقات، سواء بين الناس بعضهم بعضًا، أو بينهم وبين الحُكَّام والرؤساء، وكان هذا الأمر طبيعيًّا جدا، إذ لا يُوجد ثمة قانون ولا دستور ولا أى شكل من أشكال الدولة الحديثة التى يتساوى فيها المواطنون، جميعهم، بصرف النظر عن أى شىء آخر مهما كان.
أما بعد ظهور الدولة الحديثة، فقد غدَت العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وبين المحكومين بعضهم بعضًا قائمة على أساس القانون الذى لا يعرف أحدًا ولا يمايز بين أحد مهما كان، كما غدَت العلاقة بين الدولة والمواطنين علاقة «مواطنة»، عمادها المساواة بينهم جميعًا، بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الدين أو المعتقد أو العِرق أو أى شىء آخر مهما كان، فالدولة الوطنية الحديثة تؤكد حق الاختلاف بين الناس، سواء أكان هذا الاختلاف دينيًّا أم سياسيًّا أم ثقافيًّا، ولا عبرة عندها إلا بتنفيذ القانون دون انتقائية أو تمييز أو مجاملات؛ لذلك كان طبيعيًّا أن يكون مصطلح «المواطَنة» عمادًا لتلك الدولة لتتأسس عليه أفكار «المساواة» و«سيادة القانون» و«تجريم التمييز بسبب الدين»، وغير ذلك من أفكار تمثل أساسيات الدولة الوطنية الحديثة، التى تحترم الاختلاف؛ لأنه «هو الأصل، وهو الدليل على تطور الحياة، وهو الذى يولّد المعانى ويخلق الدلالات، فهو السبيل إلى التعارُف والتجدد، وهو أداة للمعرفة وشرط الحياة» «آمال قرامى: الاختلاف فى الثقافة العربية الإسلامية».
ومما يُعجَب منه، ومما يثير الدهش، أن تأتى تلك الأحداث كلها بالتزامن مع إعلان السيد عمر حمروش، عضو البرلمان وأمين سر اللجنة الدينية به، عزمه تقديم مشروع قانون لتجريم ما سماه «ظاهرة الإلحاد» فى المجتمع المصرى، وعقاب الملحدين بعقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة، وكأن مشكلات مصر قد انتهت وتقلّصت فلم يعُد أمامنا إلا مشكلة الإلحاد، أفليس من الأوْلى أن يلتفت السادة المحترمون أعضاء البرلمان الموقّر إلى أسباب استمرار وتكرار الاحتقان والتوتر الطائفى فى مصر؟! أفليس من الأوْلى أن يؤسسوا لتشريعات تُعلى من الثقافة المدنية الحديثة لمواجهة ثقافة الكراهية ورفض الآخر المخالف، التى أيْنعت فى السنوات القليلة الماضية؟! أفليس من الأوْلى أن يقوموا برفض الجلسات العرفية التى تدفن الرؤوس فى الرمال وتنتصر لصاحب القوة والنفوذ والعدد، وتهضم حقوق مَن عداه؟! أفليس من الأولى تجفيف منابع الإرهاب ووضع استراتيجية متكاملة لمواجهته على الأصعدة كلها دون التركيز فقط على الجانب الأمنى الذى لن يمنع الإرهاب؛ لأن للإرهاب جذورًا لم نحفر حولها قط حتى الآن؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات