.

الحجاب خاص بأمهات المؤمنين وليس فرضًا على المرأة المسلمة

Foto

ما الصلة بين التدين والتمسك بالتقاليد المتخلفة؟ ما معنى فرض الحجاب على الحرائر وتحريمه على الإماء والجوارى؟


«التقليديون لا يخافون عدم التدين، فهو حاضر بشكل يومى، إنما يخيفهم إعلان عدم احترام المناخ العام المحيط بالتدين» هكذا قال «منصور فهمى» «1886- 1959» فى تقديم أطروحته للدكتوراه التى قدمها إلى السوربون تحت إشراف «ليفى بريل» منذ أكثر من مئة عام فى أول ديسمبر عام 1913.

عنوان الرسالة كان «حال المرأة فى التقليد والتطور الإسلامى»، وصدرت فى ما بعد فى كتاب بالفرنسية عنوانه «أحوال المرأة فى الإسلام».


هذه العبارة المهذبة التى أراد «منصور فهمى» أن يؤكد بها أن التمسك بالتقاليد المضادة لحقوق المرأة أمر لا علاقة له بالدين ولا بالتدين ولا بالعلم ولا بالحقيقة، وهو ما أكدته بشكل عملى سلسلة العقوبات المؤلمة التى تعرض لها عقب حصوله على الدكتوراه وعودته إلى مصر، والتى تعد عنوانا لقصة مؤسفة -طويلة وذات حلقات- فى تاريخنا المصرى الحديث، قصة اسمها «تدجين الظلامية للعقل المصرى المستنير».


قبل مناقشة رسالته فى السوربون بأيام ورد إلى الجامعة المصرية تقرير -وشاية- يقول إنها رسالة معادية للإسلام كما إنها تحت إشراف أستاذ يهودى! عندئذ طلبت إدارة الجامعة منه تأجيل المناقشة إلا أنه لم يستجب، ومن ثَمَّ نوقشت الرسالة فى موعدها المحدد، بعدها عاد إلى مصر ليصدم بحملة تشنيع هائلة شنتها صحف السلطة والأزهريون والسياسيون الرجعيون ضده، وكانت الاتهامات الموجهة إليه أنه ملحد وعدو للدين ومفسد للشباب وذيل للمؤامرة اليهودية على الإسلام، كما وجد نفسه مفصولا من الجامعة المصرية كذلك!


هكذا، وبعد خمس سنوات قضاها فى باريس، درس فيها الفلسفة وعلوما أخرى كالجغرافيا الطبيعية، والفسيولوجيا، وعلم الأَجنة، وتتلمذ على يد فلاسفة وعلماء فرنسيين أفذاذ، وجد «فهمى» نفسه ملاحقا بعار تخجل منه أسرته وتوشك على التبرؤ منه بسببه، عار البحث العلمى!.

لذا وجد نفسه مضطرا تحت الضغوط للاختباء فى قريته «شرنفاس» المجاورة لـ»طلخا»، محافظة الدقهلية.

حيث عمل فى صمت المقهور بالزراعة.


ليس هذا فقط، لكنه وبعد مرور سبع سنوات من العزلة والصمت الكظيم وظنه أن فترة كافية مضت أدت إلى نسيان الظلاميين حقدهم عليه، وجد نفسه مطالبا لكى يعود إلى منصبه بالجامعة، بأن يعتذر علنا عن أفكاره السابقة ومعها كل نتائج رسالته إلى حد أنه قال: «الخير كل الخير فى أن لا تخرج المرأة من البيت ومن ميدان الزوجية ومن ميدان الأمومة حتى تسهر على راحة زوجها، والشر كل الشر هو فى سوق المرأة إلى المصانع والحوانيت مما يتنافى مع قوانين الله والطبيعة.

ومطلب المرأة بخلاف ذلك هو مطلب موهوم»!.


بعدها عاد «منصور فهمى» إلى الجامعة، ثم عُيّن عميدا لكلية الآداب، ثم مديرا لجامعة الإسكندرية، وعضوا بمجمع اللغة العربية، لكنه بعد هذا التراجع المهين لم يجنِ شيئا من عودته الأسيفة، كانت جذوة نبوغه العلمى المتقد قد أخمدت للأبد، فلم ينتج أى إنتاج علمى جديد، ولا شارك فى الشأن العام، ولم ينشر بالإضافة إلى أطروحته التى صدرت بالفرنسية فى باريس، إلا كتابا واحدا هو «أبحاث وخطرات»، صدر عام 1930، وهو عبارة عن فصول أدبية وفلسفية نشرها فى الصحف ثم جمعها فى هذا الكتاب.


فما الذى توصل إليه الباحث المصرى خلال بحث أطروحته للدكتوراه واستحق به هذا العقاب الأليم؟!
فى عودته إلى مصادر التأريخ وجد «فهمى» أن المرأة فى زمن الجاهلية، وقبل نزول الإسلام، كان لها حرية العمل بالتجارة، كما كان لها حرية اختيار دينها، ولم يكن لبسها الحجاب شائعا ولا حبيسة فى منزلها.

ورأى أن ما ذكر فى القرآن بشأن الحجاب كان خاصا بزوجات النبى وليس بغيرهن من المسلمات. واكتشف أن الحجاب لم يكن عادة عربية لكنه استُعير من شعوب أخرى مثل الترك والفرس، مما جعله يربط بين الحجاب والطبقة الاجتماعية للمرأة، مشيرا إلى حقيقة أن الحجاب لم يكن مفروضًا على الجوارى والإماء، وكان فيه تمييز للحرائر من بنات الطبقات الراقية عن سواهن من «بنات العامة»، وامتد حفر «منصور» إلى الأعمق فاكتشف أن عادة الحجاب خرجت من ميراث القبائل فى عزل المرأة بعيدا عن الحروب والأسر حتى لا تؤخذ سبيّة، أو غنيمة.


وكان «منصور فهمى» فى هذا كله يميز بين الدين الإسلامى وتقاليد المجتمع الإسلامى، فيؤكد رغبة الرسول الشديدة فى حماية المرأة وصيانتها، لكن المؤسسات الدينية والقوانين الثيوقراطية هى ما أدى إلى انحطاط المرأة، لأنها حولت سلطة الأب أو رب العائلة إلى سلطة مقدسة تتماهى مع سلطه الله، وأن هذا الوضع الاجتماعى، ومن ثَمَّ الدينى، جعل البيت هو عمل المرأة الوحيد، وكان عليها أن تنزوى فيه قهرا، ويستشهد لتأكيد ذلك بقول «أرنست رينان»: «إن المرأة العربية فى زمن محمد لا تشبه مطلقا هذا الكائن الغبى الذى يسكن قصور الحريم فى عهد العثمانيين».


وهذا صحيح، لكن قوانين وتقاليد الأبوية التى أنتجتها السلطة الذكورية عبر قرون ما كانت لتسمح بإنقاذ المرأة من وضعها المنحط بسهولة، ولا تسمح لرسالة مثل رسالة «منصور فهمى» خرجت فى هذا الزمن المبكر من بداية القرن العشرين أن تصدح بحقيقة أُهيل عليها التراب لأربعة عشر قرنا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات