.

كلمنى عن الخصوصية!

Foto

هل انتهى عصر الخصوصية؟ هل أصبح العالم فى حاجة إلى مزيد من القوانين لحماية الخصوصية؟


الخصوصية ضرورة؛ هى جزء من الاحتياج الإنسانى، والفصل ما بين الحيز العام والخاص، يعنى هيكلة علاقة الفرد والمجتمع، وهناك مفارقة تحكم الموضوع، فالإنسان حين يبالغ فى الخصوصية، يقوض فرص إقامة مجتمع سياسى سليم، وعندما تذوب فواصله عن هذا الجمع يصبح أكثر عنفا وأقل اجتماعية، وتاريخ البشر يتأرجح بين الناحيتين.


فى القديم كان الحرمان من المشاركة العامة نقصان من الإنسانية، والتباين بين المجتمعات فى تقلص مساحة أو تغول الأخرى مرصود بالدراسات والآثار. يؤرخ ظهور الدولة القومية بتولد مفهوم المجال العام، وتشير ما بعد الحداثة إلى نوع من الانكفاء على الذات، ويعد الفصل بين المجالين محوريا فى المعتقد الليبرالى.

هناك أربع وظائف للخصوصية على رأسها تفادى ضغوط الآخرين، والديمقراطية توفر فضاء حميما للنشاط الإبداعى لكنها قد تتجاوز إلى حيز غير إيجابى لما تجور مثلا على حق المجتمع فى حماية نفسه بحجب المعلومات التى نراها شخصية، أو تنتج ضررا يراه مجتمع أنه ضرر أخلاقى أو سياسى أو اجتماعى، وهنا المفارقة أو المراوغة الناشئة بين طرفى المعادلة، والذى تنتج بسببه أسئلة أخلاقية واجتماعية متعلقة بكل ثقافة على حدة، يعنى العلاقات المثلية أو الإجهاض، خصوصية فى مجتمع، وتخص المجتمع فى مكان آخر.


إقرار الخصوصية بالقانون والاعتراف بها كحق قائم بذاته، له نشأة أمريكية، فى أخريات القرن التاسع عشر، مقال نشر فى دورية «هارفارد» عقب اختراع السيد كودك للكاميرا، وفى فرح ابنة محام شهير، تسلل إليه نفر من ما يشبه الصحافة الصفراء، فكتب الأب ومحام آخر مقالا يندد بانهيار الخصوصية المترتب على بدعة كودك، وبنى على خصوصية الملكية التى يقرها القانون العام والمحاكم، ديباجة أفحمت المحكمة والمجتمع. لكن المرجح أن السبب الحقيقى وراء المقال، ثرثرات نشرتها صحف ذلك الوقت عن المجتمع الراقى فى بوسطن، وأيا كان الدافع، فالمقال أحدث دويا.


ومنذ ذلك التاريخ وتحديد نطاق الخصوصية قانونًا، فى شد وجذب فى أرجاء الدنيا، وإن صار أكثر اقترابا من معنى حماية كرامة الإنسان وعدم المساس بحرية الآخرين. فالألمان، كسياق عام، يقرون بأحقية كل شخص فى التطوير الحر لشخصيته ما دام لا يعتدى على حقوق الآخرين، وللمرء ثلاثة نطاقات محمية: حميمى، وخاص، وفردى.

وفى فرنسا ينص الدستور على مفهوم الحرية الفردية، ويرفع منها كقيمة، علاوة طبعا على احترام الحياة الخاصة، والهوية الشخصية وما لهما من حرمانية الانتهاك. وفى إيطاليا الخصوصية من مقومات الفرد، ممنوع الاقتراب منها من بعيد أو قريب، وعلى نفس المنوال هولندا التى تشترط أن الحق فى حرية التعبير لا يبرر الاعتداء على الخصوصية.


اكتسبت الخصوصية الآن بُعدًا دوليًّا وصارت ضمن حقوق الإنسان، وعلى ذلك فإن المجتمعات المتطورة ملزمة بالكشف عن أى انتهاك مراقبة تضطر إليه، وفى حال عدم الإعلان يلجأ الناس إلى المحاكم التى تطورت تشريعاتها فى محاولة اللحاق بتطور أدوات «الأخ الأكبر»! هناك ترسانة من القوانين حتى مع وجود الحرب على الإرهاب، باشتراطات لا بد منها حتى يتسنى مثلا مراقبة التليفونات، هناك حد أدنى من التوقعات المشروعة للحفاظ على الخصوصية.


فى مجال المشاهير الأمر أوضح. فى أحد الأيام التقطوا صورة لناعومى كامبل، خارجة من اجتماع جمعية المدمنين المجهولين، نشرت الديلى ميرور الصورة مع مقال إن ناعومى مدمنة.

نفت العارضة الشهيرة أمام الإعلام ورفعت قضية خسرت فى المستويين، المحكمة رأت أنها كذبت، لكنها صعدت وكسبت أمام مجلس اللوردات، وحصلت على تعويض لانتهاك الخصوصية حتى لو مدمنة.

نفس الأمر جرى فى حفل زفاف مايكل دوجلاس وكاترين زيتا جونس، اللذين حظرا التصوير الفوتوجرافى لتعاقدهما حصريا مع إحدى المجلات، وفى نفس الأمر قضايا كسبتها أميرة موناكو كارولين والتى كانت قضيتها تعتبر نقطة فاصلة؛ حيث التقط المصور يوما كاملا فى حياتها، مع أولادها فى مطعم، وكان جزء من الصور لنشاطها، ومع ذلك قالت المحكمة إن الخط الفاصل بين الخصوصية وحرية التعبير هو ما قد يفيد المصلحة العامة، والصور لم تفعل وحكمت لكارولين.


من وجهة نظر كثيرين انتهى عصر الخصوصية وعلينا أن نتكيف، لكن جماعات وجمعيات لن تسلم، رافعة معايير الخصوصية المعلنة فى مدريد منذ ٢٠٠٩، حيث دعت لإطار دولى لحماية الخصوصية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات