.

ما بين السُّخرة الصريحة والسُّخرة المُقنَّعة كان الحفر الأول

Foto

وصل عدد العمال المصريين إلى ما يتجاوز السبعة آلاف، ووصل إلى أربعة عشر ألفًا فى نهاية عام ١٨٦١؛ نتيجة إكراه الحكومة المصرية لهم دون أن تسفر عن هذا التدخل


بدءًا من أبريل ١٨٦١، صار الاعتماد على المصريين فى حفر قناة السويس شبه كامل، فى حالة هى «الرق بعينه» كما وصفها أحد البرلمانيين البريطانيين بمجلس العموم البريطانى فى جلسة ٢١ يونيو ١٨٦١، وكان هذا بدءًا لسلسلة طويلة امتدت خمس سنوات لما يلاقيه الفلاح المصرى فى شق قناة السويس.

وانفرد النائب «جريفث» بأسئلته عن السخرة غير العادية، حتى إن جريدة شركة القناة راحت تهاجمه سخرية مما سمته «حب جريفث للإنسانية».

وصل عدد العمال المصريين إلى ما يتجاوز السبعة آلاف، ووصل إلى أربعة عشر ألفًا فى نهاية عام ١٨٦١؛ نتيجة إكراه الحكومة المصرية لهم دون أن تسفر عن هذا التدخل، ولتضارب المصالح لعبت الصحف الإنجليزية دورًا فى الكشف عنه وبمقالات لا تكتفى بالهجوم على سعيد، بل تصف الأوضاع غير الإنسانية للعمال المصريين الذين أجبروا على هجر قُراهم وزرعهم دون أوامر مكتوبة، بل يسحبون سيرًا على الأقدام مربوطين كالجمال أو كقطعان العبيد فى إفريقيا، يموتون عطشى فى ساحات الحفر.


كانت الشركة قد بدأت الحفر دون أن تحفر قناة للماء العذب تبرع لها سعيد بمساحات شاسعة من الأراضى، كان اتساعها لافتا للنظر، وتوغل الحفر فى صحراء قاحلة دون تأمين شربة مياه للعامل. وبنفس نظام السخرة، أرسل سعيد ثلاثة عمال لحفر ترعة المياه العذبة فى أبريل ١٨٦١ من القصاصين، وتمكن ديليسبس بتودده الزائف لسعيد، من رفع الرقم إلى عشرة آلاف فلاح تم سحبهم من الزراعات، ليعملوا دون أى شرط تم الإعلان عنه فى ما سبق كما فى اللائحة المزعومة، فتعالَت معارضة الإنجليز والباب العالى فى القسطنطينية؛ ما دفع سعيد إلى حيلة جديدة، وتزوير لوائح وعرائض وقع عليها عمد وشيوخ القرى، يدَّعون فيها أن الفلاحين إنما ذهبوا طواعية وأنهم مقبلون على ذلك لما يجدونه من حقوق.

وقَّع ٢٩ من العمد والمشايخ على عريضة تقول: «نحن الموقعين على هذا أدناه مشايخ قرى مديريتى روضة البحرين والدقهلية، والذين نشتغل فى أعمال ترعة الماء العذب فى إقليم الوادى، نقر ونشهد أن العمال والفلاحين الذين يعملون تحت إشرافنا يُثنون على الطريقة التى يُعاملون بها، فضلا عن أن أحدًا منهم لم يتقدم بأى شكوى من حيث الطعام أو دفع أجورهم إليهم، وهم يتمتعون جميعًا بصحة جيدة».

وتلا ذلك عريضة أخرى وقَّع عليها ٢٨ من رؤساء العمال من القليوبية وزفتى وإبيار ومنوف وفيشت، وتوالت الشهادات الزور المتواطئة فى الكذب حتى التأكيد أن عاملا واحدًا لم يمت فى الوقت الذى كانت الأوبئة تفتك بالفلاحين.

توالى ديليسبس فى إرغام سعيد على زيادة أرقام الفلاحين، بمتوسط عشرين ألفًا شهريا، حتى بدأ وزاد أن اتجه إلى إرسال خمسة آلاف جندى مصرى كحشد إضافى، وبدأت حركات عصيان وتمرد وهروب، بدأ هروبا فرديا ثم تحول إلى هروب جماعى حتى لجأ ثلاثة من أعلام القانون الفرنسى إلى إقامة دعوى ضد «الفرمان السعيدى» فى ٢٣ مايو ١٨٤١، الذى حول المصريين إلى قطيع من الأغنام.

لكن الشركة الفرنسية لم يكن لها هاجس إلا التحايل على المعارضة الدولية التى فى جوهرها لم تكن أكثر من تضارب مصالح سياسية، لتستمر كارثية الأوضاع التى يُسخر فيها العمال والفلاحون وحتى الجنود، ويستمر الموت حاضرًا بالعطش والأوبئة، وعلى رأسها التيفوس والتيفود والكوليرا والبرد والتعب والجوع.

كان العامل يتقاضى عن حفر ورفع خمسة وعشرين مترًا من الأرض الصخرية فقط ٥٧٧ مليمًا، فى حين كان الرقم الذى حملته اللائحة الوهمية المعلنة فى مايو ١٨٥٦، أربعة قروش يوميا، وليستمر الأمر ما بين سخرة صريحة وسخرة مُقنَّعة.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات