البخارى.. إشكالية السَّند والمتْن!

Foto

هل كان الصحابىُّ أبو هريرة يُكثر من الرواية عن كعب الأحبار؟ لِمَ تكلّفَ شُرّاحُ البخارىِّ فى التأويل بما تنكرُه اللُّغة ولا يستقيم مع القرآن؟ هل كان البخارىُّ أعلم من الصحابة بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟


كنتُ فى أثناء الدراسة بالأزهر أعجبُ من كُتب الأزهريين التى تُقرّر علينا كلَّ عام، فهى كغيرها من كتب المقلّدين الذين ينبذون القرآنَ ويحفلون بكلِّ حديثٍ وإنْ تمحّلوا فى تصحيحِ سلسة سنده وتعديلِ رجاله وتوثيقهم، وكنتُ أعجب أكثر عندما ندرسُ الإسرائيليات وحياة أشهر مَن عُرِف بروايتها كوَهْبِ بن مُنْبه اليمانىّ وأخيه همَّام، وكعب بن ماتعٍ الحِميرى المعروف بكعب الأحبار الذى كان صديقًا للصّحابى كثير الرواية أبى هريرة وناقلا إليه أخبار بنى إسرائيل الأوائل وعجائب قصصهم الذى حفظه ذلك الصحابى فطفق يُكثر من الرواية والتحديث بين حينٍ وحين.


ولقد كان العجب والذهول يستحيلان شيئا فشيئا إلى علاماتِ استفهامٍ كُبرى فى ذهنى، إذ كيف ندرسُ تراجمَ أقطاب الروايات الإسرائيلية ثمّ نغضّ الطرْف عمّن روى عنهم وأخذ منهم لمجرّد كونه صحابيًّا لازم الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين دون أن نُدقّق فى كلّ حديثٍ رواه، فنعرضه على آى القرآن، أو نختبره بالبرهان العقلىّ والسّنن الكونية الثابتة، وكذا الطبائع النفسية والاجتماعية؟!


روايةُ الصحابىّ –إذن– ليست حُجَّة إذا خالفت ظاهرَ القرآن وإنْ وثّقها رجالُ الجرح والتعديل فرُبّ راوٍ يُوَثَّق للاغترار بظاهر حاله فيما هو سيئ الباطن، وليس بأدلّ على ذلك من قول العلماء فى وهب بن مُنبه –تمثيلا لا حصرًا– فبالرغم من أنّنا درسنا أنّه قطبٌ من أقطاب الرواية الإسرائيلية فإنَّ عددًا غير قليل من العلماء قد وثّقه، فهاهو ذا ابن حبان قد ذكره فى الثقات، وقال العجلىّ عنه: تابعىّ ثقة، وكذا النّسائىّ وأبو زرعة، كما روى البخارى من طريق همّام بن مُنبه أخى وهْب برواية أبى هريرة عندما تعرّض لتفسير الآية الكريمة: «وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حِطّة»: «فدخل بنو إسرائيل يزحفون على أستاهم وقالوا: حبّة فى شعرة وفى رواية شعيرة»! فانظر كيف حوّلت الرواية الإسرائيلية التى نقلها أبو هريرة معنى «حِطّة» وهو الدعاء بأنْ تحطّ عنهم أوزارهم وخطاياهم إلى حبَّة فى شعرة!


فكم من حديثٍ فى صحيح البخارى لا يخلو من مشكلات معنوية وغرائبية بالرغم من اشتهار البخارى بشدّة تحرّيه فى الرواية! غير أنَّ هذا التحرّى فيه نظر، فالبخارىُّ قد أكثر من الرواية عن أبى هُريرة الذى أكثر بدوره فى النهول من كعب الأحبار والأخوين ابنى مُنْبه اليمانىّ، فالبخارىّ فى سعيه لجمع المرويات وأسانيدها لم يتنبّه إلى الراوى الأعلى بقدر اهتمامه برجال الإسناد الذين هم بشرٌ يُصيبون ويُخطئون وليس لنا سوى ظاهرهم فى ما قد يكون باطنهم سيئًا، ولو أنّ البخارىّ انتقد مروياته من جهة فحوى متنها كما انتقدها من جهة سندها لقضت المتون على أسانيده تلك بالنقض. ولقد أحسّ شُرّاح البخارىّ بمُجافاةِ بعضِ أحاديثه للقرآن والعقل فتكلّفوا فى التأويل بما تنكره اللغة ولم يكن ذلك إلا لتقديسهم مرويات البخارىّ بأكثر من تقديسهم للقرآن الذى جعلوه وراءهم ظِهْرِيّا، فهم ينظرون إلى أحاديث البخارىّ من وراء حُجب التقديس له وكأنه القرآنُ لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه!


ولم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من أحاديثَ، فها هى ذى صحيفةُ الإمام علىّ بن أبى طالب لا تكاد تشتمل إلا على بعض الأحكام التى تواترت أخبارُها، بل إنّ بعض الصحابة كعمرَ بن الخطاب قد نهى عن كتابة الأحاديث وتصدّى لمن أكثر منها، فلم يكن كثيرٌ من الصحابة يحفظ أحاديثَ النبى صلى الله عليه وسلم ولم يلقّنوها للناس، ولم يرقّشوا دين الإسلام بالروايات كما رقشه المحدّثون برواياتهم التى تخالف القرآن ورُوحه وألفاظه المتبادَرَة لا المُؤوّلة والموجّهة مذهبيًّا وعقائديًّا.


إنَّ المنهج الذى اصطنعه البخارىُّ فى جمع الأحاديث ليس كافيًا إذ إنَّه يعتمد فى المقام الأوّلِ على السند واتصاله، وضبط الرواة العدول ذوى المروءة والخلو من الشذوذ والعلّة دون النظر إلى تعارض المتون مع آى القرآن وكذا مع العقل والعلم والسُّنَنِ الكونية، وليس بأدلّ على ذلك من أنّ الإمام مسلما لم يأخذ عن بعض الرجال الذين روى عنهم البخارىّ وكذا لم يروِ البخارىّ عن بعض رواة مسلم فالأمر كما ترى حسب اجتهاد كلّ أحد ومدى اقتناعه بمَن يروى عنهم وليس محلّ تقديس كما هو الآن، ومن قبل البخارىّ لم يقتنع أبو حنيفة ببعض الرجال الذين روى عنهم البخارىّ وكذا مالك إمام دار الهجرة فالأمرُ كما قلنا إنَّما هو محلّ اجتهادٍ واقتناع، من هنا كانت أحاديثُ الآحادِ حُجّةً على مَن ثبتت عنده واطمأنّ قلبُه بها وليست حُجّة على غيره ولا يلزمه العمل بها، فمَن وثق بروايات الآحاد: رواية ودلالة فليعمل بها دون أنْ يحمِلَ غيرَه على العمل بها، ودون أن يجعلَ منها تشريعًا عاما بالرّغم من اعتراض أصحاب الاتّجاه النّصّى على ذلك.


إنَّ المنهجَ النقدى الذى أسّسه البخارىُّ ليس كافيًا لاعتماد تلك الجمْهَرة من الأحاديث، كما لا أُنكرُ أنَّه منهجٌ أثرى علومَ الفقه والتفسير والتاريخ، لكنه كان مقتصرًا فى اعتماد المنهج السوسيو – سياسى، لذا اختلف المحدّثون واختلفت درجاتُ أحاديثهم وَفْقًا لانتماءاتهم الأيديولوجية من سُنّة وشيعة، ومعتزلة وخوارج، فلم يضع البخارىّ وغيره أحوالَ الرُّواة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى حُسبانه بل اعتمد حُسن السير والسلوك «..» وبقية الصفات الظاهرة دون الباطنة، وقد تنبّه العلامة ابن خلدون فى مقدّمته لذلك المنهج لكنه لم يستخدمه بشكل مكثّف، فقال: «وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسِّرين وأئمةِ النقل المغالط فى الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثًّا أو سمينًا، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبَروها بمعيارِ الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة فى الخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا فى بيْداء الوهم والغلط». [مقدّمة ابن خلدون: ص 291 ط نهضة مصر].


ولا يظنّن أحدٌ أنّا نقدح فى الصحابىِّ أبى هريرة، بل إنّنا نبغى تجليةَ الحقيقة دون اعتبارٍ لقداسة أحد أو عصمته، فلم أقصد إلى تجريح الرجل كما فعل أبو ريّة فى كتابه «أضواء على السنّة المحمّدية» فأكثر من النقول الخاطئة المقتطعة من سياقها، ودلّس فى نسبتها إلى رواتها وغير ذلك ممّا يُجافى رُوحَ البحثِ العلمى فبدا الأمر كما لو أنه عداءٌ مستحْكَم مع أبى هريرة، لكننا نتحامَى عن تجريحِ الرجل لأنّ له مروياتٍ كثيرة لا نشكّ بصحتها، إذ تشارك معه فيها صحابةٌ آخرون، غير أنّ طائفة أُخرى من أحاديثه لا تلقى ترحيبًا إذا هى قيست بمنظور ألفاظ القرآن المتبادَرَة التى كان يفهمها العربىُّ وقتئذ دون افتئات مذهبٍ نحْوىٍّ أو فقهىٍّ أو عقَدىٍّ، وكذا إذا قيست بمنظور العقل والعلم، فلا شكّ أنّ أبا هريرة قد أُوتى قوةً حافظة لم تتيسّر لكثير من الصحابة الذين سبقوه فى الإسلام لكنّه لكثرة مروياته كان يُخطئ ويتوهم كما فى حديث البخارى: «إنّ الله خلق آدمَ على صُورته» «!!» فهذا الحديث له نصّ موازٍ له فى الإصحاح الأوَّل من التوراة: «وخلق اللهُ الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه» «!!» ومما يثير الدّهش أنَّ أصحابَ الاتجاه النَّصِّى حين ردّوا على ذلك تمحّلوا واعترفوا أنّ فى التوراة ما هو حق ما دام يصبّ فى مصلحتهم ويؤيّد أحاديثهم المقدّسة، كما تمحّلوا وتكلّفوا فى الرّد على حديثٍ آخر لأبى هريرة رواه مسلم دون البخارى وهو حديث: «خلق اللهُ التربةَ يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشَّجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النورَ يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدّوابَّ يوم الخميس، وخلق آدمَ بعد العصر من يوم الجمعة» «!!» فالحديثُ كما ترى نشمُّ فيه رائحة الإسرائيليات التى تبين جليّة فى أسلوبه ونظْمه، ومع ذلك ناصره أصحابُ الاتّجاه النّصَّى ووافقوا على صحّته لمجرّد أنّ إسنادَه صحيحٌ عندهم وبمقاييسهم التى ابتدعوها ولم تنزل بوحى من السماء.


ولقد صدق السيد محمد رشيد رضا، وهو المحدّث السلفىّ المحافِظ، حين قال: «أكثر ما رُوى عن أبى هريرة من الأحاديث المرفوعة لم يسمعه منه صلى الله عليه وسلم، ولذلك روى أكثره عنه بالعنْعَنة، أو بقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقلّه بلفظ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول كذا، وقد روى عن بعض الصحابة، وقد ثبت أنه روى عن كعب الأحبار» [تفسير المنار: مجلّد 5 / 398].


قصارى القول، فإننا لا نميل إلى تأويلات النّصّيّين وتكلّفهم فى دحض الشبهات والمشكلات التى أُثيرت حول بعض متون البخارى، كما أنَّنا مع تقديرنا للرواية نرى أنَّها لا تخلو من بعض ضعف لعدم تقييدها بالكتابة، لذلك حرص الصحابةُ على جمع القرآن ولم يحرصوا على جمع السُّنّة مهما حاول المتكلّفون الرّدّ بأنّ السّنة قد جُمعت هى الأخرى قبل القرن الثانى الهجرى، فكما قلنا آنفًا إنّ الأحاديث التى جُمِعت فى بعض الصحائف كصحيفتى على بن أبى طالب وعبد الله بن عمر لم تكن كثيرةً كالأحاديث المبثوثة فى بطون الكتب الآن، لذا قال الجاحظ وهو يصطنع منهجه النقلى: «إنّ الكتابَ أحبُّ إليه من الحفظ، لأنَّ الأعرابىّ ينسى الكلمة قد سهر فى طلبها ليلة، فيضع موضعَها كلمةً فى وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا يُنسى، ولا يُبدِّل كلامًا بكلام» فاعتبروا يا أولى الألباب!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات