.

الإرهاب الظاهر والمستتر فى خطبة الجمعة

Foto

كيف يُزرع الإرهاب فى نفوس المسلمين؟ هل الإرهابيون هم حاملو السلاح فقط؟


المسجد من أهم المصادر التى يتوجّه إليها المسلمون لتعلُّم الدين الإسلامى، فأبسط مظاهر التديُّن لدى المسلم هو ارتياد المساجد للصلاة، وتعد صلاة الجمعة من شعائر الدين المهمة، وأهم ما يميزها هو خطبة الجمعة التى ينصت فيها المصلون إلى الخطيب، بل تصل إلى الناس فى جميع البيوت المحيطة بالمسجد أو الزاوية، ولأن المساجد كثيرة ومنتشرة ويكاد لا يخلو شارع من مسجد، فإن خطبة الجمعة يسمعها غالبية الناس، وما أكثر مَن يعتمدون عليها فى تعلُّم دينهم.


ولأننا شعوب قلما تقرأ، فإننا نجد فى المسموعات عامة ملاذًا سهلاً للتزوُّد بمعرفة الدين، وأهم المسموعات الخطبة، ولا هى لا تقتصر على المساجد فقط، فمن البديهى أن تستغل التكنولوجيا بأجهزتها فى نشر «المعرفة بالدين»، والخطبة توسعت من خلالها أيما توسع، فكما انتشرت فى شرائط الكاسيت قبل انقراضها هى الآن تنتشر فى مختلف وسائط التخزين، فنراها حولنا فى كل مكان، فى المساجد والقنوات الدينية ووسائل المواصلات والموبايلات وغيرها، وأصبحت تدخل آذان الناس شاؤوا أم أبوا.


وبذلك أصبحت الخطبة ما يشكّل فكر الناس الدينى، خصوصًا فى ظل سيطرة التيارات السلفية على كل تلك المصادر.


وليست مصادفة أن الخطب الدينية تتشابه فى ما بينها بشكل كبير من حيث المواضيع ومَن تعتمد عليهم من فقهاء، بل وفى المقدمة، وحتى لحن الإلقاء نفسه، كلها أشياء توحّد مَن يعتلون المنابر.

فتوجيه الفكر الدينى إلى شعوب بأكملها فى اتجاه واحد يحتاج إلى استخدام أسلوب واحد ونقل المنهج بحذافيره، فأكثر ما يعتمد عليه الخطباء هو النقل والتقليد لمشايخهم الذين ينسخون كلام بعضهم نسخًا متقنًا، ويؤدّى هذا التشابه إلى اقتناع العامة المبنى على «اجماع» رجال الدين، تلك الكلمة التى دائمًا ما يتغنّى بها هؤلاء الشيوخ، وتشعر العامة بغلبة رأيهم وضعف رأى من يخالفهم.


وهذا الخطاب الدينى هو ما يزرع بذرة الإرهاب فى نفوس المسلمين، فنحن نلاحظ علاقة طردية بين الالتزام الدينى والتطرف، ذلك لأنه يبنى على هذا الخطاب الدينى.


فهذا الالتزام والتعمق يخرج للمجتمع السلفيين والإخوان وقد يختلفون فى ما بينهم فى المواقف السياسية، لكنهم لا يختلفون فى الآراء الدينية.


وإذا ما حللنا هذا الخطاب الدينى بما يقدّمه للعقول، نجده يعمل على إقناع عقول المتلقين بمبدأ الاتكالية على «العلماء» أصحاب اللحوم المسمومة والتنصيبات الإلهية فى معرفة كل كبيرة وصغيرة فى الدين، وبدلاً من أن تحتوى خطبة الجمعة مثلاً على تأملات فى القرآن وتدبُّر آياته والغوص إلى عمق مقاصدها وسمو معانيها التى تحرر عقول الناس من خلال أمرهم على إعمال عقولهم وتحذيرهم من اتخاذهم أولياء من دون الله، كقوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».


نجدهم يخوضون فى التفاصيل اليومية ويفرضون فتاويهم على أتفه الأمور، ولا يخلو كلامهم من السطحية والمواضيع الهامشية والمكررة، وكثيرًا ما نسمع منهم ما يضحكنا، أذكر ذات يوم سمعت أحد الخطباء فى زاوية بجانب بيتنا يفتى بكراهية مشاهدة المصارعة الحرة، قائلاً «دلوقتى لما مراتك تشوف جسم المصارع من دول العريان حتبص له وترجع تبص لك، حتقول جتنا نيلة فى حظّنا الهباب»، كما استنكر تسمية الذكور باسم إسلام قائلاً «لما حد ييجى يسأل عن إسلام ومايكنش فى البيت، اللى فى البيت حيقولوا إسلام مش موجود، يعنى إيه، الإسلام مش موجود يعنى»!


وكثيرًا ما يهتمون بالروايات الأسطورية المملوءة بالمبالغات لأناس من الأزمنة الغابرة وهم ليسوا أنبياء أو أولياء، كما لا يذكر مصادر تلك الروايات حتى أو بقصص حديثة عن المخالفين لهم، خصوصًا المتبرجات، كيف صب الله غضبه عليهن وأمعن فى تعذيبهن، ولكنها تتداول بهدف تعذية قبول الخرافة لدى العامة وكذلك تعميقًا لمبادئ الترهيب والترغيب، فيسهل اقتيادهم.


ويتركّز اهتمامهم بتحقير المرأة وجعلها تابعًا وطردها من ميادين العمل والحياة العامة والاستماتة من أجل إسدال السواد الفضفاض على كامل جسدها، وكذلك اضطهاد النصارى والإكثار من لعنهم والتحريض عليهم. كما أنهم دائمًا ما يستخدمون المنابر لخدمة أهدافهم السياسية والتأثير على أصوات الناس الانتخابية.


وأما عن الجانب النفسى فى الخطاب الدينى، فهو الجندى المجهول الذى يقتل الصفاء الروحى وطمأنينة الإيمان، ولا ينتبه إليه كثيرون. ويتم الاهتمام به كثيرًا من قبل الشيوخ، لأننا شعوب عاطفية تسود مشاعرها الهوجاء على التفكير العقلانى العميق.


ويأتى الخطاب الدينى معتمدًا على ذلك، ليهيج النفوس بمشاعر الغضب التى تكون بداية تكوين الشخصية العنيفة للراغبين فى الالتزام الدينى، والذين يميل فكر معظمهم إلى الفكر السلفى الذى يلحق كثيرين بالجماعات الدينية، فانفعال المتحدث وصوته العالى يحققان ذلك، خصوصًا أن صاحبه يربطهما بإثارة الغيرة على الدين لدى المتلقى، وذلك المزيج ينتج عنه تصديق من العقل يخالطه غضب فى النفس، كما يولد طاقة فى المتلقى تشحن كلما تعرض لتلك الخطابات الملحمية المزخرفة بالبلاغة والطلاقة اللغوية.


ولا أراها طاقة خير ناتجة من فكر سليم، فلو كانت لأخرجت للمجتمع أناسًا إيجابيين يساعدون الآخر وينشرون مبادئ المودة والرحمة والعطف على المحتاجين والانتصار للمستضعفين، لكنها توظّف فى غير ذلك، فلا نرى ممن أنتجت سوى أناس عابسين ممتلئين بالكره والفظاظة مع كل خارج عن نطاق جماعاتهم.


ولأن تحركهم على أرض الواقع لا يتم إلا بأوامر كبرائهم، فالسبيل أمامهم لتفريغ تلك الطاقة هو بكرة أهل الباطل إلى أن يحين لهم محاربة الباطل واقعًا، ويتجلّى كرههم للآخرين باعتقادهم باستحقاق مَن يخالف الدين (أى مَن يخالفهم ولو مظهرًا) بالعقاب، فتجدهم يعزون سبب مصائب الناس لغضب الله عليهم لعدم طاعتهم له، وكلنا نعرف مشاعرهم تجاه مَن يخالفونهم فى المعتقد الدينى أو المذهبى حتى وكيف يتعاملون معهم، حتى إنهم يرون التحرُّش الجنسى عقوبة يستحقها كل مَن لا ترتدى النقاب أو الخمار وهكذا. ويرافق شخصيات أولئك المنتسبين إلى تلك الجماعات كبت على كل من المستوى النفسى كما أوضحت، وعلى المستوى الجنسى، فقد تربوا على عشق المحسوسات وهوسهم بالجسد، وشيوخهم يرغبونهم بـ«الشهادة» بما فى الجنة من حور وخمور.


فإذا ما أتتهم إشارة البدء فى القتال الحقيقى وجدوا فيه متنفسًا لتفريغ كل طاقاتهم المكبوتة، مثلما رأينا كيف يحب هؤلاء قتل الأبرياء وسبى النساء.


لذلك فواقعنا ليس وليد اللحظة، وأولئك الملثمون حاملو الأسلحة لا يختلفون كثيرًا عن كثير مما نراهم حولنا كل يوم، فالفكر واحد، لذلك فالمطاردات الأمنية لا تؤدّى إلى اجتثاث جذور الإرهاب من فكر المجتمع، بل هى مناورات سياسية لا أكثر.


وعلينا أن نسأل أنفسنا: أين الأزهر كأكبر سلطة دينية فى البلد من كل هذا التضليل والخراب الثقافى؟ أين وزارة الأوقاف من أئمة المساجد وخطباء المنابر؟ أين سماحته المزعومة فيمن أنتج من شيوخ؟ وأين هم مما يحدث على مدى عقود طويلة؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات