.

اللهم ارحم جميع الموتى.. لا المسلمين فقط

Foto

لماذا يختص المسلمون أنفسهم بالدعاء؟ كيف ندَّعى أن المسيحيين لهم علينا حق فى المعاملات ونرفضهم فى الدعاء؟ لماذا يحرّم الكثيرون الترحم على أموات غير المسلمين؟ هل تستطيع التمييز بين المسلمة والمسيحية فى أرشيف صور السبعينيات؟


«اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، ولا تجعل بيننا عاصيًا إلا هديته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا عُسرًا إلا يسرته». تلك الدعوات تتردد يوميًّا آلاف المرات ويعقبها ملايين المسلمين بكلمة «آمين»، دون التأمل فى حرف «النون» الدال على الجماعة، فما الذى يقصده المُصلى بكلمة «بيننا»؟
 
هل يقصد المسجد الذى يصلّى فيه؟ أم منزله وأسرته؟ أم حيّه ومنطقته؟ أم يتجه للمنظور الدارج، الذى يعتبره البعض أحد مقاييس قبول الدعوة، ألا وهو الدعاء للمسلمين أجمعين؟
 
نتشدق بعبارات أن المسيحيين لهم علينا حق العدل فى المعاملات، ولكن كثيرين يرفضون انتهاج العدل معهم فى الدعاء، وكأن الله رب الكون لا يرغب فى الاستماع إلى دعاء أو مناجاة تخص غير المسلمين! وكأنه لن يستجيب بخيره وفضله وكرمه إلا للمسلمين فقط! وللأسف، هناك مَن يعتلى المنابر ويقتنع بهذا المنطق السفيه ويروّجه.
 
هؤلاء الذين يرفضون الدعاء لغير المسلمين بالشفاء أو الرزق أو الرحمة، هم الذين يحرّمون تهنئتهم بأعيادهم أو مشاركتهم أفراحهم أو السير فى جنازات موتاهم، هم الذين يحتكرون الإيمان بالله، عز وجل، وكأن معهم صكوك الجنة وسُبل الوصول إليها.
 
الله، سبحانه وتعالى، وصف نفسه بـ«السميع المُجيب»، أى صيغة مبالغة تعنى كثرة الاستماع، ومن ثم الاستجابة، فبأى حق يظهر مَن يُحرّم الدعاء لغير المسلمين؟ ويظل يردد صيغة ثابتة للدعاء تختص المسلمين دون غيرهم؟
تلك الصيغة التى تختص المسلمين فقط، إن دلَّت فإنما تدل على عنصرية صريحة تزدرى الدين الآخر وتحقر من شأنه، ثم يعود المسلمون لتأكيد احترام المعتقدات الأخرى، أى احترام هذا الذى يجعلك لا تتمنى الشفاء أو الرزق لجارك لمجرد أنه يخالفك فى الديانة!
 
والدين أوصى على الجار بغض النظر عن دينهم أو توجههم، فالقرطبى قال إن «الوصية بالجار مأمور بها مندوب إليها، مسلمًا كان أو كافرًا، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، أو حُسن العشرة، وكفّ الأذى»، وعن السيدة عائشة، رضى الله عنها، قالت عن النبى، صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، فهل اختص النبى الجار المسلم فى حديثه حتى يختص المسلمون أنفسهم بالدعاء ويتجاهلون أصحاب الديانات الأخرى؟!
ومن الآراء المتداولة فى هذا الصدد هو عدم وجوب الدعوة لغير المسلمين سوى بالهداية. وهنا يظهر التعالى والجمود الفكرى فى أبهى صورهما، فهل يتقبل المسلم أن يسمع من البهائى أو الهندوسى أو المسيحى دعاء: «الله يهديك»؟! بالطبع، كلنا نتمنى الهداية إلى الطريق المستقيم، لكن علينا تقبل اختلاف الآخر، حتى إذا كان الاختلاف عقَديًّا، وقبول الآخرين لا يعنى أن ترمقهم بنظرات استهجان، وتتبعها بعبارة: «الله يهديكم»، ولا يعنى أيضًا أن تخرجهم من رحمة ربنا ولا تشملهم بالدعاء.
 
المنظور المتعالى لن يصب فى صالح الدين أو الدعوة إليه، فإيمان المُسلم بربّه ورسوله وعقيدته أمر لا يتنافى مع احترامه للعقائد والديانات الأخرى، ومما لا شك فيه أن المُسلم متيقن من رحمة الله، عز وجل، ولكن مسلمين كثيرين سلَّموا آذانهم وعقولهم لأشخاص أطلقوا على أنفسهم لقب «شيوخ»، ادّعوا أن رحمة الله تعالى لن تشمل غير المسلمين؛ لذلك حرَّموا الترحم على أموات غير المسلمين.
 
واستندت بعض الآراء إلى الآية الكريمة: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ» «التوبة: 113». وهنا يجب أن نتساءل: ما تعريف المشركين؟ وما الأساس الذى اعتمد عليه الشخص فى اعتبار أهل الكتاب من أصحاب الجحيم؟ وهل هذه الآية الكريمة فى سورة الأعراف: «وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» ليست كفيلة بالدعاء لأموات غير المسلمين بالرحمة؟! فمَن أنتم حتى تَحرموا آخرين من رحمة الله، عز وجل؟! هل يُعقل أن لا أتمنى وأتعشم فى أن يتغمد الله موتى غير المسلمين برحمته؟ هل يُعقل أن رحمة الله «الرحمن الرحيم» تقتصر على طائفة واحدة من البشر بينما يتوعد للغالبية العظمى من البشرية بالعذاب والجحيم ونار جهنم؟! هذه الصورة البغيضة لا تتناسب مع إله العدل والرحمة الذى خلقنا جميعًا.
 
تلك الوجوه المتشددة التى ظهرت مؤخرًا وتحدثت باسم الإسلام جعلت العالم كله ينظر للمسلمين وكأنهم «أعداء للإنسانية» يكرهون كل مَن خالفهم الرأى، ولا يتمنون الخير سوى لأنفسهم، ويعتبرون البشر كلهم يسيرون فى دروب خاطئة، بينما هم فقط يسيرون على طريق الله، عز وجل، ولا لوم على كل مَن يتبنى تلك الانطباعات الخاطئة، فالوجوه المتشددة قدّمت أسوأ دعاية لدين الله، وكانوا أول مبررات الإسلاموفوبيا.
 
الغريب حقا أن المسلمين يطالبون بالتوسع فى بناء المساجد بالبلدان التى يسمونها «كافرة»، ويرتدون الزى الإسلامى للنساء والرجال هناك دون اعتراض من أحد، ويوزعون القرآن مجانًا فى الشوارع، ويدعون بكل حرية لدينهم، فى الوقت الذى تظهر طائفة -ليست بالقليلة- تشمت فى بلاد الغرب إذا أصابتها الزلازل والأوبئة؛ نظرًا لأنهم «كفار ومشركون» وفقًا لنظرتهم الكريهة السطحية، وفى نفس الوقت يتسلمون من حكومات تلك الدول المعونات الاجتماعية والخدمات الصحية والتربوية من أموال دافعى الضرائب غير المسلمين.
 
كثير من المسلمين ينتقدون الأديان الأخرى -غير الإسلامية- بكل حرية، ويصفونها بـ«المنحرفة» ويتهمون نصوصها بـ«التحريف»، لكنهم لا يقبلون أن ينتقد أى شخص الإسلام أو يعترض على تفسير إحدى آيات القرآن، أو يسلط الضوء على الفتوحات الإسلامية ويدينها، فى رسالة صريحة ضد الاختلاف. بعض المسلمين يعتبرون أنفسهم الأحَق بانتقاد المجتمع والآخرين، بينما يحصنون أنفسهم من الانتقاد والهجوم. وباستعراض حال الدول الإسلامية الجامدة الرافضة للاختلاف، نجد أن أبناء الغرب -الذى يعتبره البعض كافرًا- سبقونا فى المجالات السياسية والتربوية والعلمية والاقتصادية، ونجد أيضًا أن البلاد الإسلامية لم تتحصن من الخطيئة والفحشاء، بل شهدت زيادة فى نسب التحرش والاعتداءات الجنسية والأمية.
 
للأسف، فى الدول العربية والإسلامية مَن ينتقد الإسلام أو تفسير آيات القرآن أو بعض الأحاديث المنسوبة لنبى الإسلام، أو يطالب بتجديد الخطاب الدينى، يجد نفسه مهددًا بالسجن أو التكفير، ومن ثم القتل، فقد قتل المتطرفون من الجماعات الإسلامية والسلفية عددًا من المفكرين والكُتاب؛ أمثال فرج فودة، وحاولوا اغتيال الكاتب الروائى نجيب محفوظ، وأهدر الخمينى دم الكاتب الباكستانى سلمان رشدى، وتم التنديد بالمفكر نصر حامد أبو زيد، فهاجر بلاده خوفًا من القتل، وسُجن الباحث إسلام بحيرى لمدة سنة لمطالبته بتنقيح كتب البخارى ومسلم من الخرافات التى تسىء للإسلام، وحُكم على الشيخ الأزهرى محمد عبد الله نصر بالسجن خمس سنوات لمطالبته بتنقية كتب التراث، واغتيل الرئيس أنور السادات، وتحمل مسيحيو مصر ما لم يتحمله بشر من جرائم طائفية كثيرة، استهدفت قتلاً وحرقًا وتفجيرًا.
 
فى الواقع، القرآن الكريم وضع قواعد واضحة للعائلة البشرية، وأعلن الإسلام أن الناس جميعًا خُلقوا من نفس واحدة، وهذا يعنى وحدة الأصل الإنسانى؛ فقال الله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحامَ إن الله كان عليكم رقيبًا» «سورة النساء: الآية 1». والناس جميعًا فى نظر الإسلام هم أبناء هذه العائلة الإنسانية، وكلهم لهم الحق فى العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز، فالإنسان مكرم فى نظر القرآن الكريم، دون النظر إلى دينه، أو لونه، أو جنسه؛ قال تعالى: «ولقد كرَّمنا بنى آدم» «سورة الإسراء: 70». وما اختلاف البشرية فى ألوانها، وأجناسها، ولغاتها، إلا آية من الآيات الدالة على عظيم قدرة الخالق، تعالى، ورسالة واضحة بضرورة التعايش السلمى وتقبل الاختلاف واحتواء المخالفين فى الرأى.
 
كثيرون ينبذون التشدد رغم أنهم يمارسونه يوميا دون قصد، فالتشدد ليس تكفيرًا أو قتلاً أو اعتداءً فقط، ولكن التعالى على الآخرين تشدد أيضًا، وازدراء الأديان الأخرى تشدد أيضًا، والشماتة فى مصائب المختلفين تشدد أيضًا، وعدم تمنى الخير للآخرين تشدد أيضًا، واختصاص المسلمين وحدهم بالدعاء تشدد أيضًا.
 
عزيزى القارئ، انظر إلى السيدات فى أرشيف صور السبعينيات وما قبلها، أراهنك أن تستطيع التمييز بين المسلمات والمسيحيات، واليوم أيضًا انظر إلى وجوه المسلمين والمسيحيين، أتحداك أن تجد تمييزًا بينهما، فالله، سبحانه وتعالى، خلقنا سواسية، ونحن مَن فرقنا أنفسنا بأنفسنا حتى فى الدعاء؛ لذلك يجب أن نعود إلى هُدانا، ونسأل الله أن يشفى كل المرضى ويرحم كل الموتى ويرزق الجميع ويبارك لنا فى حياتنا، ويكفينا نيران التطرف والفتن والجهل.. آمين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات