.

خربشات.. الحيطان

Foto

الجرافيتى.. تعبير أم تواصل؟ الجرافيتى.. من يتكلم وإلى أين ومتى وكيف؟ كيف استخدم العراقيون الجرافيتى فى محاربة العدوان الأمريكى عام 1997؟


فى باريس، كما لكل شىء متحفه، لخربشات الحيطان متحفها، يؤرّخون لها من منتصف القرون الوسطى وحتى القرن العشرين. الجرافيت -الكتابة على الجدران- هامش تجاوز الهامش. فى أمريكا وفرنسا يمزجون فى دراساتهم للكتابة على الجدران، بين النص والصورة والكاريكاتير. أصبح لفن الجرافيت قوته المعترَف بها فى سياق التواصل. عربيًّا كان للحظات الثورة فضلها فى إبراز فن «الجرافيت».

فى التاريخ لفن الجرافيت، يشير بعض الباحثين الغربيين إلى إشارات وجوده بمصر الأهرامات، والسودان وسوريا والأردن. الأزمات السياسية تنعش فن الجرافيت، كما كان الأمر إبان ثورة الجزائر أو حربها ضد الاحتلال الفرنسى.

فى الخليج العربى تكاد تنعدم الكتابة على الجدران. الباحث المغربى الدكتور أحمد شراك، توقف عند الجرافيت، كهامش للتعبير المتداول، وتأمل وتفحص بمنهج وأدوات، ولاحظ ضمن ما لاحظ أن «جرافيت» واحدة ووحيدة كانت مكتوبة بأصابع اليد على غالب كسر الزجاج الأمامى لسيارة تركها صاحبها لزمن فى العراء، ما أغرى أحد المارة بتبنى حالها ليكتب فوق الغبار بأصابعه رسالة على لسانها: «يا صاحبى لماذا هجرتنى؟ أنا فى حاجة إلى غسيل ونظافة».


العراق شرَّع الكتابة على الجدران لما دعا سعدون حمادى، رئيس البرلمان أو المجلس الوطنى العراقى عام ١٩٩٧، عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، إلى أن يكتب الجميع فوق الجدران، جدران المنازل والإدارات الحكومية، والمدارس والجامعات، على الأرض وفوق الأرصفة، حتى يكتسى كل المجال البصرى، فوق وتحت، عموديا وأفقيا، بعبارة واحدة، هى «تسقط أمريكا»، وأن يستخدم العراقيون كل اللغات خصوصًا العربية والإنجليزية. كان ذلك فى أثناء الخلاف بين مجلس الأمن الذى تزعمته أمريكا وبين العراق، حول طرد المفتشين الدوليين. استقى العراق هذه الدعوة من تجربة صينية، عام ١٩٥٧.

الأبحاث حول لغة وسياقات الجدران، تعددت وتنوعت فى فرنسا، واختارت زوايا متعددة، كالعلاقة بالمجتمع، أو تنوع العقليات على امتداد تاريخى معين مع المقارنة، وطرح أسئلة حول: من يتكلم؟ وإلى أين ومتى وكيف؟ وأنواع الموضوعات وخلفياتها. واحدة من رسائل الدكتوراه ميزت بين أنواع من الكتابة على الجدران، هناك ما هو مجرد خربشات، أو رسوم وأيقونات أولية، لا يجيد صاحبها القراءة ولا الكتابة، وهناك كتابات محدودة الوعى، منمَّطة، ثم المستوى المثقف. الباحث المغربى الدكتور أحمد شرك، فى بحثه الأكاديمى عن الخربشات العربية، أو الجرافيت «مقدمات فى سوسيولوجيا الهامش والثورة»، كان منجزًا لأحد الأعمال المحدودة والقليلة عربيا فى اهتمامها بذلك الهامش عربيا. الجرافيتى -Graffiti- مشتقَّة من الكلمة الإيطالية «Grafiton». تاريخيا يمتد بها العمر إلى الحضارات المصرية القديمة، حيث عثر على جرافيتات مكتوبة بالهيروغليفية، وكذلك الحضارة الرومانية.

وأغزر جرافيتات كانت فى حضارة بومباى.

بعض الباحثين يضعون التصوير الشعبى فى مصر وسوريا وتونس، خصوصًا فى مجال التصوير على الحائط، والذى يعود إلى آلاف السنين، فى عصور ما قبل الأسرات، تلك الرسوم التى تناولت موضوعات الصيد ولكن بشكل خرافى، والمنتشرة فى مناطق متفرقة من النوبة، وأيضًا الرسوم الحائطية التى شاعت إبان المماليك، إذ إن أحد حوائط حمامات ذلك الوقت حمل رسما، وإن نُسب إلى التصوير الشعبى فهو من فنون الجرافيت، لمجهولية فاعلة، وتلك إحدى صفات الجرافيت. ويدخل أكاديميًّا فى دراسة الجرافيتى، فن آخر هو فن «التاج» أو التوقيع «Tag»، وهو فن ظهر للمرة الأولى فى الولايات المتحدة، وبخاصةٍ نيويورك، فى سنوات السبعينيات، ونشر أول مقال عنه وكان عن شاب من أصول تركية، راح يوقِّع وبشكل مكثَّف على العمارات والقطارات والمحلات. لم يكن ليفعل أكثر من أنه يوقِّع، بعدها تطور الرصْد، وتنوع السؤال: الجرافيتى، تعبير أم تواصل؟ الإجابة مهمة لأنه وفقها سوف يتحدد المسار للدارس.

هناك جرافيت فردية وأخرى مشتركة وثالثة جماعية، لكن القاعدة، كما يقولون، «فردية» وبامتياز، لا يبتغى أصحابها، لا شهرة ولا تميزًا، يبتغون حضورًا. تصنيف الجرافيتى، قد يكون اجتماعيا، فئويا مهنيا، طبقيا، أو تشكيليا. من زاوية أخرى، قد يصنف إما سياسيا أو «Scatologiques»، وهذه الكلمة تعنى «المخلفات أو البراز» ويقصد بها تعبيرات الجرافيتى البذيئة أو التى تنحو إلى اتجاه جنسى فاضح، وهى الكتابة الأكثر انتشارًا فى الحمامات العامة. جرافيتى السجون، نوع خاص أو قائم بذاته وبعضه له طابع أدبى.

عالم الاجتماع الأمريكى ماذك لين، رأى فى الجرافيتى نمطا تعبيريا شعبيا، معبرًا عن الدواخل العميقة للإنسان، من زوايا خمس: الإيروتيكا أو الغزل، الموت، السياسة، الهوية الفردية، العنف.

فى بعض الأحيان قد يتماهى المرسِل والمرسَل إليه فى الجرافيتى، فيبدو الأمر كما لو كان المرء يخاطب نفسه، وقد تكون الرسالة أقرب إلى المناجاة، مناجاة الإنسان لربه، وربما أخذت شكل العتاب، المهم أنها رسالة متعددة الدلائل والوسائط، تجدها فوق الجدران والحافلات والقطارات والبنايات والشوارع والشاحنات والسجون والمدارس والجامعات والمستشفيات والمحلات.. هى الفضاء البصرى العاكس لاحتياج أن يسمعك أحد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات