.

حرية القناة.. وحرية مصر

Foto

هل تلاقت المصالح الإخوانية الأمريكية واتفقت الرؤى حول نزع قناة السويس من مصر؟ كيف تنبأ الدكتور مصطفى الحفناوى بأن استقلال مصر يبدأ من قناة السويس؟


حفر القناة الثانية وافتتاحها، ليس مجرد عدة مليارات تُضاف إلى دخل مصر القومى، لكنه بمثابة: حَقن الاقتصاد الوطنى بمقويات، وتدعيم مناعته، لحفظ الاستقلال الوطنى، وهو المفتاح الذى كان منه يتم ضرب هذا الاستقلال قديما، وهو أيضا كان الباب الذى كان مشروع «الإخوان» سوف يتخذه الثغرة لنزع السيادة المصرية.

استغلال ما حول القناة من أراض ليس فكرة وليدة الذهن الإخوانى الذى لا يشعر بأى قيمة ولا معنى لمفهوم الاستقلال والسيادة الوطنية فى إطار منظومته الفكرية القائمة على «الأممية»، تتوافق والجذر الغربى فى الرؤية لقناة السويس، والتى مع توالى الأحداث التاريخية لم تتهذب نوازعها، وإن تخفت، أو لنقل إنها «كمنت» متحينة الفرصة، ومع الرؤية الأمريكية لشرق أوسط متشرذم، ومع غرب أوروبى تابع إجمالا للرؤية الأمريكية، حتى مع وجود فروق بسيطة، كانت الزراع الإخوانية فى طرحها لما سمته «إقليم قناة السويس» تشى بتلاقى مصالح عميق، يستند إلى حلم تاريخى، وتأمل حتى صياغة المسمى: «إقليم قناة السويس»، الذى ينم فى طياته عن فصل غير معلن عن عموم مصر.


تاريخ القناة الاقتصادى هو تاريخ سياسى بالمقام الأول، منذ أن نبتت الفكرة فى الذهن البشرى، وتوازى المسارين ما بين الاقتصادى والسياسى يشرحه أستاذنا مصطفى الحناوى، الذى على سبيل المثال يضع الخديو إسماعيل فى إطار محاولة استعادة الزمام على القناة «إنى أريد القناة لمصر، ولا أريد مصر للقناة»، نافيا عنه أن يكون امتدادا حرفيا للخديو سعيد الذى منح الامتياز وأفاض فى تدليل ديليسبس.

ما بين تولى الخديو إسماعيل الحكم ١٨٦٣ حتى رحيله ١٨٧٩ عرض الحفناوى لما رآه وثائق رسمية تؤكد وعى إسماعيل بخطورة ما تكشف عنه الملفات الرسمية من تكتل غربى وظف الاقتصاد للإطاحة بإسماعيل كممثل لاتجاه حفظ مصر أو حفظ القناة من أم تستلب من السيادة المصرية.


يقول الحفناوى إن الاقتصاد كان المعول الذى به تحطم السياسة، واستشرف مستقبلا إن لم تحكم مصر قبضتها على القناة أن تستمر وتتوالى مؤامرات «خلع القناة»، يقول: يريدون القناة لأنفسهم، ومصر مزرعة للقناة، والمصريين ممسوكين من الرقاب «بالحاجة». تستطيع أن تقرأ موسوعة الدكتور مصطفى الحفناوى رحمه الله، بمنظور ما بعد الألفية الثانية، لتكتشف أن الظواهر التاريخية وإن تبدلت قواعد اللعب ما زالت سارية.

يقول الحفناوى: إنى أسطر صفحات هذا الكتاب والرصاص يدوى فى الإسماعيلية والسويس وبورسعيد والتل الكبير، وأعود إلى مكتبى بعد تشييع رفات الأبطال الفدائيين، ولأعد الفصل الذى أكتبه (كان يقصد ما يكتبه عما سماه نضال إسماعيل ضد الأطماع ويصف روح إسماعيل بأنها سوف تخرج لتطارد من وراء الصخور هؤلاء الراغبين فى الاستحواذ وأن هذه الروح لن تكل من ترديد القناة لمصر لا مصر للقناة، فحرية القناة، حرية لمصر).


تنبأ الحفناوى، قبل أن يؤمم عبد الناصر القناة بخمس سنوات بأن الاستقلال المصرى يبدأ من القناة، وأن الأمر لن يتم إلا بقرار مصرى وطنى، يدرك أن «الحداية لا تلقى بكتاكيت» وأن الاستحواذ والمستحوذين لن يسلموا بسهولة، وأن مصر تواجه خصما عنيدا، فشركة القناة تأمل أن تضع مصر أمام أمر واقع عند انتهاء الامتياز، وسوف تطالب بأثمان المنشآت والآلات، وتبالغ فى التقدير المالى، وتثير المشكلات القانونية، لتجدد مصر لها الامتياز.. يقول: «الخطوة الأولى للتحرير أن توضع القناة كلها تحت الجيش المصرى وأن ندعم هذا الجيش ونقويه بحيث يصل إلى مستوى يحمل الطغاة على أن يحسبوا حسابه ويخافوا بأسه». ثم يقترح قبل التأميم بخمس سنوات أن تبادر مصر إلى «خلق إدارة مصرية» كبيرة تضع فى يدها كل ما يتعلق بالقناة، على أن تشرع هذه الإدارة فى تصفية شركة قناة السويس من الآن وبالتدريج حتى لا يكون لها وجود فى ١٧ نوفمبر ١٩٦٨، واقترح إنشاء وزارة للقناة، تقوم بجمع كل الوثائق الخاصة بالقناة وإعداد الأبحاث السياسية، لتصفية «التركة الاستعمارية» وتجهيز القضية التى سوف تقيم الدنيا وتقعدها. يختم الحفناوى بأن مسعاه العلمى القانونى الذى أعده فى أربعة أجزاء، الجزء الأول متخصص فى السيادة، إنما يكشف عن مأساة مروعة «أقسى مؤامرة عرفها التاريخ».


لم يعش الحفناوى رحمه الله ليطلع على ما يتجاوز مخاوفه وقتها، وهو ما يستحق الوصف نفسه، وكيف حوله المصريون إلى انتصر وإنجاز حقيقى.


مصر الوطنية المستقلة هى التى أممت القناة، وهى التى أنقذت كيانها الوطنى وعززته بحفر القناة الثانية، أعزها الله بناسها.. شعب وجيش.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات