.

قبل أن تظن -على سبيل الخطأ- أنك فهمت أى حاجة تخص أى شىء

Foto


هناك ثلاثة مستويات لفهم الحياة والتفاعل معها.. المستوى الأول: مستوى فهمك لنفسك ولدوافعها ورغباتها ونزعاتها وديفوهاتها النفسية.

المستوى الثانى: ذلك الحيز الخيالى الانتقالى الذى يفصل بين تفاعلك مع فهمك لنفسك وبين تفاعلك مع فهمك للكون الخارجى المحيط بك، إنه ذلك المستوى المتمثل فى علاقتك بالدائرة الأقرب لك من دوائر ذلك الكون العديدة، المنطقة المحددة التى تنتمى إليها من مناطق كوكبنا الأرضى، الدولة التى تعيش فيها وتتفاعل مع أحداثها وناسها بشكل يومى وتنعكس تأثيرات أحداثها على تفاصيل حياتك ومجريات أحداثها بشكل مباشر.
المستوى الثالث: مستوى فهمك للكون الخارجى بكل ما يشتمل عليه ذلك المستوى من كل ما هو موجود خارج نطاق نفسك المنفردة، الكوكب الذى تعيش عليه بقاراته ومحيطاته وناسه وكل ما يحيط بكوكبنا من كواكب أخرى ونجوم ومجرات وثقوب سوداء وفضاء شاسع وممتد.
وعلى الرغم من مدى صعوبة مستويات فهم الحياة الثلاثة (فالمستوى الأول يقتضى منك فهمك لنفسك ولتلك الدوافع والرغبات المتصارعة بداخلك والمتسقة والمتناقضة فى الوقت نفسه، بينما المستوى الثالث يقتضى منك فهمك لتلك الحلقات الأوسع التى تنتمى إليها حياتك البشرية المحدودة بداخل هذا الكون الغامض غير المفهوم)، إلا أن المشكلة الحقيقية تظل دومًا فى المستوى الثانى، ذلك المستوى الانتقالى بين فهمك لنفسك وبين فهمك للكون، والمتمثل فى فهمك للدائرة الأقرب لك من ذلك الكون الشاسع، بلدك وناسك وكل من تربطك معهم علاقة مباشرة من التفاعل اليومى الحياتى، ذلك المستوى هو المشكلة الحقيقية وهو القادر على إفساد كلا المستويين الآخرين بمنتهى السهولة.
فذلك الاستنزاف اليومى لخلايا أمخاخنا وانشغالها طوال الوقت بالدائرة الضيقة التى تعيش فيها فقط يجعلنا أسرى للمستوى الثانى فقط، مستوى ما يحدث على أرض بلدنا. وعلى الرغم من أن ما يحدث على أرض بلدنا مش شوية كما أنه ليس هيِّنًا على الإطلاق، إلا أننا ينبغى ألّا ننشغل بمحاولة فهمه عن محاولات فهمنا لما يحدث بداخلنا أو لما يحدث فى الكون المحيط بنا بشكل أوسع وأعم وأشمل. ينبغى ألّا نضع تركيزنا كله فى مستوى واحد فقط ونغفل المستويين الآخرين اللذين لن نستطيع التفاعل مع ما يحدث على الأرض من حولنا دون التفاعل معهما أولاً.
تخيلوا معى تلك المستويات الثلاثة وكأنها ثلاث دوائر تقع كل واحدة منها بداخل الأخرى، الدائرة الأولى، دائرة تفاعلك مع نفسك، ثم الدائرة الثانية، دائرة تفاعلك مع مجتمعك وبلدك، ثم الدائرة الثالثة، وهى الدائرة الأوسع والأعم والأشمل، دائرة تفاعلك مع الكون المحيط بك. وهى الدائرة التى تحتوى على الدائرتين الأخريين بداخلها. دون التناغم بين دوائر فهم الحياة الثلاث ودون التكامل بينها، لن يستطيع أحد منكم الخروج بوجهة نظر منطقية تخص أى شىء، فمن دون التفاعل مع الثلاث دوائر بشكل متكامل سوف يظل فهمك للحياة محدودًا، وسوف يظل منطقك مخدوشًا، وسوف تظل رؤيتك غير مكتملة.
فإذا لم تفهم نفسك وإذا لم تضع لها المعايير التى تتصرف فى ضوئها فى المسائل المختلفة، كيف ستتصرف فى المسائل المحيطة بك؟ وإذا لم تفهم مَن أنت فى الأساس كيف ستفهم الآخرين المحيطين بك؟ وكيف ستفهم نفسك دون فهم الكيان الأعم والأشمل الذى تنتمى إليه، ذلك الكون الشاسع والممتد؟
إنها ثلاث دوائر متداخلة، لا سبيل إلى الانتماء إلى دائرة واحدة منها فقط، ينبغى أن تظل طوال الوقت منتميًا إلى الدوائر الثلاث.
لذلك ترون تلك الحالة من الهرطشة والهرتلة والمراهقة الفكرية التى تعم بر مصر المحروسة حاليا، فنحن أمام مجموعة من البشر لم تحاول فهم نفسها ولم تحاول فهم الكيان الكونى الأوسع الذى تنتمى إليه، ثم ظنت أنها تستطيع فهم ما يحدث حولها وأخذت تصدر الأحكام على جميع مَن يخالفها الرأى، بينما نسيت فى ذلك الإطار أن تصدر حكمها على نفسها قبل أن تصدره على الآخرين.
ناس مش فاهمة نفسها ولا فاهمة هى جاية تهبب إيه فى الحياة بالظبط، إزاى ممكن تفهم ناس تانية، مش بس كده، لأ، وكمان تكون متأكدة أنها فاهمة صح؟! إزاى؟!
 

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات