.

الأصولية الإسلامية ليست حرية شخصية

Foto

لماذا يتخيل الأصولى أن الكون يتآمر على الإسلام؟ ما سر حذف الإخوان لمنهج الفلسفة من التعليم المصرى بعد ثورة يناير؟ هل يعادى الأصوليون العقل والحرية باسم التدين؟


خلال 200 سنة من التعليم فى مصر ألغيت مادة الفلسفة من المرحلة الثانوية مرتين، المرة الأولى كانت سنة 1960 على يد «كمال الدين حسين» وزير تعليم «جمال عبد الناصر» فى الستينيات، وكان وزير تعليم «ملتزما» -للدهشة- على طريقة الإخوان! والمرة الثانية جاءت عام 2013 أى بعد عامين من ثورة يناير التى يفترض أنها ثورة قامت أصلا لتحرير عقل وإرادة المصريين!


الفارق الوحيد فى ما يظهر هنا بوضوح بين أصولية داعش التى أقدمت على حرق ملايين الكتب فى ساحات مدينة «الموصل» العراقية، وأصولية الإخوان التى أقدمت بإصرار على حظر الفلسفة فى مصر، هو أن أصولية داعش صريحة حاسمة منجزة، بتجيب من الآخر على رأى المثل، ولا تنتظر بخبث وتقية وتخفى لحظة التمكين فيظهر وجه عدائها القبيح للفلسفة والنقد والثقافة.


وعداء الفلسفة والنقد والثقافة عند الأصوليين بكل فرقهم من الإخوان إلى السلفيين إلى المتطرفين إلى داعش… إلخ، هو نفسه العداء للعقل والحرية، فأن يستخدم المرء عقله للتفكير فى أمور الكون وأمور الواقع وأمور العقيدة، وفى وضعه كإنسان، يتطلب أن يكون لديه قدر كبير من الحرية، كما أنه يعنى أن يتوافر له أساس قوى من فهم معنى تمييز الله للإنسان بالتفكير والإرادة كأساس لتكليفه فى الدنيا ومحاسبته فى الآخرة، واستيعابه الكلى لمعنى «ولا تزر وازرة وزر أخرى» [سورة الأنعام] وما يجعله يدرك استقلاليته كفرد عن الجميع، ويستقر فى وعيه أن الاختلاف الضرورى بين الناس والمبنى على هذه الاستقلالية يجعل من المسّلم به أنه لا سمع ولا طاعة لأحد إلا لله فى السماء وللقانون فى الأرض.


عندئذ يكون المرء قد ملك عقلا غير ملائم للطاعة فى نظام الجماعة الذى تقدسه كل الجماعات الأصولية، وهو نظام يستخدم كل أساليب تغييب العقل وكبت الحريات لقيادة قطيع يسمع ويطيع لمرشد أو شيخ أو أمير يقوده إلى العنف والفتن والهلاك باعتقاد أنه لمرضاة الله والجنة!


الالتباس الذى تحاول الأصولية من خلاله خداع المجتمعات التى تحدد لنفسها مسارا ديمقراطيا هو محاولتها إقناع الناس بأن الأصولى مجرد رجل يملك رأيا مختلفا، ولذلك فإن من حقه أن يمارس حريات التفكير والتعبير والتنظيم، وهى الحريات التى تكفلها كل دساتير الدول الديمقراطية، بينما لا يذكر الأصوليون كلمة واحدة عن احترامهم هم للدولة الديمقراطية التى يعتبرونها دولة علمانية كافرة ومضادة للإسلام، ولا ماذا يمكن أن يحدث لو مكنتهم الديمقراطية من مقاليد هذه الدولة، هل تستمر دولة تعطى للناس حرية الاختلاف على السواء بينهم، حتى هذا الاختلاف الذى يعده الأصوليون كفرا ومخالفة للشريعة؟!


السؤال الأهم هو هل يصح أن يعد من قبيل احترام الاختلاف أو قبوله -وليس التظاهر بقبوله- أن يعتقد الأصولى بأن رأيه هو رأى الإسلام، وكلمته كلمة الإسلام، وأفكاره شرع الله وأوامره ونواهيه؟ وأن يعتبر نفسه ممثلا للإسلام وناطقا رسميا عنه؟ فكيف برجل يعتقد بكبر الشياطين أنه «قرآن يمشى على الأرض»، وهو الوصف الذى وصفت به السيدة «عائشة» نبى الإسلام ووصف به الإخوان مؤسس جماعتهم «حسن البنا»!


خطورة الأصولى عامة تكمن فى أنه شخص عنيف وفوضوى يخلط كل شىء بكل شىء دون وعى وفهم، فهو يعتبر نفسه مسؤولا عن صلاح الناس، طبقا لمفاهيمه أو مفاهيم جماعته عن الصلاح طبعا، فإذا أحببت مثلا أن تشارك فى نقاش سياسى فلن تجده يحدثك عن برامج إصلاح سياسى واجتماعى واقتصادى، مع جهل فاحش طبعا بأصول السياسة علما وخبرة، ولكنه سيصادر عليك بفكرة تطبيق الشريعة «!!» باعتبارها أول وآخر فهمه لمغزى السياسة، وهذا طبعا على يقين منه أن أفكاره هو عن الشريعة هى الشريعة نفسها، وأن هذه الشريعة تخصه فى المقام الأول قبلك وقبل غيرك من المتآمرين عليها! أما إذا أحببت أن تريح دماغك وتفضها سيرة واهتممت بشؤون «الثقوب السوداء» مثلا فسوف يتدخل مؤكدا أن القرآن يشمل كل العلم وما علينا كلنا إلا أن نكف عن تشويش إيماننا بهذا الكفر العلمانى، ويكفينا كلنا أن نقرأ القرآن ونكسب ثوابًا وندخل الجنة!


وفى حين يتصور الأصولى أن الكون كله يتآمر من أجل تغيير معتقداته الساذجة العنيفة، فإنه لا يجب بتاتا أن يقع الناس فى وهم مقولة حرية الأصوليين فى ممارسة ما يقتنعون به، إلا عندما يسلمون هم أنفسهم للناس بهذه الحرية فيتركوهم فى سلام يقتنعون بما يشاؤون ويحيون كما يشاؤون دون تكفير لهم وجهاد دينى ضدهم، ودون أن يرغبوا فى ممارسة التسلط بما يعتقدون أنهم يملكونه من الدين بينما هو ليس شيئًا آخر سوى رغبة عمياء فى طمس العقل وتصفية الاختلاف وتعبيد الناس لقمع تسلطهم العنيف.


أيها الناس، لقد أصبح من غير المقبول الحديث عن أى سلطان آخر غير سلطان العقل فى المجتمع بعد أن تبين بالتجربة أن سلطان الله على الأرض ليس إلا سلطان المرشد، وسلطان الشيخ، وسلطان الجماعة الأصولية المضاد للعقل والحرية والقاتل للإنسان.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات