قرون طويلة من «إيه اللى ودَّاها هناك؟»

Foto

كيف عاشت المرأة طوال العصور الإسلامية بلا مجاملات أصحاب الخطب الرنانة التى تفتتح بـ«الإسلام كرَّم المرأة»؟ كيف حقَّرت النصوص والتفاسير والفقه المرأة وتسببت فى معاناتها طوال العصور الإسلامية؟


بين أروقة التراث أدس عقلى بحثًا عن أى أثر لامرأة محبوبة.. كاملة، أتأمل ظلها الملقى على قارعة النصوص تدوسه المارة فوق الصفحات، أبحث عن حقوقها، أتساءل: كيف ضاعت ومتى وهل خبَّأ التراث الحقيقة أم محاها من وجه التاريخ والحياة؟ لم أجد كائنًا خلقه الله وظلمته النصوص مثل المرأة، ولكى أكون منصفة فقد مارس التراث نوعًا شبيهًا من الافتراء المقدس ضد الكلب أيضًا، كلاهما ضحايا تراث قمىء ونصوص مطبوخة على عجل، وأحكام نيئة وقوانين نابتة فى الظلام.
 
كلما صادفت أطروحة تراثية أو رواية أو حديثًا يرتبط بالمرأة ستعلم كيف أنها حملت أحمالها طوال العصور الإسلامية دون وجل فى ما عدا استثناءات قليلة جدًّا دائمًا ما تسعف هؤلاء المتشدقين أصحاب نظرية «الإسلام كرَّم المرأة»، رغم أن حال المرأة طوال العصور الإسلامية مزرٍ ومخجل وقاسٍ يتكئ على نصوص تدَّعى القداسة بينما هى مفتراة على الرسول ومستنطقة من داخل النص القرآنى، وهى أبعد ما تكون عن المقصد الإلهى، حاشا لله أن ينزل قرآنه ودينه يحمل بين طياته هذه النظرة الدونية للمرأة.
 
إذا ما طالعت أحوال المرأة تحت الحكم الإسلامى تشعر أنك أمام عصور ظلام هذا الجزء الحزين من العالم والتى استمرت منذ البداية وأكملت طريقها سيرًا على جثث النساء وحقوقهن وأجسادهن المعروضة فى الأسواق، ثم أكملت طريقها وطرقها إلى قلوب المتحرشين والمتحذلقين الذين يحملونها الإثم ويرجمونها كلما صادفوها وكأن كل خطأ وكل مخالفة إنسانية عليها أن تدفع غرامتها تلك التى كتبت عليها منذ الخروج من الجنة، ظنًّا أنها السبب فيه، لذا عليها أن تدفع كل المخالفات التى يرتكبها الإنسان بحقها على الأرض، فلا يمكن لأية قضية أو نزاع أو خلاف أو تحرش أو اغتصاب هى طرف فيها أن تكون ذنب أى مخلوق سواها، يجب أن تكون هى المذنبة فى كل مرة، فما بين عصور الجوارى وأسواق النخاسة وصولًا إلى «إيه اللى هىَّ لابساه؟!» و«إيه اللى ودّاها هناك؟!» قرون طويلة من القمع والقهر الممنهج ضد المرأة، ورغم ذلك لم تنطق ولم تصرخ طوال العصور الإسلامية، فكلما شعروا أن صوتها أوشك على الارتفاع ارتفع سوط القداسة ليجلدها ويترك أثره ندبات فى روح المجتمع الإسلامى طوال عصوره التى عانت من تشوهات غائرة جراء التعمد المرضى لتشويه المرأة والتقليل منها وانتصاف عقلها ودينها وروحها وشهادتها وميراثها وحقوقها وجسدها، وكأن هذه الفترة بالنسبة إلى المرأة فى حاجة ماسة إلى تأريخ جديد يعيد إليها روحها المنتهكة وحقوقها المستباحة التى فقدتها فى فقه وتفسير النصوص.
 
كيف سولت لهم نصوصهم أن يتعاملوا مع المرأة وكأنها مادة لينة يتقاذفونها ويشكلونها ويعبثون بها، فيمرح ويفرح ذكور الفكرة والدولة؟ فما بين حربهم وحبهم تقعد المسكينة المستكينة وضع القرفصاء فى انتظار القادم من التهم، بداية من ناقصة عقل ودين، مرورًا بأنها مَن أغوت آدم، وهى التى تجلب النحس وتُبطل الصلاة، وهى العورة، وهى المخلوقة من ضلع أعوج، ولا يجب أن ننسى كيدها العظيم.
 
لم أتمكن قط من رصد الحيلة وبدايتها، وكيف تمت منهجة تزييف الفطرة وتلويثها ضد المرأة إلى هذا الحد، وكيف امتلأ التاريخ والتراث والشرائع الإسلامية بحقوق الرجل وتمكينه من الحصول عليها، وكيف غابت عنه حقوق المرأة والحرص على غياب العدل بخصوصها داخل النصوص التى تزخر بالتواء الأحكام حتى باتت حقوق المرأة ضائعة وصعبة المنال، ولو أردنا أن نتتبع حالها وأحوالها بين التاريخ والعادات علينا أن نتعجب من استمرار نوعها وتمكنه من البقاء، لربما كان اختفاؤها وانقراضها أكثر الحلول راحة لروحها المنهكة. 
 
منذ بداية الخلافة الإسلامية وحتى نهايتها والمرأة نوع من الهوس لدى الخلفاء وكبار رجال الدولة وهو الأمر الذى نجد تفاصيل حكيه فى الروايات الخاصة بأسواق النخاسة وكيف اعتاد الأغنياء فحص النساء فيها، هذا الهوس بالجوارى نابع من النظرة التراثية الدونية التى تقدمها النصوص وتفسيراتها وأسواق النخاسة التى انتشرت فى الدولة العباسية وامتدت من سمرقند إلى بغداد حتى قرطبة.. هذا التشيىء الذى تعرضت له المرأة والتسليع لا يختلفان كثيرًا عن الكثير من مراسم الزيجات التى تباع فيها النساء كأسواق النخاسة، لا فرق بين الاثنين سوى فى هذا الستار الذى وضعه تطور المجتمعات على بيع النساء، كانت الجوارى إبان الدولة العباسية فى الأسواق، نساء من كل الأجناس والألوان معروضات كأية سلعة أخرى، ثم عرف مصطلح الحريم لأول مرة فى العصر العباسى، وقسمت قصور الخلفاء إلى عدة أقسام، منها قصر الحريم الذى تعيش فيه زوجات الخليفة فى أجنحة، بينما تعيش فيه الجوارى والمحظيات فى أجنحة أخرى، وفى الوقت الذى انتشرت فيه الجوارى والغلمان انتشرت تجارة الرقيق بصفة عامة، وبالطبع كان للنساء منها نصيب الأسد، فلم يكتفِ الحكم الإسلامى ببيع وشراء النساء الجميلات، ولكن اختلفت وتعددت أنواع ووظائف النساء اللاتى تباع وتشترى، فما بين الخدمة والرضاعة وأعمال أخرى كتزيين الجوارى وغيرها، كانت النساء تُباع وتُشترى طوال الوقت، أما المجتمع وسكانه العاديون فلقد عانت المرأة الحرة أيضًا حيث إنها كانت تلك المهددة طوال الوقت بتلك الأسواق المشرعة فى حديقتها الخلفية والتى تكتظ بالنساء المعروضات للبيع، إن أبت هى أو عارضت أى أمر من الأمور كان القمع فى هذه الحالة وطوال عصور الخلافة أمرًا غاية فى البساطة واليُسر، كان نوعًا قانونيًّا وشرعيًّا من القمع بما يرضى الله من وجهة نظرهم، وتحولت دولة الخلافة إلى ملهى ليلى أبوابه مشرعة على مدى الساعة، والبيوت مسكونة بالنساء التى يعيش فيها الخوف وتعيش فيه، هذا النوع من الخوف المقدس الذى أصل له المفسرون عندما حللوا السبى وباركوه وأباحوا بيع النساء وأسقطوا كل تلك المفاهيم على الجنة ذاتها وكأنها رغبة إلهية حاشا لله أن تكون الدولة الإسلامية انعكاسًا لما رآه المفسرون من شكل الجنة نفسها، فليس هناك أكثر من التفاسير الملتفة حول النص القرآنى نفسه فى محاولة لاستنطاقه بما ليس فيه والتى عكست ثقافة مشوهة لا دخل لدين الله فيها ولا لرسوله الكريم، ولو تسللنا إلى كتب التفسير لوجدناها مكتظة بالفهم المغلوط للنص القرآنى بما يتماشى مع الثقافة، فى محاولة لتطويع النص لحساب الثقافة بدلًا من إصلاح عوج الثقافة لتواكب رقى النص القرآنى المطهر، فلقد أجمع المفسرون على سبيل المثال على أنه سيكون فى الجنة نساء غاية فى الجمال والجاذبية خلقن خصيصًا لإمتاع الرجال جنسيًّا، وأشاروا إلى أن القرآن قد سماهن «حورًا» رغم أن لفظ «حور عين» ذو أصل آرامى لا دخل له بالنساء من قريب أو من بعيد، حيث إن هذا اللفظ فى الآرامية معناه «العنب الأبيض»، لا أظن أنهم كانوا يجهلون ذلك، وأن معنى هذا اللفظ قد فقد فى العصرَين الأموى والعباسى، ولكنها المرأة التى اعتادوا وأدها، فلماذا لا يوئدون دورها ويشوهون وظيفتها ويطلقون العنان لغرائزهم ولتذهب هى إلى الجحيم ولترضخ الزوجة؟! ثم تمر السنين وما زالت المسكينة وما يتعلق بها فى العقل الجمعى من تشوهات تحاصرها، فما بين لعنتها إذا ما رفضت وطء زوجها وما بين تحليل ضربها إذا ما اعترضت ورفضت، وما بين حجب دورها الإنسانى واقتصاره على الأمومة والواجبات الزوجية الكثير والكثير من التشوهات التى علقت بذيل ثوبنا الإنسانى ولم نستطع أن نتخلص منها حتى الآن، إرث ثقيل متى يرفعه الله عن كاهلنا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات