.

عصفور «حط».. على غصنى

Foto

لمحتك جالسًا وأنا أرتب مائدة الإفطارالتى تنفتح حجرتها على الشرفة المائدة يتصدرها مقعدك وعن يمينك ماجى وهذا العام جاورها «مالك قلبك» «كأنما حط عصفور على غصنى»..


أحب حنوك علىّ.. غمرك روحى بالاطمئنان الوافى الكافى؛ كى أغمض عيناى وأستكين، أرعى زرعى فى الشرفة، أمارس رفاهية الفرح والحزن.. نعم الحزن أحيانًا كثيرة الرفاهية والفرح كذلك، لما ينكشف ظهرك فى الحرب، أو فى الحياة، لا يصبح أمامك غير أن تكمل معركتك، لا خيار، وأيضًا: لا حزن ولا فرح.. غضبت منك مع نفسى، لما تلكأت فى الاستجابة لدعوتى سنوات وسنوات، أن تجرب واحتى، كوب شاى بالنعناع ساعة عصارى، لم أفلح.. كان نظامك محكمًا وكنت أعى دومًا: أين علىّ أن أقف، فطرة بأكثر من أن تكون تعقلًا.. دون توقع، أو انتظار، أول أيام رمضان الأخير، لمحتك جالسًا وأنا أرتب مائدة الإفطارالتى تنفتح حجرتها على الشرفة، المائدة يتصدرها مقعدك، وعن يمينك ماجى وهذا العام جاورها «مالك قلبك» مالك الحفيد ويسارك محمد، «كأنما حط عصفور على غصنى».. حدقت لأتأكد، نظرة ممتدة، كشكشات جانب وجهك تومئ بتضييق حدقتيك، وكتاب مفتوح فى حجرك، بينما كفك اليمنى تسند أصابعه رأسك المائل قليلًا.. تسللت إلى حيث لم يعد يفصلنا غير «السلك» الواقى من الحشرات.. لم أشأ أن أنبهك إلىّ ولو بوقع خطوتى، تطلعت عن قرب، راقبت اهتزازات رأسك الخفيفة، كأنها تتبع إيقاعًا دفينًا. كثيرًا ما كان يحدث، أدخل عليك، تحدق فى نقطة لا أراها ورأسك مضبوطة على إيقاع كوامنك.. كنت أقاوم شقاوة لم تئدها السنون، كى لا أنطق بجملة ضاحكة استعرتها من حلقات يعرفها أجيالنا، أبو لمعة والخواجة بيجو «شايفك.. شايفك يا خواجة، شايفك»، كان استغراقك أعمق وأرهف من أن أقطعه بأى شكل، ينم عن شجن ظل دوما يلجمنى.. معظم الأوقات، لما كنت أطيل المكوث قليلًا، كانت عيناك تواجهنى من خلف النظارة، فأقبض بعيناى على كشفى الأول فى تضاريسك، كشفى الذى كان جزءًا من «مهرى» إليك، وحدثتك عنه، قبل أربعين عامًا، وسجلت له «ملكية فكرية»، وقتها، وتمنيت لو كتبت عنه كتابًا.. يسكن عينيك «دمعتان معلقتان»، فى منطقة أسميها «على الوشك»، تحسهما لم يحسما بعد قرار النزول، ماستان مستقرتان  فى حيز «الوشك»، يشتد ألقهما عند انعكاس الضوء..

انشغلت «بالحدث»، «الحدث الذى سوف أؤرخ به، أن تأتى من تلقاء نفسك، تتخير مقعدًا، لكم تمنيت أن السنوات وسنوات، أن تجلس عليه.. تمامًا كما أفعل مع أولادنا لما أتجنب دفعهم إلى ما أصبو، ولما يأخذوا الخطوة، أتجنب لفت أنظارهم، خلعت مريلة الطبخ، وتسللت كان جديدًا لم يستجد، لم أجلس فى المقعد المقابل، ولا ألقيت تحية، كتمت نشوة حقيقية وأخفيتها، حتى أتانى «صوتك هو مالك فين؟» ساعتها كان «الأذان».. «الأذان» وما أدراك عن وقعه هذه المرة، فى أول أيام الشهر الكريم، لما أتيت، ولبيت، دون دعوة، واخترت الساعة السابقة على أذان المغرب؛ لتجلس فى «الشرفة» تؤنس زرعى، فى تلك اللحظة، غمرتنى بهجة طفولية، رحت أستعرض أمامك أصيص الزرع واحدة واحدة، دون أن أكتم شجنى على «العنبة» التى كانت، ولم تصمد مع أنى عشت معها، وواكبت أوراقها منذ بدأت «كراس دبوس».. أو تذكر «غضبة زرعى» لما غبنا عنه؟ لما أوكلنا ترويته لآخرين، انسحبت روحه، وإن ظل موجودًا، موجودًا بالجذر والأغصان، كم مرة جرى ذلك؟ بعدد أعطاب القلب المثقل، تمازحنى حين أحصى أمنياتى المؤجلة، أن أمتلك ولو أمتارًا أزرعها، وأجرب فيها موهبة طمرها الاشتغال بالصحافة، لم أعش بريف المنصورة غير إجازات صيفية، ولم يكن أبى فلاحًا، لكنه كان يحوز بضعة أفدنة ورثها، وبيتا جميلا كان يعج بالخير منذ أن تطأه أمى بقدمها كل صيف.. تقول أنت عنى «فلاحة» مهما جرى، وتحتفظ لى بصورة بزى مدرستى وأنا فى الرابعة عشرة، تمد البصر وتعود، ولأول مرة منذ سنين، تهتم وتسأل، كنت أسترسل وكلى يقين أنك فى «مدك البصر» ترى ما لا نراه، كانت ذروة «طيبك» تتجلى فى تلك اللحظة، طلتك الاستشرافية، التى يعلم الله وحده: أين تحط وبما تعود محملًا منها.. ملأتنى اللحظة «بأمان مسكرات»، طويت الضلوع عليها وسألت الله أن تمتد اللحظة وتطول.. تطول، ساورنى نفس الإحساس القديم، لما كان صغيرانا يأويان للفراش، وأنهى معركة «الكوى» وتحضير المريلة والقميص والبنطلون والكرافتات، وتلميع حذاءين، وشرابين، وإعادة الصالة إلى وضع إنسانى، ولملمة المكعبات والعربيات وشظايا قطار، وبقايا عرائس ودبابة وأحصنة وجناح طائرة، وأورج يقاوم وأكسليفون ومدرعة، وأقلام ألوان وفتافيت سندوتشات علب زبادى، وكراسات رسم وكتب حواديت، كنت تخرج من المكتبة فى توقيت بعينه، وتسأل نفس السؤال الذى هو ليس بسؤال «الأمن استتب؟!».. ظل التعبير صكا ممهورا باسمك، تدخل بعد نهاية يوم طويل تسأل «الأمن استتب؟!»، تعود من سفر «الأمن مستتب؟!»، كان ذلك قبل أن يدهمنا القدر السخى، فى أفراحه.. وأتراحه، استتباب الأمن، ولدت الكلمتان، منذ عركت أنت الدنيا، وحدث تماسك ما بين سعيك لعالم عادل ورحيم، والعثرات التى جعلتك تعرف السجن السياسى وأنت بعد أقرب للصبى والفتوة، عشش الشجن منذ ساعة اقتحامهم البيت، وشقهم الفراش واستيلائهم على الأوراق والصور، من ساعتها، انفرط عقد أمانك، ظل المعنى ملازمًا، قادمًا من رحم «الما قبل» تتذكر جملتك المرحة أو بمعنى أدق «واحدة من» شفرات صفونا «ق.ز» و«ب.ز»، ما قبل زواجنا، وما بعد زواجنا، هكذا كنت تقول عن حياتك أو تقسمها، حتى لو كان الغرض «أن تجبر خاطرى»، أو تشعرنى، باختلافى.. تميزى.


 «بعرشى» الذى اعتليته فى الخامس والعشرين من ديسمبر ١٩٧٥، لا «عمدنى» حبك، وتفجر شلالى فى الواحد والعشرين إبريل، قبلها بعام وثمانية أشهر، صرت سفير الرجال فى عالمى من لحظتها، حتى حين تؤلمنى، أثور وأغضب وأختار اللجوء إليك.. تمامًا كما أنا الآن ألوذ بك، بكونى وزمانى، خمسة عشر ألف يوم ومئة يوم وخمسة، غزلت عبرها ثوب وجودى، غرزة غرزة، طرزته بعافيتك وحضورك، تقدست روحى بعالمك، حررتنى من أسر المحدود وأطلقت سراح واقعى والخيال، لم تترك لى يومًا فرصة لسؤالى عن حق يخصنى، فكيف طاوعك قلبك أن تدفع بى إلى عالم اللا حقوق؟ كيف تجردنى من سقفى والغطاء، ما عرفتك يومًا ظالما ولا غاشمًا، ولا يومًا سعيت أنت فى غير حقلك، فكيف تجور علىّ، وأنت الأعلم بى، كيف تتناسى أنى دونك لا أعرفنى، لا أشبهنى، كيف تجردنى من تاريخى وحقى فى مستقبل، حتى لو كان هذا المستقبل سويعات، أنا غاضبة وثائرة، وأطالبك بحقى.. حقى فى الصحبة والونسة، نصيبى مؤجل فى الدنيا، أنت من عمّق إحساسى بأن لى حقًّا، وأن حقى دومًا عندك، أنت من أعفانى دائمًا من الاحتياج إلا لله ثم لك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات