.

عبقرية الموسيقى

Foto

من أكبر علماء النفس المعنيين بدماغك «أوليفر ساكس»، يقولون عنه «شاعر الطب»، يبرز من خلال تجاربه مع أوجاع نفوس البشر، وغوصه فى المعرفة


حتى ولو لم تكن يومًا أحد المغرمين بها، أو التواقين.. حتى وإن لم تعِ لحظة أنها السحر والساحر، فاعلم أنها القادرة على رتق ثقوب الروح، وبعث الذاكرة، وأنها أخيرًا قد استقر بها المقام ضمن معجزات العلاج الدماغى، وأن واحدًا من أكبر علماء النفس المعنيين بدماغك «أوليفر ساكس»، يقولون عنه «شاعر الطب»، يبرز من خلال تجاربه مع أوجاع نفوس البشر، وغوصه فى المعرفة، معنى جديدًا لعلاقة البشر بالنغمة والإيقاع، ويبشرنا بأن علم الأعصاب فى طريقه إلى أن يكون مدينًا للموسيقى التى تهب لمرضى السكتات الدماغية فرصًا للنطق، وأنها تهدى مرضى «الباركنسون» أو شلل الأعصاب، بابًا للنجاة والحركة، وأن مصابى الزهايمر مهما شحبت ذاكرتهم، لا تنطفئ لديهم مساحات اختزنوا فيها ولعًا بالموسيقى.

 

مليارات من البشر يدندنون، دون وعى منهم، بالعلاقة التى يشرحها العلم، بين الموسيقى والدماغ. قد يكون للطيور نغماتها حين يغازل بعضها بعضًا، أو تخرج منها أصوات منغمة لمجرد تأمل فوق غصن، لكن الدماغ البشرى، له حيز ومدى موسيقى يتجاوز فى دوره الفعل الفطرى، للبشر قوى موسيقية، يجند لها أجهزة داخل الدماغ، قد لا يكون فى داخل الدماغ مركز واحد للموسيقى، لأن هناك شبكة، بل شبكات متناثرة فى كامل أنحاء الدماغ، يتحدثون عن قدرات البشر اللغوية باستفاضة، وربما يحس البشر بالانزعاج حال تأخر هذه القدرات، الآن عليهم أن يفكروا ويحسوا نفس الشىء حال توارى قدراتهم الموسيقية، هذه القدرات ليس المقصود بها مجرد العزف أو البراعة فى التقاط النغمة، أو الإحساس بالموسيقى وتفهّم النغمات والجرس والفواصل أو الإيقاعات، لكنها أعمق وأكثر من ذلك بكثير، العلم يقول لنا إن للبشر ما يعرف بموسيقى العقل، نحن ننشئ وندمج كل العناصر السابقة ونكون موسيقى فى العقل، مستخدمين أجزاءً مختلفة من أدمغتنا، بهذا التركيب غير الواعى أو إليه، نضيف تفاعلا عاطفيا.


يستند أوليفر ساكس إلى معنى فلسفى كتبه شوبنهور، أن «عمق الموسيقى الذى يفوق الوصف سهل الفهم جدا لكن تفسيره متعذر للغاية؛ بسبب حقيقة أنها تولد كل العواطف المتعلقة بالوجود الأعمق للإنسان من دون حقيقة ألمه..

الموسيقى تظهر جوهر الحياة ولكن ليس الحياة نفسها» الآن يكشف العلم ما قاله «نيتشه» الفيلسوف إننا لا نستمع للموسيقى بعواطفنا وحدها، ولكن «بعضلاتنا» أيضًا. العلم يؤكد أن ما يحدث خلال إدراكنا للموسيقى، يمكن أيضًا أن يحدث حين «تعزف الموسيقى فى العقل»، نحن كما نملك ذاكرة إدراكية للموسيقى، لدينا كبشر ما يعرف بموسيقى العقل، نقرب المسألة بعض الشىء، حال سماعك إيقاعًا ما، تحرك يدًا أو قدما وفق الإيقاع، طيب، موسيقى العقل، حتى لدى الناس غير الموسيقيين، بإمكانها تحريك الأطراف. هناك ذاكرة موسيقية (مخزن) تنقش فى الدماغ ما يصل إليه منذ البدايات الحياتية، ويستمر، يحدث تلف بين أجهزتنا العصبية والسمعية، آلية فطرية معقدة، ومتطورة للغاية، قد تضعف أو تتشوه بسبب أنماط حياتية، فينشأ ما يسمى علميًّا بـ«العمى الموسيقى».

حتى وقت قريب كان النظر للموسيقى على أنها تهدئنا أو تحركنا، تسلينا، الآن نحن دخلنا حقبة الموسيقى العلاجية لمرضى الحالات العصبية، المبتلين بإصابات القشرة الدماغية بدءًا من السكتات الدماغية والخرف والزهايمر وفقدان وظائف اللغة أو فقدان الحركة أو فقدان الذاكرة أو متلازمات الفص الجبهى -التوحد، والباركنسونية بالذات- إذ لاحظ د.أوليفر ساكس، الأثر المعجز الذى تحدثه فيهم الموسيقى، وكتب دراسة منفصلة عن الأثر العلاجى للموسيقى على هؤلاء المرضى، أسماها «استفاقات»، كان أثر الموسيقى متجاوزًا كل التوقعات العلمية الخاصة بوظائف الدماغ، وبناءً على رأى مؤلف شهير عن الدماغ والموسيقى، لار. أى. هنسون، فالآن هناك علم أعصاب خاص بالموسيقى، نشأ مع ثمانينيات القرن الماضى، سار بسرعة البرق بفضل ظهور تكنولوجيات أتاحت قياسات ورؤية للدماغ فى أثناء سماع الناس للموسيقى، والخطر فى أثناء تخيلها، هناك العديد من الأبحاث تتنامى حول الأسس العصبية للإدراك الحسى للموسيقى والتخيلات الموسيقية، هذه الأبحات بقدر اعتمادها على المنجز التكنولوجى، تعتمد وبنفس القدر من العناية على ما يسمى بالملاحظات السريرية للمرضى، برصدها العتيق فى الإنصات والمراقبة، حكايات قادت إلى معجزات، لاحظ العلماء فئة من المرضى ينشأ لديهم فى مرحلة من العلاج «نزوع قوى للموسيقى»، نزوع مفاجئ يقارب فى شدته ما يحدثه الإدمان؛ كتلك المرأة التى قاربت السبعين والتى كانت تعانى من نوبات فص صدغى، لم تكن تكترث بالموسيقى، وكان زوجها يتقن العزف على البيانو، فى أثناء الخضوع للعلاج، لوحظ تغير أصابها، كان الزوج دائم العزف، وفجأة بدا وكأن تطورًا أصاب أجهزتها الإدراكية الحسية فى الفصين الصدغيين، إذ نشأ اتصال واضح ظهر فى السيطرة على نوباتها.


هناك أساس فيزيائى وليس مجرد أثر روحانى أحدثته الموسيقى، تلازم فسيولوجى فى النشاط العصبى، هناك حالة «نزوع موسيقى مفاجئ» يرصدونها، تظهر متأخرة عمريًّا واكبت إصابات عصبية، تكشف تطورات دماغية بعد إخضاعها لمسح الـMRI، وهناك نوبات موسيقية، وأيضًا «أحلام موسيقية»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات