.

زيارة ديسالين نقطة تحول لا مجرد محطة جديدة للانتظار

Foto

ما دلالة تصريحات السيسى الأخيرة حول قيام الدولة بأكبر مشروع لتحلية المياه؟


وسط غموض مصير المفاوضات حول سد النهضة التى أعلنت مصر تعثرها بعد آخر جولة للمفاوضات الفنية بسبب رفض إثيوبيا والسودان اعتماد التقرير الأولى للمكتب الاستشارى، وبعد طرح مبادرة مصرية تدعو لإدخال البنك الدولى طرفا فى المفاوضات الثلاثية وهى المبادرة التى لم يتم الرد عليها رسميا حتى الآن من جانب الدولتين، وفى ظل توتر تصاعد فى الأسابيع الماضية بين مصر والسودان ووصل إلى إعلان استدعاء السفير السودانى بالقاهرة للتشاور ثم الحديث عن تحركات عسكرية على الحدود مع إريتريا والإعلان السودانى رسميا عن التحسب لتهديدات أمنية من مصر وإريتريا.. تأتى زيارة رئيس الوزراء الإثيوبى هايلى ماريام ديسالين إلى القاهرة المؤجلة منذ ديسمبر الماضى لترسم ملامح وطبيعة المرحلة المقبلة فى العلاقات بين الدول الثلاث من ناحية وبشكل أساسى لتضع إجابات على عشرات علامات الاستفهام بخصوص قضية سد النهضة. 
 
زيارة ديسالين التى تأتى فى إطار أعمال اللجنة المشتركة بين مصر وإثيوبيا التى تأجلت من الشهر الماضى، والتى ستشمل لقاء الرئيس المصرى فضلا عن احتمالات زيارته لمجلس النواب وإلقاء كلمة أمام أعضائه، تمثل أهمية كبيرة فى الوقت الراهن، فمن ناحية يفترض أن تقدم إثيوبيا من خلال رئيس وزرائها ردا رسميا على المقترح المصرى بخصوص دخول البنك الدولى طرفا فى المفاوضات وهو الاقتراح الذى كان قد نقله وزير الخارجية المصرى سامح شكرى فى زيارته العاجلة إلى أديس أبابا نهاية الشهر الماضى، ومن ناحية أخرى فإن استمرار مسار المفاوضات على المستوى الفنى يبدو متوقفا على المدى الذى يمكن أن تصل إليه التفاهمات السياسية بين مصر وإثيوبيا خلال هذه الزيارة بخصوص سد النهضة، وإذا ما كانت زيارة ديسالين قد تحمل رسائل طمأنة جادة لمصر أم أنها لن تشهد سوى المزيد من المماطلة وإضاعة الوقت كى تواصل إثيوبيا سيناريو فرض الأمر الواقع من خلال استكمال مراحل بناء السد دون الوصول لالتزامات واتفاقات واضحة مع مصر بهذا الخصوص. 
 
بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن أسباب التوتر فى العلاقات المصرية السودانية ليست مقتصرة على تباين المواقف من سد النهضة، فإن نتائج زيارة ديسالين للقاهرة سوف تنعكس بشكل كبير على طبيعة العلاقات بين مصر والسودان خلال الفترة المقبلة، خصوصا فى ظل ما تردد فى وسائل إعلام إثيوبية وسودانية عن أن زيارة سامح شكرى لأديس أبابا شهدت حديثا عن مفاوضات ثنائية تستبعد السودان، وهو ما نفته مصر بشكل قاطع، وبالتالى فإن تأكيد مصر وإثيوبيا معا خلال زيارة ديسالين على هذا الأمر قد يساعد على تخفيض حدة التوتر نسبيا، كذلك فإن استقبال ديسالين قبل أسابيع قليلة لرئيس أركان الجيش السودانى على خلفية التوترات والتحركات التى تمت على الحدود مع إريتريا، وكذلك زيارة رئيس إريتريا الأخيرة إلى القاهرة بعد تصاعد هذا التوتر، تشير إلى أن هذا الملف سوف يكون مطروحا أيضا خلال نقاشات ديسالين فى القاهرة، بحيث يتم خفض حدة التوتر واستبعاد الحديث عن تهديدات وتحركات عسكرية وهو ما سوف يمثل رسائل طمأنة أيضا إلى السودان. 
 
قضية سد النهضة إذن تبدو المحور الرئيسى لهذه الزيارة، والتفاهمات حولها سوف تحدد شكل ومسار تطور الأمور خلال الفترة المقبلة، لا فقط على صعيد العلاقات بين مصر وإثيوبيا بل سوف تمتد لما يتعلق بالأزمة الراهنة مع السودان، لكن السؤال الأساسى هو حول البدائل التى تمتلكها مصر إذا استمرت إثيوبيا فى محاولات المماطلة وكسب الوقت، ولم تسفر زيارة رئيس الوزراء الإثيوبى عن جديد يذكر، خصوصا فى ظل ما هو مرجح من رفض العرض المصرى بدخول البنك الدولى طرفا فى المفاوضات، وإذا ما كان ديسالين يحمل فى جعبته للقاهرة اقتراحات بديلة تضمن دفع مسار المفاوضات بشكل مختلف، أم أن مصر قد تضطر للجوء ولو بالتلويح لخيارات أخرى على أصعدة مختلفة إذا لم يقدم ديسالين أى مقترحات جادة تضمن اختلاف مسار الشهور المقبلة عن السنوات الماضية. 
 
حديث الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، الأسبوع الماضى، فى أثناء افتتاح عدد من المشروعات عن القيام بأكبر مشروع لمعالجة وتحلية المياه يشير بوضوح إلى أن مصر تضع احتمالا راجحا بتأثر حصتها من مياه النيل على خلفية بناء سد النهضة، خصوصا فى قوله بوضوح إن جهود الدولة فى إنشاء محطات تحلية المياه ليس من باب الترف وإنما لحل مسائل محتملة، وهو ما يدفعنا للتساؤل حول ما إذا كانت مصر تدرك مسبقا أن المسارات الحالية من التفاوض والزيارات واللقاءات مع إثيوبيا لن تأتى بنتيجة، وكيف قد يكون رد الفعل المصرى فى هذه الحالة. 
 
بالتأكيد لا أحد يريد أن تدخل العلاقات المصرية الإثيوبية فى أى أزمات كبرى، لكن استمرار المسار الحالى دون تطورات جادة والتزامات واضحة ومحددة فيه، لا يعنى سوى المزيد من الوقوف فى موقع المتفرج على فرض الأمر الواقع من إثيوبيا، وبالتأكيد لا أحد يقبل بأن تتصاعد حدة التوترات بين مصر والسودان، ولا الانجرار للتورط فى تحركات عسكرية أو تهديدات أمنية، وهو بالمناسبة أيضا ما يحتاج إلى توضيح ورد رسمى من الجانب المصرى على الاتهامات السودانية فى الآونة الأخيرة، لكن فى كل الأحوال تحتاج مصر إلى امتلاك بدائل وسيناريوهات فى حال عدم خروج زيارة رئيس الوزراء الإثيوبى الحالية بنتائج واضحة، بدءا من إدراك أن مسار المفاوضات الحالى قد لا يفضى إلى أى شىء، ومرورا باحتمالات عرض الاتفاقية الثلاثية التى وقعت بين مصر والسودان وإثيوبيا على البرلمان لرفضها وعدم الالتزام بها، ووصولا لامتلاك القدرة على التحرك على الصعيد السياسى والدبلوماسى إفريقيا وإقليميا ودوليا بشكل مؤثر يجبر الجميع على احترام حقوق مصر والالتزام بضمانات واضحة لها. 
 
من هنا فإن جدول الأعمال المصرى المنتظر فى هذه الزيارة يحتاج إلى أن يكون شديد الوضوح والمباشرة، بدءا من تلقى إجابات واضحة من الطرف الإثيوبى على المقترح المصرى الأخير، وتلقى ضمانات جادة لمدى فائدة استكمال مسار المفاوضات فى حال الرفض الإثيوبى، والبدائل المحتملة التى قد تلجأ إليها مصر فى حال استمرار الموقف الإثيوبى على ما هو عليه، ودون الاكتفاء أو القبول بأن تكون تلك الزيارة الحالية مجرد محطة جديدة من محطات الانتظار التى لا تسفر عن شىء، وإنما نقطة تحول واضحة وحاسمة فى مسار ملف سد النهضة خلال الفترة المقبلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات