.

الأوبرا السعودية.. الإصلاح السعودى يؤتى ثماره

Foto

كيف تتشابه خطوات التحديث التى يقوم بها ابن سلمان مع «بروسترايكا» جورباتشوف؟ هل التحديث السعودى نابع من الداخل أم من الخارج أم منهما معًا؟ ولماذا؟ لماذا لن تستطيع مملكة آل سعود الاستغناء عن الوهابية؟


فى العام 1985، عندما انتُخب ميخائيل جورباتشوف أمينا عاما للحزب الشيوعى السوفييتى، كان أصغر عضو فى المكتب السياسى سنا، وكانت رؤيته تتلخص فى كيفية إنعاش الاقتصاد السوفييتى كهدف أول لسياسته الجديدة، فأدرك على الفور أن إنعاش الاقتصاد يتطلب إصلاح الهياكل السياسية والاجتماعية الأساسية، فبدأ بسلسلة إصلاحات صادمة، تقوم على إصلاح الهياكل السياسية والاجتماعية فى البلاد، فما كان منه إلا أن أقصى كبار المسؤولين عن مناصبهم وامتيازاتهم التى حصلوا عليها منذ عهد «بريجنيف»؛ لأنه كان يُدرك أن بقاء أولئك المسؤولين فى مناصبهم سيكون مُكبلا لسياساته الإصلاحية، وأُطلق على تلك الإصلاحات «بروسترايكا»؛ لأن ما قام به جورباتشوف عملية بناء شملت النواحى، جميعها، فى الاتحاد السوفييتى، ولعل أهم ما ميزها ليس نظرتها الجديدة للعالم فقط، بل إنها جعلت نظام الاتحاد السوفييتى «الصارم» يتبنى مواقف تتسم بالليونة تجاه بعض القضايا الدولية، والتخلى عن السياسات المتشددة للحزب الشيوعى السوفييتى!

ما نراه فى مملكة آل سعود، منذ ظهور الأمير الشاب محمد بن سلمان «32 عاما» على مسرح الأحداث، بعد تنصيبه وليا للعهد، إنما من الممكن أن نشبهه -مع بعض التحفظ والاختلاف طبعا- بما أحدثه جورباتشوف من إصلاحات فى الاتحاد السوفييتى السابق، فقد تبنى الأمير الشاب سلسلة من الإصلاحات التى اتسمت بالجرأة والانقلابية، حتى إنه نعتها مؤخرا بـ«الصادمة»؛ لأن مجرد حدوث تلك التغييرات والإصلاحات الحداثية المتسارعة فى مملكة مُحافِظة كمملكة آل سعود، يستحق التحليل والرصد، خصوصا مع وجود مؤسسة دينية رجعية متشددة، كانت، ولما تزل، داعما وضامنا أساسيا لسلطة آل سعود فى المملكة، لكن «ابن سلمان» لم يعبأ بها، بل إنه قام بتقليص صلاحيات «هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، وإدماجها فى وزارة الشؤون الإسلامية، وسحب سلطة اعتقال المشتبه فيهم منها، وكأنه بذلك يتحدى أشياخ الوهابية، الذين باتوا بمذهبهم عبئا على المملكة وأميرها الشاب الذى يمسك بزمام الأمور فى المملكة!
التحديث السعودى الذى يتبناه محمد بن سلمان، يسير جنبا إلى جنب مع التحديث الاقتصادى، ففى أثناء مؤتمر الاستثمار الذى انطلق فى الرياض فى أكتوبر الماضى، لم ينس الأمير الشاب وهو فى زخم حديثه عن حلمه وتخطيطه لإنشاء مدينة الأحلام «نيوم»، أن يؤكد على أهمية الإصلاح والتحديث وعودة المملكة إلى «الإسلام الوسطى المعتدل المنفتح على العالم»، حسب تعبيره، ولعله حين ربط بين الإصلاح وحُلمه الاقتصادى كان للتأكيد على أن خطوات التحديث لن تتوقف، فمع الإعلان عن مشروع عملاق كهذا خاضع للمعايير الدولية، لابد أن يتساءل كثيرون إن كان ذلك سيعنى اختلاط الرجال بالنساء، والسماح لهن بارتداء المايوهات واحتساء الخمور فى تلك المدينة السياحية الترفيهية التى تعد أساسا لـ«رؤية 2030»؟!
لم يكن يتخيل أحد أن تُقام عروض أوبرا فى المملكة الوهابية، لكن على أى حال أُقيمت تلك الأوبرا، فقبل انتهاء شهر فبراير الماضى بأربعة أيام فقط، شهدت خشبة مسرح مركز المؤتمرات فى جامعة الأميرة نورا بنت عبد الرحمن بالعاصمة السعودية الرياض، عرض أوبرا «عنتر وعبلة» مصحوبة بالموسيقى، برعاية الهيئة العامة للترفيه، التى تأسست اتساقا مع رؤية المملكة 2030، وتحفيز دور القطاع الخاص فى بناء وتنمية النشاطات الترفيهية، وهى خطوة يتحدى بها «ابن سلمان» سلطة أشياخ الوهابية فى بلده، كدليل على أنه ماضٍ فى تحديث المملكة مهما كانت العقبات أمامه، ليقفز أمامنا سؤال مفاده: هل هذا التحديث نابعٌ من الداخل أم من الخارج أم منهما معا؟! وفى الحق، إن التحديث الذى تتسارع خطواته الجامحة الآن فى المملكة لا يمكن أن يكون نابعا من داخلها فقط، ولا من خارجها فقط، بل إنه تحديث تلاقت فيه رغبات الداخل والخارج معا، وإن كان الضغط الخارجى أكبر، فمما لا شك فيه أن محمد بن سلمان كشاب يتبنى الفكر المتطور لا المحافِظ إنما يروم إحداث طفرة اقتصادية واجتماعية كبيرة فى المملكة على عهده؛ لتوطيد أركان ملكه، من خلال الاقتراب من فكر الشباب السعودى الذى يعانى منذ عقود من الانغلاق والتزمُّت، ولكن فى الوقت نفسه فإن تحديث المملكة أمرٌ بات ضروريا ولا سيما بعد موجات الإرهاب المتشبع بالفكر الوهابى المجافى للآخَر، فبعد ظهور وتوحُّش الجماعات الإرهابية وعلى رأسها «داعش»، بات ضروريا مجابهة الإرهاب من خلال مجابهة الفكر الذى ينتجه، ومما لا شك فيه أن الفكر الوهابى يشكّل قاعدة معرفية ومنبعا أساسيا للإرهاب حول العالم، ما يعنى أن مملكة آل سعود مسؤولة بصورة مباشرة عن تنامى الموجات الإرهابية حول العالم، لأنها ترعى هذا الفكر، وتمنح أشياخه سلطات وأموالا طائلة تدرها الثروة النفطية على السعودية، الأمر الذى عجّل بخطوات التحديث التى يسابق «ابن سلمان» الزمن لإقرارها فى المملكة، ولا مندوحة عن الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما، هو أول من حفّز السعودية -بطريق غير مباشرة- إلى الالتفات نحو الإصلاح وتغيير البنية المحافِظة هنالك، فقد تناول أوباما، فى غير تصريح له، مسألة تمويل الإرهاب ماليا وفكريا، ولم يتحرّج من تحميل السعودية مسؤولية ذلك الأمر، حتى إن ساسة آل سعود -آنذاك- لم يتقبّلوا كلامه ولم يبادلوه الودّ، إلى أن جاء الرئيس الحالى «ترامب» فطالب ساسة آل سعود صراحة بمكافحة الإرهاب من خلال مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف موارده المالية التى تُضخّ له من خلال مؤسسات الإغاثة والدعوة وغير ذلك، لذلك لا نبالغ عندما ادّعينا أن الضغوط الخارجية على مملكة آل سعود لإجراء تحديث وإصلاحات فيها كانت أكبر من الضغوط الداخلية، ولعل هذا يفسّر التسارُع الذى يمارسه «ابن سلمان» فى عملية الإصلاح؛ فخلال وقت قصير تم السماح للمرأة السعودية بدخول الملاعب الرياضية بما فيها ملاعب كرة القدم، وممارسة الرياضة، كما أن مجلس الشورى السعودى فى طريقه للتصديق على قانون يمنع الولاية على المرأة، من قِبَل الأب أو الزوج أو الأخ، بما يتيح لها فى المستقبل حرية السفر والعمل والدراسة، وفى خلال مدة قصيرة سمعنا وقرأنا أن بعض أشياخ السعودية يرون أن ارتداء المرأة السعودية العباءة السوداء الفضفاضة «الإسدال» ليس شرطا ما دامت ملتزمة بالاحتشام، وغير ذلك من خطوات إصلاحية لا نبالغ إذا وصفناها بأنها خطوات انقلابية قُحة، ويبدو بجلاء أن الأمير الشاب يروم توصيل رسائل فى الداخل والخارج معا، مفادها أنه ماضٍ بسرعة فى تحديث المملكة، ولا أدل على ذلك من سلوكه فى أثناء زيارته الأخيرة لمصر؛ إذ شهد عرضا مسرحيا مع الرئيس السيسى فى دار الأوبرا المصرية، كما زار بنفسه البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية فى مقره بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، فى سابقة هى الأولى فى تاريخ المملكة، دون أدنى اعتبار لأشياخ الوهابية!
دائما نقول: إن الإصلاح ليس بالإشارة وليس بالأوامر، لكنه منظومة متكاملة، بمعنى أنه لا يتم من فوق لتحت، بل إنه ينبغى أن تكون له قواعد اجتماعية متماسكة تضمن له البقاء، وما يتم الآن فى المملكة السعودية إنجاز تاريخى بحق، لكنه فى الوقت نفسه لن يغير وجه المملكة سوى فى القشرة الخارجية، تماما كما غيرت الطفرة النفطية القشرة الخارجية للمجتمع السعودى، بحيث بدا فى الظاهر مجتمعا متطورا يأخذ بأسباب الحياة والحداثة، لكنه فى حقيقة الأمر مجتمع بدوى محافِظ، فالأهم فى التحديث والإصلاح هو تحديث وإصلاح القواعد السوسيولوجية فى المجتمع السعودى؛ حتى يضمن «ابن سلمان» قبول المجتمع لخطواته، خصوصا مع توغل الوهابية وإرثها التاريخى فى بنية المجتمع السعودى، ومراعاة أمر كهذا ضرورة حتى لا تأتى خطوات الإصلاح بنتائج عكسية، فالقضاء على الوهابية فى المملكة أمر مستحيل، فلن يأتى بين عشية وضحاها كما يتخيل البعض، خصوصا مع وجود تيار فى المملكة، يتبناه بعض المثقفين فيها، يؤمن بأن الوهابية هى الفكر المعتدل لأنها هى أساس بناء الدولة، وأنه من الصعب أن تتبرّأ السعودية من الوهابية، فهذا التيار يؤمن أن الوهابية فى حد ذاتها مذهب دينى متسامح «..»، لكن تم اختراقه بواسطة تيار سلفى متشدد، وهو الذى ساد خلال الثلاثين سنة، الأمر الذى يعنى أن المملكة لن تستغنى عن الوهابية، هى فقط تروم تجميل الشكل الاجتماعى؛ لتحقيق براجماتية يسعى إليها الأمير الشاب محمد بن سلمان لإقناع العالم بأنه يحمل فكرا متطورا يختلف عن فكر أسلافه كلهم، حتى يضمن السلامة والهدوء!
وأخيرا، فإن أهم ما نبتغيه فى المنطقة أن يتوارى المذهب الوهابى بحيث ينغلق على نفسه داخل حدود مملكة آل سعود، فلا يُسمح له بالانتشار والتمدد فى المنطقة، وفى الوقت نفسه يتم غلق منابع التمويل الوهابى المالى؛ حتى نضمن محاصرة الخطاب الدينى المتطرف التكفيرى، لأننا إذا لم نضمن ذلك فلن يتم القضاء على الإرهاب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات