.

روسيا لاعب قوى محل أمريكا فى الشرق الأوسط

Foto

كيف أنهى بوتين عدم الاتصال الروسى بالشرق الأوسط وبنى وضعًا أقوى من الذى استمتع به الاتحاد السوفييتى؟


ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «هيل» الأمريكية.

 

ينبغى أن يبعث وضع الولايات المتحدة المؤسف اليوم فى الشرق الأوسط برسالة قوية للرئيس ترامب. المنطقة تعم بالقواعد الأمريكية الجوية والبحرية، وانتشار موسع للجنود فى قطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وغيرها مزود بـ٥٥ ألفًا من القوات والمدنيين، ووحدات متزايدة فى مناطق الحرب فى أفغانستان وسوريا والعراق. وعلى الرغم من كل هذه القوة العسكرية فالقوة الرئيسية فى المنطقة اليوم هى روسيا.

منذ أن قام الرئيس الروسى بوتين بإنقاذ نظام الرئيس السورى بشار الأسد من الانهيار، أسس الأول علاقات عمل مع كل القوى الرئيسية فى الشرق الأوسط بما فى ذلك مصر والسعودية وإسرائيل وإيران وتركيا على الرغم من أن عددًا منها يعارض بقوة ما يقوم به فى سوريا. لقد عملت موسكو على صفقات ناجحة مع السعودية لدعم الأسعار العالمية للبترول. ولم تكن قط علاقاتها بإسرائيل أقرب على الرغم من أن روسيا عززت كثيرًا من قوة إيران فى سوريا.
وقد تخطَّى الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، وبوتين، التوتر الناتج عن قتالهما على جانبَين متعارضَين فى سوريا وعن عضوية تركيا فى الناتو، ليتفقا على شراء أنقرة صواريخ دفاع جوى روسية ومفاعلًا نوويًّا روسيًّا. ومثله مثل أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيل بنيامين نتنياهو، قام الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، برحلات متعددة إلى موسكو، والآن وقعت مصر وروسيا مسودة اتفاق يعطى موسكو حق استخدام المجال الجوى المصرى ومن المحتمل استخدام القواعد أيضًا. ووافقت موسكو على بيع نفس نظام الصواريخ المتطور الذى ستشتريه تركيا لمصر، وعلى بناء أول مفاعل نووى فى مصر.
وباستثناء سوريا، كل هذا تم تحقيقه من خلال الدبلوماسية. ففى أثناء بضع سنوات أنهى بوتين عدم الاتصال الروسى بالشرق الأوسط وبنى وضعًا أقوى من الذى استمتع به الاتحاد السوفييتى منذ ٤٠ عامًا. ولا يوجد شىء غامض فى كيف قام بذلك، إذ يدرك بوتين قوة الدبلوماسية. وبإمكانك أن تراهن أنه لا توجد سفارات روسية خالية، السفراء فى البلاد التى تهم موسكو كما هى الحال الآن، على نحو لا يصدق تقريبًا، فى مواقع أمريكية خالية فى مصر والأردن وليبيا وقطر والسعودية وسوريا وتركيا وبالطبع إيران، حيث ليست لدينا سفارة.
وقد ساعد بوتين كثيرًا القناعة بالانحدار الأمريكى السائدة عبر المنطقة. وبقدر ما هو تصور كما هو حقيقة تأصَّل الاعتقاد فى السنوات المبكرة لأوباما ونما تدريجيًّا منذ ذلك الحين. وما ينبغى أن يلاحظه الرئيس هو أن ما من وجود عسكرى قادر على إحداث أى تغيير فى ذلك.
ومع ذلك، فحتى تتمكن من إفساح المجال لزيادات الدفاع (كما لم يرَ أحد من قبل) يقترح ترامب فى ميزانية عام ٢٠١٩ تقليص جميع الإنفاق التقديرى غير العسكرى، والذى يتضمن كل شىء غير الاستحقاقات وفوائد الدين العام، على مدى ١٠ سنوات إلى ١.٣٪ من الناتج المحلى الإجمالى. ووَفقًا لمركز الميزانية والأولويات السياسية فهذا سيمثل ثلث متوسط مستوى نصف القرن الماضى وسيكون أقل مستوى منذ إدارة هوفر.
وسيتم تخفيض ميزانية وزارة الخارجية والمساعدات الدولية بشكل كبير. ومع تعديلها وَفقًا للتضخم تشكل التخفيضات تراجعًا بنسبة ٤٢٪ عن الإنفاق الحالى على التعليم والعلوم والصحة والإسكان والمساعدات الغذائية والتى تشكل عمليًّا جميع البرامج الفيدرالية التى توفر الفرص وتقلص عدم المساواة وتعزز رأس المال البشرى وتغذِّى الابتكار. تلك هى مصادر النمو طويل المدى والتماسك الوطنى، وهما ركنان من ثلاثة أركان للرفعة الوطنية.
لدينا جيش مصمم للقوة العالمية وبه نواقص تمويل بحاجة إلى الإصلاح. ومن ناحية أخرى لا نتصرف كدولة لديها مسؤوليات ومصالح عالمية، كما أننا مستمرون فى السماح لأنفسنا برفاهية التبديد الضخم فى ميزانية البنتاجون من خلال بناء دبابات لن نستخدمها أبدًا وطائرات لا يمكن تشغيلها فى المجال الجوى القتالى الحديث وأنظمة نووية زائدة أكثر من المطلوب للردع. وفى ظل الاحتياجات العسكرية للقرن الـ٢١ والمتطلبات المحلية ومتطلبات القيادة الدولية وفى ظل العجز المتفجر لم يعد التبديد متحملًا.
وما من أمة عظيمة بُنيت على القوة العسكرية. الاتحاد السوفييتى حاول وترك مواطنيه يقفون فى الطوابير للحصول على الصابون والكبريت. وما من ديمقراطية بعدم تساوٍ وانقسام، ديمقراطيتنا تستطيع السماح للانشقاقات باستمرار توسعها دون التعرض لخطر مميت. وما من دولة بنَت مصلحتها على التحالفات والتجارة وقيادة نظام دولى على أساس سيادة القانون تحتمل أن تعامل التزاماتها بازدراء أو تنسى أن الدبلوماسية هى الأداة الرئيسية لتعزيز المصالح الوطنية. فالقوة العسكرية ما هى إلا خط رجعة عندما تفشل الدبلوماسية.
وترامب يشارك آخرين فى الخلط بين الإنفاق العسكرى والقوة العسكرية والخلط بين القوة العسكرية والرفعة الوطنية. المختلف هو أنه يريد أن يخطئ على نطاق أوسع من أى نطاق تخيله أحد منذ ١٩٤٥ على الأقل. ففى نهاية الطريق الذى يريد أن يسير فيه دولة أدنى بكثير وليست دولة أعظم.
…..


جيسيكا تى ماثيوز
رئيسة مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى من ١٩٩٧ إلى ٢٠١٥.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات