.

لماذا تتخلى أوروبا عن أمريكا ترامب؟

Foto

الأوروبيون بلعوا الكثير لترامب.. لكن يبدو أنه سيبتلعهم


ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية

 

باريس، فى يوم ٩ نوفمبر ٢٠١٦، عندما استيقظ الأوروبيون على نبأ انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، أغلبنا أدرك أن الأمر سيكون له تأثير معتبر على السياسة العالمية، وما لم ندركه حينها هو إلى أى مدى ستغير هذه الواقعة النسيج الأساسى للعلاقات الدولية.
لقد مررنا، على مدى الـ١٦ شهرًا الماضية، بنحو ٣ مراحل فى التعامل مع كون حليفنا الأول الولايات المتحدة يحكمها رئيس غير تقليدى كهذا. بدأنا الرهان على الحكمة البشرية والواقعية السياسية، فقريبًا جدًّا سيتعقل دونالد ترامب المرشح القومى الشعبوى ويصبح الرئيس ترامب، فالسياسيون المستقلون يميلون إلى فعل ذلك فى المجتمعات الديمقراطية.
ثم جاءت مرحلة «الأصوات العاقلة»، فعندما اتضح أنه ما من تعقُّل فى المكتب البيضاوى تم اقتيادنا إلى الإيمان بأنه لحسن الحظ ضوابط وتوازنات النظام الأمريكى تقوم بوظيفتها. وسرعان ما خرج ستيف بانون السام من الصورة، وتولَّى زمام الأمور بعض اللواءات من ذوى الخبرة والموثوقية، وكانت نصائحهم لتسود. ترى كيف كان سيكون رد فعل واشنطن الرسمية إذا كان قد تم تعيين لواءات فى مناصب عامة فى الحكومة الفرنسية أو ألمانيا؟ لا أظن أنه كان سيكون رد فعل دافئًا. ولكن، بما أن هذه ليست أوقاتًا عادية ساير الأوروبيون الفكرة.
ولأولئك الذين كانوا لا يزالون يؤمنون بنظرية «الأصوات العاقلة» فقد تعرَّضت النظرية لضربة موجعة الشهر الماضى فى مؤتمر ميونخ للأمن، وهو تجمع سنوى لكبار السياسة الخارجية والدفاع. وقد حضر وزير الدفاع جيم ماتيس، ولكن على نحو مفاجئ لم يلقِ كلمة. وقد تحدث مستشار الأمن القومى اللواء إتش آر ماكماستر، ولكنه تعرض لانتقاد شديد العلنية بعد بضع ساعات من خلال تغريدة رئاسية لأنه «نسى» ذكر أن التدخل الروسى لم يكن له تأثير على انتخاب ترامب.
ويعترف كبار المسؤولين الأوروبيين بأنه أيًّا كانت جودة التعاون بينهم وبين نظرائهم فى إدارة ترامب فإن تقلب الرئيس وعدم القدرة على التنبؤ بأفعاله يلوحان فى أفق صناعة القرار. ولقد دخلنا الآن المرحلة الثالثة من الإنكار الأوروبى الكبير. ومن الممكن تسميتها مرحلة «أنجيلا ميركل كانت محقة»، فى إيماءة إلى تصريح المستشارة الألمانية عقب اجتماعات الناتو ومجموعة الـ٧ مايو الماضى بـ«أننا كأوروبيين يجب أن نأخذ مصائرنا فى أيدينا».
وتستمر محاولات المسؤولين الأمريكيين فى طمأنة مَن يحادثونهم من أوروبيين حائرين: «لا تنظروا إلى التغريدات، انظروا إلى ما نقوم به». نُردّد مرارًا وتكرارًا أنها حقًّا لجملة استثنائية. تخيلوا أنفسكم تمثلون إدارة وتقولون للأجانب كل يوم: تجاهلوا رئيسنا. لكن هذا من رابع المستحيلات فهذا الرئيس لا يمكن تجاهله، لأنه بدأ بالفعل فى تغيير العلاقات الدولية بشكل كبير فى ما هو أبعد من ترويج الأحادية على حساب التعددية.
هل سنشهد حربًا تجارية؟ ربما لا. ولكن هجوم البيت الأبيض الأسبوع الماضى، الذى جاء من حيث لا ندرى ولا نعلم، إنما هو مثال لحلفاء واشنطن الأوروبيين والكنديين على مدى التراجع المحتمل للعلاقة العابرة للأطلنطى فى عهد الرئيس ترامب. ولا يمكن أن يتوقع شركاء الولايات المتحدة الغربيون أن يُعاملوا أفضل من الصين. فعندما قال وزير التجارة ويلبور روس، على قناة «إيه بى سى» يوم الأحد: «هناك تاريخ طويل بحاجة إلى التفكيك» كان يتحدث عن العلاقات التجارية. وهذا له معنى أعمق بالنسبة إلى الأوروبيين، فهو تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية الذى يتم تفكيكه، التاريخ ذاته الذى بنته الولايات المتحدة وشكَّل أساس التحالف الغربى.
وفى وقت سابق، أخرج ترامب الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادى التجارى كجزء من عقيدة «أمريكا أولًا» الخاصة به. وقد عادت الشراكة عبر المحيط الهادى، إذ تمت إعادة إحيائها من قبل الـ١١ عضوًا المتبقين، دون أمريكا. إن العالم حيث قادت الولايات المتحدة الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف ينتهى، ولكن لا تزال الدول تدخل فى اتفاقيات تجارية متعددة الأطراف كما فعل الاتحاد الأوروبى مع اليابان والسوق المشتركة الجنوبية «ميركوسور»، والولايات المتحدة ببساطة ليست جزءًا منها.
كما أخرج الرئيس ترامب البلاد من اتفاق باريس بشأن تغيُّر المناخ. وتجد الدول الموقعة طرقًا للالتفاف على هذه الردة بالعمل مع شركاء أكثر تعاونًا -المدن والولايات والشركات الأمريكية- تمامًا كما فعلوا مع التجارة.
وقد سمح الرئيس لفلاديمير بوتين وشى جين بينج، القائدَين المستبدَّين لروسيا والصين، بتقدم المشهد العالمى. ففى الوقت الذى تم فيه تنصيب ترامب فى يناير ٢٠١٧ لم يهدر الرئيس شى أى وقت، بل تقدم فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس بسويسرا، ليطرح نفسه كالمدافع عن التعددية والتجارة الحرة. وعندما انتخب ترامب كان الرئيس بوتين قد بدأ غزواته فى أوكرانيا وسوريا. أما الغزوات الروسية فى العمليات الديمقراطية للدول الغربية، بما فى ذلك الولايات المتحدة، فكانت ستنكشف بعد ذلك بقليل. وبرفضه العنيد لانتقاد بوتين يخدع ترامب إدارته ويربك حلفاءه ويضعف الرد الأمريكى.
كما يهدد ترامب بالانقلاب على أكبر إنجاز دبلوماسى فى السنوات الأخيرة، الاتفاق الدولى بشأن برنامج إيران النووى، والذى يحاول الأوروبيون إنقاذه بشكل مسعور.
وباعترافه الأحادى بالقدس عاصمةً لإسرائيل، أظهر الرئيس ازدراءه للقانون الدولى وتراجعًا عن نصف قرن من الالتزامات الأمريكية، وبذلك أحدث أضرارًا بالغًا لمصداقية بلاده فى المنطقة.
وروَّج الرئيس ترامب لصورة الرجل القوى بين حكام العالم، كان الديكتاتوريون عادةً يخجلون لكن ليس بعد الآن. ففى الفلبين يستطيع رودريجو دوتيرتى الاستمرار فى التفاخر بإطلاق النار على تجار المخدرات وقتلهم. وفى مكالمة هاتفية العام الماضى، أذاعتها وزارة الخارجية الفلبينية ونقلتها «نيويورك تايمز»، هنَّأ ترامب دوتيرتى لمَا قام به من «مهمة لا تصدق بشأن مشكلة المخدرات».
كما أظهر ترامب قلة مراعاته للديمقراطية، فبعد أكثر من عام على توليه المنصب لا يزال هناك مواقع مهمة خالية فى وزارة الخارجية. لا يوجد سفراء أمريكيون فى ألمانيا أو كوريا الشمالية أو السعودية أو مصر أو تركيا أو الاتحاد الأوروبى، وغنى عن الذكر ذم ترامب الفظّ البذىء فى الدول الإفريقية وهايتى. لقد اختفى التنوع من الصور الرسمية للإدارة بعد أن كان ذات مرة جزءًا من القوة الناعمة الأمريكية، وتكتظ صور الاجتماعات فى المكتب البيضاوى بالرجال البيض الذين ملؤوا أيضًا المؤتمرات الصحفية فى دافوس يناير الماضى.
هذه القائمة غير كاملة، ولكنها كافية لتبرير التشكيك فى تعويذة «لا تنتبهوا إلى التغريدات».
وإذا كنت تتساءل يا ترامب، فإن أوروبا منتبهة.



سيلفى كوفمان
كاتبة صحفية فرنسية، رئيسة تحرير جريدة «لوموند» الفرنسية سابقًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات