.

حفر القناة الثانية استمرار «لمصرنة» القناة 

Foto

كيف ردّ المصريون على محاولة انتزاع قناة السويس من السيادة المصرية؟ هل كان الأفضل أن لا يؤمِّم عبد الناصر قناة السويس وينتظر انتهاء الـ99 عامًا لتعود القناة إلى المصريين بعدها؟


حتى إن كان الله وشعب مصر سببًا فى نجاة مصر من «فخ» إسقاط الدولة الوطنية، الذى كان الإخوان على أتم استعداد ليكونوا عموده الأول ومنفّذه الرئيسى، فإن علينا الوعى بأن المشروع الذى كان الإخوان قد أعدّوه بالذات، لإقليم قناة السويس، هو فى حد ذاته أحد شواهد مشروع كان متجذرًا تاريخيًّا «نزع السيادة الوطنية» لمصر، عن قناة السويس، وهو تاريخيًّا امتداد للمعضلة الأساسية التى مصر قد تجاوزتها بالتأميم عام ١٩٥٦.


مشروع الإخوان لإقليم قناة السويس كان يسير فى سكة فصل الإقليم عن الوطن الأم، وهو نفس السكة الغربية تاريخًا، أو لنقُل إنه كان إحياء لهذه السكة، وهذه نقطة شديدة الأهمية والدلالة، والواقع والتاريخ يستدعيان تأمُّل واستخلاص ما يمكن أن نعيه منها، ربطًا بالتاريخ وتوثيقًا للحاضر.


المشروع الذى كان الإخوان قد أعدّوه لمنطقة القناة كان حلقة فى سياق حلم غربى، كان يقوم أساسًا على ما يشبه انتزاع السيادة الوطنية عن إقليم قناة السويس، بطرح أسلوب ملتبس للإدارة، ولملكيات تنشأ على الضفاف، سواء بالتأجير أو البيع، وبالتالى فإن ما فعله «المصريون» من افتتاح قناة سويس ثانية فى السادس من أغسطس ٢٠١٥، هو بمثابة امتداد للرد الوطنى، هكذا علينا أن نقرؤه، أو امتداد لمشروع «الرد الوطنى» الطويل المدى، والذى يمكن أن نطلق عليه «مصرنة» القناة، أو «قومنة» القناة، فالقناة ومنذ حفرها كانت دومًا هى قضية مصر وأمن مصر، هى مفتاح لنزع السيادة أو تحقيق الاستقلال، والسجال بينهما.


عندما أمَّم عبد الناصر القناة خرجت وجهة نظر خالفت الجموع، بإعلانها أن الأوفق كان أن ينتظر عبد الناصر مرور الأعوام التسعة والتسعين والتى كانت القناة ستعود بعدها، وهذا ما يدحضه التاريخ أيضًا. تأميم القناة للرد الوطنى على محاولات نزع السيادة، والدليل يأتينا قبل قيام الثورة فى عام ١٩٥١، إذ قدّم الأستاذ الدكتور مصطفى الحفناوى، رحمه الله، رسالته للحصول على الدكتوراه من جامعة السربون، وكانت فى القانون الدولى، وموضوعها قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة.


الرسالة التى شكَّلت موسوعة فريدة من أربعة أجزاء باللغة الفرنسية، عرَّبها الحفناوى، لتصبح أحد الأسانيد القوية، نوّرت عبد الناصر وأسهمت فى حسم اختياره «لتأميم» القناة، الذى لم يكن مجرد استرجاع لحقوق مادية، بقدر ما كان خطوة باتجاه تحقيق الاستقلال الوطنى، ولعل الجميع يتذكَّر مشهد استعداد الدكتور الحفناوى فى فيلم «ناصر ٥٦»، ليلتقى عبد الناصر قبيل التأميم بساعات.

صحيح أن التصدّى لقناة السويس كمفتاح لاحتلال مصر واستقلالها لم يكن الحفناوى أول مَن قام به (سبقه طلعت باشا حرب والدكتور حسين حسنى باشا، عن التاريخ السياسى للقناة) لكن موسوعة الدكتور الحفناوى التى سانده لتحقيقها وزير الخارجية وقتها الوفدى الدكتور محمد صلاح الدين باشا، بتعيين الحفناوى رسميًّا بالسفارة الملكية المصرية بباريس، كانت عملاً وثائقيًّا من الطراز الأول، كشف الحفناوى من خلاله إصرار الغرب على إبقاء القناة خارج السيادة المصرية، حتى بعد انتهاء مدة الامتياز التى كان مقررًا لها أن تنتهى فى عام ١٩٦٨.


وحسب تعبير دكتور الحفناوى نفسه «اقتضانى الواجب أن أسرد حلقات مأساة القناة وأن أضمّن بياناتى نصوصًا كاملة للوثائق لأبيّن للناس أكبر وأخطر مؤامرة عرفها التاريخ». أصدر الحفناوى رؤيته التى جاءت قبل قيام الثورة بعام، وقبل التأميم الناصرى للقناة بخمسة أعوام، بأن تحرير القناة وتجنيبها السيطرة الأجنبية فيه إنقاذ للعالم من ويلات حروب المنافسة لتحقيق السيطرة، وعلى رأسها السيطرة البريطانية.


وقد بعث فى ذلك الوقت سفير مصر فى واشنطن، سعادة كامل بك عبد الرحيم، برسالة إلى الدكتور الحفناوى، قائلاً: «حسنًا فعلت بترجمتك لمؤلفك القيم عن مشكلات قناة السويس إلى العربية، لأن مشكلة مصر الأولى هى قناة السويس. فى جميع أوساط العالم جهل بها ومعلومات خاطئة غرستها الدعاية البريطانية نشرًا للباطل».


وفى السياق نفسه، بعث وزير مصر المفوض فى لاهاى، محمد علِى صادق باشا، برسالة ينبه فيها إلى «ضرورة نشر الحقائق عن قناة السويس فى مشارق الأرض ومغاربها، لكى تفيق الإنسانية من آثار جهود جبارة بذلها الاستعمار فى تغيير سير الفلك وقلب الأوضاع الطبيعية لهذا الكون».


انتزاع القناة من الجسد المصرى، بالحيلة والدهاء، كان غاية استعمارية تحت ستار حماية المصالح الاستراتيجية وقتها، وكان المخطط مدًّا للامتياز الذى سوف ينتهى فى نوفمبر عام ١٩٦٨، وقد وضع الدكتور الحفناوى يده على هذه المستندات.


المركز القانونى للقناة مرّ بمرحلتَين تاريخيّتَين متعاقبتَين، الأولى فى الفترة من ٣٠ نوفمبر ١٨٥٤، وهو تاريخ عقد الامتياز الأول، إلى ٢٩ أكتوبر ١٨٨٨، وقت أن وقعت معاهدة القسطنطينية، وفى هذه المدة وقع الخديو عقدَين عامَى ١٨٥٦ و١٨٦٦، ولم يصادق الخديو إلا على العقد الأخير، والعقدان يصفان القناة بأنها طريق ملاحى «حُر»، يعنى تضفى صفة العالمية، وتنص صراحة على أن القناة جزء محايد.

المرحلة الثانية كانت عام ١٨٨٨، عندما أبرمت اتفاقية دولية تحدد المركز الدولى للقناة فى القانون الدولى العام.


وعلى بساط البحث وضع الحفناوى أبرز مشكلات القناة، وهى النزاع المصرى البريطانى الناشئ عن الاحتلال، واغتصاب بريطانيا أراضٍ حول القناة، والثانية طرأت عقب حرب فلسطين، والسياق الجامع هو جدلية الاستحواذ والسيادة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات